بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
طريق شيخ حارتنا
  04/06/2011


طريق شيخ حارتنا
(قصّة مهداة إلى شباب قوافل العودة في الذكرى ال-63 للنكبة)

موقع الجولان/ سعيد نفاع
وجد له شيخُ حارتنا وهي "التحتى" جغرافيّا في البلد، وعلى ذمّة المعمّرين من أهل الحارة، طريقا في تدبير شؤون الحارة ولا أسهل، فراح يرقب شيخ الحارة "الفوقى" ويفعل العكس فإن صلّى كفر وإن كفر صلّى، اللهم إلا في العلاقة مع الحكومات.
الموقع الجغرافي للحارتين عقّد شيخنا قليلا بمجرد أن الغريمة "فوق" وحارتنا "تحت" ولكن ما عقّده أكثر وتطلّب منه مجهودا أكثر هي أفضليتها في "الطوشات" العموميّة بحكم موقعها، ومن حسن الحظ أن الله لا يأخذ شيئا دون أن يعطي مقابلا فعينُ البلد وبحكم الطبيعة كانت في الحارة وفي هذا كان نوعا من التوازن عزّى شيخ حارتنا.
لكن هذا لم يغيّر من تكتيك شيخنا في اتخاذ المواقف، فيحكي الناس أنه في الحرب العالميّة أيّد شيخُنا "بين سرّه وخالقه" ألمانيا رغم علاقته بحكومة الانتداب البريطانيّة، ويعزون ذلك لعلاقته القديمة بالحاج أمين التي كان بناها على ذمتهم، ليس إلا لأن شيخَ الحارة الفوقانيّة كان من جماعة النشاشيبي وهذا مع بريطانيا، ورغم أن العلاقة كانت قبل غضب حكومة الجلالة على الحاج ولم يكن في ذلك ضير ولا ضرر حينها، لكن الشيخَ ظلّ يحب الحاج بعد غضبها ولم يَخف ذلك عليها، فدفع ثمنَ هذا الحب فتورَ علاقة الحكومة فيه وإعلاءَها شأنَ شيخ الفوقى دون أن تقطع علاقتَها كليّا فيه، ففي نهاية الأمر هي تريد اثنيهما.
تغيّرت الأحوال وتغيّرت الدول لكن شيخَنا لم يغيّر طريقه وراح يرقب تعاملَ شيخ الفوقى مع الدولة الجديدة ويتخذ خطواتِه تبعا لخطوات ذاك، ورغم أن ذلك أوقعه في تناقضات كثيرة، لكن ما دام الأمر من وجهة نظره يصبّ في مصلحة الحارة، طبعا مثلما يفهمها، فعلّلها وبرّرها وقبِل أهلُ الحارة منه ذلك وعلى الأقل ما دام في الأمر مصلحةٌ لحارتهم على الفوقى وكرمال أن لا يتشفي فيهم أهلُها.
علّق رفيقي والذي كنت وإياه جوّالين على معمرّي البلد لأنه فقس في رأسنا أن نؤلف كتابا عن تاريخ البلد، علّق ونحن نسمع الراوي، قائلا:
"تيتي تيتي كأنكِ لا رُحتي ولا جيتي"، مضيفا:
وما الفرق اليوم؟ حتى رؤساء أحزاب متعلمين ورؤساء دول هكذا يتصرفون... لم يعره محدّثُنا انتباها وتابع:
كان عاد فايز من الأرجنتين ليجد البلد وأهلَها كما كانوا في "السَّفربَرْلِك" يوم تركهم يافعا هاربا من التجنيد التركي وكأن الإنجليز لا جاءوا ولا كانوا ولا انتدبوا، ولم يعجبه وهو كالشايف حاله "المفتح في ديرة عميان"، ما كان عليه ابنُ عمّه الشيخ والبلدُ كلُّها ليس فقط الحارة، فراح يشرح لابن عمّه بلغة وإن كانت رغم ثقل لسانه عربيّة، أمورا كثيرة وعينيّا عن طريقه... عن الفعل وردّ الفعل وأن عليه أن يكون فاعلا في إدارة شؤون الحارة وليس رادّ فعل ومتعاونا مع الفوقانيّة و..و.. ولأن الآتي أعظم ولا مردّ له إلا إذا تعاونا. لم يفهم الشيخ بعض ذلك وفهم البعض ولكنه اعتبر في داخله أن ابنَ عمه لا يفهم البلدَ وأحوالَها بعد طول غياب، ولكن وحتى لا يمس به بعد هذه الغربة وانقطاع أخباره واقتناعا منه أن حديثَ ابن عمّه حديثُ متغربين راجعين حاملينه من غربتهم أجابه: "يا إبن عمّي الذي ينفع في الأرجنتين لا ينفع عندنا" وانتهى بذلك الكلام.
كانت أيام فيها جلّ حديث الناس عن حرب ال-48 واحتلال اليهود واللاجئين والقرى الجارة التي تهجّجت والصحاب الذين غابوا وأكثر ما كان يتردد فيها حكايات الخيانة، وإن كان شيخنا وهذه المرّة بالتعاون مع شيخ الفوقى كفّوا عن البلد شرّ الترحيل ولكنه كان ينتظر الآتيات كغيره من الناس.
لم يتأخر الأعظم الذي حدّثه عنه ابنُ عمّه فلم يصدّق أحد ما جاء به شيخنا بعد أن استدعاه وشيخَ الفوقى الحاكم العسكري، من أن الدولة سكّرت الأرض الشرقيّة مصدر قوْتِهم حفاظا على أمنهم لأنها قريبة من الحدود السوريّة والحالة ما زالت حالة حرب. رغم هول المفاجأة لكن التي اعتبروها أكبر هي الاتفاق الذي أبرمه وشيخ الفوقى في طريق عودتهم من عند الحاكم على عقد صلحة عامة بين الحارتين يتنازل فيها كل طرف عن ثاراته لكي "يتفضوا" للمصيبة الجديدة هذه التي لم تكن لا على البال ولا على الخاطر، ورغم أنه كان "القايل الماين" حتى على رقابهم، إلا أنه احتاج هنا لفلسفة ابن عمّه فساعده هذا دون تردد على إقناع أهل الحارة، ولم يتركانهم حتى سمعا من الجميع "على الله التوكّل" علامة الموافقة عند أهل بلدنا وانفضّ الجمع.
لم يبخل أحد من أهل بلدنا لا برخيص ولا بغال حتى يفتحوا الأرض لا بمال ولا في عيال ولا في دم ولا في اعتقال والشيخان في المقدّمة، إلا أن شهر العسل هذا لم يدم طويلا وليس لتوك فيهم أكثر من شيطنة في الحاكم الذي اقترح عليهم وإكراما من الدولة تعويضَهم وحسب خيارهم بمال وفير أو أرض مزروعة بالزيتون الروميّ تبيّن أنها أملاك لاجئين في القرى المجاورة التي هّجّج أهلها وصارت أملاكا للدولة واسمها أملاك غائبين.
فدبّ الخلاف بينهم وانقسم أهل الحارتين بين مجموعة مختلطة لم تقبل بديلا عن الأرض ولم تركب على عقولهم غيرةَ الدولة على حياتهم، وإن كان لا بدّ فلا مال ولا زيتون حتّى "يحلها الحلّال". شيخ الفوقى وتبعا لاقتناعه بأن "العين لا تلاطم مخرزا" مال إلى هؤلاء ولكن خلّى للبدائل مطرحا وخصوصا التعويض بالزيتون كأهون الشرّين، ولكنه وحتّى يبريء ذمّته اقترح استفتاء رجال الدين إن كان هذا الأمر حلالا أو حراما. لم يتأخر شيخ مشايخ بلدنا في فتواه وأفتى غير متردد: "هذا مال حرام لم تتعبوا فيه وأصحابه ما زالوا أحياء".
شيخ التحتى عاد لعادته وراح ينتظر موقف شيخ الفوقى وقيل أنه كان يغيب لأيام عن البلد ويعود "شائلا" غير مفض. صعّبت فتوى شيخ المشايخ الحل على الحارتين وصعّب أكثر مرور الأيام فالوقت ضيّق والغلالُ بدأت تنفذ من بيوتهم وموسمُ السنة الماضية ضاع وهم الذين كانوا بالكاد عوّضوا عن موسم ال-48 الذي احترق واحترق معه اثنان من أهل البلد ولشديد الصدف واحد من كل حارة.
اجتمع أهل البلد ومن الحارتين ولم يتخلّف أحد اللهم إلا نفر قيل عنهم أنهم كانوا من الذين تعاونوا مع اليهود وقبل ال-48 وحمي وطيس النقاش ودبها شيخ حارتنا:
"فتوى الشيخ على راسنا ولكن هل نطعم أولادنا فتاوى؟ ناخذ زيتون واعتبروه رهنيّة، ففينا ولا في اليهود، وعند ما يعود أصحابه نعيده ونستعيد أرضنا!".
لم يصدّق أحد أن شيخَنا الذي قضى عمره ولم يبادر لموقف هو صاحب هذه الموقف وراح البعض يخمّن أن هذا ثمرةَ أيامِ غيابه، لكنه بهذا الموقف خلخل وحدة أهل البلد ولم تمض أيام حتى تقاطر كثيرون من أهل البلد على مكاتب الدولة متنازلين عن الأرض الشرقيّة مستحِلّين بدلها كروم زيتون رومي لم يزرعوها ولم يتعبوا عليها سمتها الدولة أملاك غائبين على أن يعيدوها يوم العودة ويستعيدوا أرضهم، وظلّ نفر ومن الحارتين حافظا فتوى شيخ المشايخ وما زال رغم أنه خسر أرضه ولم يقبل حتّى تعويضا ماليّا لأنه وحسب ادعائه ليس أحسن من الآلاف الذين خسروا قراهم، وظلّوا سنويّا في كل ربيع يزورون الأرض الشرقيّة رغم الألم والحسرة ويعودون ببعض البقول الذي لم تمنعه سلطة حماية الطبيعة.
أيار 2011
قصّة بقلم: سعيد نفّاع
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات