بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
جوهر الحدث السوري
  19/06/2011

جوهر الحدث السوري

موقع الجولان/شاكر الجوهري

أسباب خاصة بي من طراز «في فمي ماء» منعتني خلال الفترة الماضية من تناول الحدث السوري، غير أن اسبابا مقابلة تتصل بالقيم، تدفعني الآن لأن أبق الماء من فمي..! الأسباب التي حالت بيني والكتابة عما يجري في سوريا الشقيقة تتلخص في امرين رئيسين:
الأول: ترجيح عدم تقبل النصح الصادق الذي يفترض أن يوجه، لأنه «لا خير فينا إن لم نقلها».
الثاني: أن عدم تقبل النصح، كما هو متوقع، يجعل أي كلام يكتب غير منتج. لذا، وبدلا عن هذا وذاك، انتهج «المستقبل العربي» نهجا متوازنا إلى حد ما في تناول الحدث السوري يقوم على: أولا: عدم النفخ في نار الأزمة، على نحو تضمن العزوف عن نشر الكثير من تفاصيل الحدث. ثانيا: نشر المقالات التي تعبر عن وجهتي النظر بشأن ما يجري في سوريا، ذلك أن كلا وجهتي النظر المتعارضتين تنطلقان من حرص أكيد على سوريا.
بعض هذه المقالات كنا ننشرها من أجل أن يعرف الناس، المواقع الأخيرة لكتابها. الحدث السوري وحده يتميز عن الحراكات الشعبية العربية الأخرى، بالإجماع على صحة المواقف السياسية للنظام في دمشق، خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. وبكلمة أخرى كما أكرر دائما، وبغض النظر عن منغصات شخصية، ليس هنا مكانها، ولا هذا أوان تناولها: «لم يتبق للقوميين العرب، وللمشروع القومي العربي غير سوريا». بطبيعة الحال، يتوجب هنا القول أن سوريا لئن هي تمثل بارقة أمل للقوميين العرب، فإنها تمثل كذلك، وهذا هو الأهم ـ بحكم الواقع ـ، الحاضنة الدافئة للمقاومة الإسلامية ممثلة في حركة «حماس». وهذه حقيقة لا يجوز المرور عليها مرور الكرام. حين فتحت أبواب سوريا أمام حركة «حماس»، فقد تم ذلك بالتسامي من فوق جراحات يجب أن لا تنسى، أنتجها الإخوان المسلمون في سوريا على خلفية فعل اجرامي، تفريقي بين مختلف مكونات النسيج الوطني السوري، كان قابلا للإمتداد إلى كامل الرقعة المذهبية العربية، أعقب حرب رمضان 1973، وحال دون التوظيف الأفضل للنتائج السياسية للحرب، من أجل ضمان انسحاب اسرائيلي كامل من الجولان، كما حدث في سيناء.
هل من ضرورة للتذكير بالإنحراف الخطير الذي أقدم عليه الإخوان المسلمون في سوريا، بتحالفهم مع عبد الحليم خدام، وآخرين من خدم الأميركان..؟! هذا التسامي تم على خلفية قومية، تغلب (بضم التاء) الصراع مع العدو، على عوامل الفرقة الداخلية؛ ويؤكد صحة رأينا الدائم في أننا لا نستطيع أن نلغي الفروقات بين المذاهب، لكننا نستطيع أن نحتكم للبرنامج السياسي، بدلا من الإجتهاد المذهبي. غير أن المفارقة العجيبة تكمن في أن الذين انتصروا لـ «حماس»، دوما، وفي كل مكان، تخلوا عنها وعن مصالحها الإستراتيجية، وموقعها الفعال الأخير في الوطن العربي.. في تطبيق أخرق لقاعدتهم الأشهر «درئ المفاسد أولى من جلب المنافع»، دون أن يميزوا بين حجم المفاسد، وحجم المنافع، متقافزين عن حكمة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهي تقرر اسقاط شعارها التاريخي«الإسلام هو الحل»، وتتراجع عن هدفها في تطبيق الشريعة..! بلغة أكثر وضوحا، انقلبوا على «حماس»، وعلى مصالحها في سوريا، دون أن يفكروا، لمصلحة من، وما هي العواقب التي يمكن أن تترتب على هذا الفعل غير المدروس. يبدو أنهم يراهنون على أن النظام السوري لا يستطيع أن ينقلب على حركة المقاومة الإسلامية، لأنه لا يستطيع الإنقلاب على أهداف الأمة ومصالحها. هم يراهنون هنا على جوهر النظام.. على وطنيته وقوميته. نقول كل هذا من موقع تخطئة النظام السوري، وانطلاقا من ذات القاعدة القومية التي لا نستطيع أن نزاود بها عليه. نحن نخطئ النظام السوري في: أولا: عدم تكيفه في التوقيت المناسب مع المتغيرات الإقليمية. ثانيا: تأخير مسيرة الإصلاح، طوال السنوات الماضية، وكل ما قيل في محاولة تبرير ذلك، ليس مقنعا.ثالثا: الإصرار على عدم تسريع مسيرة الإصلاح قبل الخروج من الأزمة الراهنة. رابعا: إعتماد الخيار الأمني لتحقيق ذلك. وكل هذا، يؤدي إلى: أولا: تخلي النظام عن ولاءات قطاعات واسعة من ابناء الشعب السوري للمشروع القومي العربي، الذي لم يستنفذ اغراضه، كما لم يحقق غاياته بعد. ثانيا: توفير ذرائع لمن يتآمرون على سوريا. ما سبق يوجب تشخيص حقائق وجوهر الأمور، بكل موضوعية، وكما يلي:
أولا: أن نظام الحكم في سوريا هو نظام حكم قومي يستلهم مصالح الأمة، بكل شعوبها.. حاضرها ومستقبلها.
ثانيا: أن مطالب الحراك الشعبي في سوريا هي مطالب «محقة»، ونستخدم هنا ذات الكلمة التي استخدمتها الدكتورة بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس بشار الأسد.
ثالثا: أن هناك مؤامرة تستهدف الخط والنهج القومي لسوريا، تعمل على الإستفادة مما يوفر لها من ذرائع.
رابعا: أن الرئيس السوري صاحب مشروع اصلاحي معلن.
على هذه الحقائق، يترتب استنتاج لا يقبل الجدل، أو حتى التباين في الرؤى: من أجل أن نفرق بين الساعين للإصلاح، وهم الأغلبية الساحقة من السوريين، الذين يؤكد الرئيس الأسد أنه يقف في خندقهم، وبين الذين ينفذون مؤامرة خارجية تستهدف النهج القومي المتبسك بالثوابت، وهم قلة قليلة، يتوجب المسارعة الفورية إلى: أولا: وقف تطبيق الحل الأمني. ثانيا: البدء العملي الفوري في تطبيق الإصلاحات التي يطالب بها الشعب السوري، من أجل استعادة ثقة الناس، التي بدأت تتآكل بسرعة متزايدة. إن لم يبادر النظام إلى ذلك، وبالسرعة القصوى، فإنه يرتكب خطأ كارثيا فادحا، من حيث نتائجه المتوقعة، يتأسس على خلط أوراق مؤامرة القلة، بالمطالب «المحقة» للغالبية الساحقة من السوريين..!
ونحن نقول ذلك اشفاقا على أمتنا العربية، وتشبثا بمصالحها. للتذكير، فقد سبق لنا أن طرحنا في مؤتمر القوى المناصرة للعراق، الذي عقد في دمشق في ايلول/سبتمبر 2002، ضرورة تصالح نظام الرئيس الشهيد صدام حسين مع الشعب العراقي، من أجل أن يدافع العراقيون عن حرياتهم، بمواجهة قوات الغزو الأميركية التي كانت متوقعة، لأنه لم يسبق لنا أن سمعنا، أو عرفنا أن شعبا دافع عن قيوده. وما زلنا حتى الآن، نترحم على صدام حسين، وعلى نظام حكمه، ومشروعه النهضوي الكبير.
ما نحذر من وقوعه في سوريا، بدأ يتحقق في واقع الأمر، ونعتقد أن علاجا جذريا وسريعا، فقط يستطيع أن يتصدى لهذا الخلط المدمر، وما يمكن أن يفرضه على صفحات التاريخ السوري والعربي. لم يتبق مزيد وقت، فارحمونا وارحموا الأمة.
أما الأسباب المتصلة بالقيم، التي دفعتني حد الإرغام إلى هذا البوح، تتمثل في الأكاذيب التي طالت حفل عشاء السفير السوري في عمان. ودون أي قسم أو يمين، فإنني لا أعرف الرجل، ولم يسبق رؤيته، لكنني أملك عقلا يستطيع أن يميز بين ما يعقل وما لا يعقل..!
هل يعقل أن يقوم السفير السوري، أو أي سفير، بدفع أموال لصحفيين وهم يجلسون على مائدة العشاء، وأمام بعضهم البعض؛ فكيف إن كانت خلفية هذا السفير أمنية..؟! هل يعقل أن يفعل السفير ذلك، أمام سفراء دول أخرى كانوا مدعوين إلى ذات المائدة..؟! هل يعقل أن يقول السفير السوري للأردنيين، كلاما مغايرا لما يقوله الإعلام السوري للسوريين، والعرب أجمعين..؟!، والفضائية والأرضية السوريتان، تشاهدان في كل الأردن، والإذاعة السورية مسموعة..؟
هل يعقل أن يكون السفير السوري، وحكومته، معنيين بكسب مواقف الأردنيين، بأكثر مما هم معنيين بكسب قناعات السوريين..؟!
وهل يعقل أن يغير النظام السوري لغة تعامله مع الإعلام العربي، ليتحول بين ليلة وضحاها إلى ممول للإعلام، وهو الأمر الذي لم يفعله على مدى أكثر من أربعة عقود من عمره..؟!
وهل يعقل أن تقرر دمشق منافسة المال السعودي، وغيره الذي يدفع دون حساب، وأن يقرر أن «يبيع المية في حارة السقايين..؟!».
بقي أن أناشد نظام الحكم في سوريا، أن يرحم من يدركون حقائق الأمور، من نظرات وتساؤلات الذين يخلطون، ولا يدركون..!! ننطلق في هذه المناشدة، من بدهية عدم قدرة أي جهة على احتكار الحقيقة، وأنه يظل دوما «الوقت كالسيف... ». والله من وراء القصد.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات