بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
فتح طريق الإصلاح
  21/06/2011

فتح طريق الإصلاح
موقع الجولان/سليمان تقي الدين


شقّ الرئيس السوري طريقه إلى المستقبل. ظهر في خطابه أمس رجل دولة، من ربطة عنقه السوداء مهابة الحدث الخطير الذي أصاب سوريا، إلى الجدية واللهجة الواضحة والإلمام الفعلي بالقضايا والمشكلات. تصالح الرئيس السوري مع نفسه ومع شعبه، تحدّث عن الخلل المتراكم وحاجات التغيير ووضع فكرة المؤامرة جانباً على أنها خارج يستغل ضعف المناعة الداخلية. استيعابه التفصيلي لمشاعر الشعب وطريقة تفكيره وشكواه وحاجاته لامس قضايا إنسانية ليس من عادة حاكم عربي أن يقترب منها. هو الذي استخدم وصفاً لنقد السياسات والممارسات التي أشعرت المواطنين بالإقصاء ونقص الكرامة وافتقاد تكافؤ الفرص والعدالة والإحساس بالظلم والقهر. هذه تعابير كافية بذاتها لتشكّل كل أسباب الثورة. إذا كان الرئيس الذي يملك قرار الدولة قد تمثل واقع الحرمان والغبن وأدرك أن الشعب يريد تغييراً في مستوى آماله وطموحاته وتضحياته ووعيه الوطني فقد ذهب الرئيس إلى المفتاح الحقيقي وهو الحوار الوطني بين أطياف الشعب السوري. حوار بجدول أعمال مفتوح على العناوين الأساسية فلا قيود عليه ولا محرّمات تحت سقف الوطن والوحدة الوطنية والثقة بثقافة الشعب السوري وخياراته.
ما يتمناه كل وطني هو هذا: الإصلاح السياسي الذي يرتكز إلى المشاركة الشعبية في صناعة القرار والسياسات عبر قانون انتخابات وأحزاب وإعلام وحريات مسؤولة في إطار قوانين عصرية وقدرة على المشاركة والمساءلة والمحاسبة وتكافؤ الفرص ومكافحة الفساد. إذا كانت مفاصل مشروع الدولة الحديثة موضع حوار وطني فالدستور هو محصّلة طبيعية لهذه المراجعة التاريخية. أما الهدف فهو تعزيز الاندماج الوطني ومواجهة الفكر المتطرف التكفيري والخطاب المذهبي والسلوك التخريبي.
والأهم من ذلك أيضاً هذا الاستعداد للحوار في خيار سوريا الاقتصادي بحثاً عن نموذج خاص يتفق وحاجاتها وهو ما كان يجري بعيداً عن الشفافية وعن المشاركة.
لنتجاوز وقائع الخطاب ووعوده التي توحي بالمصداقية موثّقة إلى مشاريع قوانين ولجان ومواعيد إنجاز والأهم تشخيص التجربة وفهم دروسها، نجد هذا التعامل مع الشعب السوري بوصفه المرجعية التي تصنع مستقبل سوريا. لا يستطيع أحد أن يستدرك في السؤال عن السياسة الخارجية التي تنبع حكماً من هذا التحوّل الموعود. ولا يملك أحد أن يشكّك في حجم هذه الاستجابة لحاجات الإصلاح والتطوير، لكن من واجب المدعوين لهذه الورشة الكبيرة أن يساهموا في بلورة برنامجها وتفاصيلها وفي تشكيل آلياتها وأدواتها. تلك مهمة انفتحت أمامها سبل العمل دون أية أوهام عن حجم الصعوبات والمعوّقات في تقاليد المجتمع والدولة. ولأننا ممّن يثقون بقدرات الشعب السوري إرادة ووعياً نعتقد بأن أفقاً رحباً ارتسم لبناء سوريا حديثة أكثر قوة وفاعلية وأكثر التزاماً بدور مؤثر إيجاباً في محيطها العربي. ليس المطلوب رهانات بل العمل.
لن يخفف ذلك كله من عمق التحديات الداخلية والخارجية. لكي تنهض سوريا بعد هذه الأزمة تحتاج إلى الاستقرار وإلى تفكيك الكثير من شبكات التعطيل السياسي والإداري والاقتصادي. فلا يمكن لإدارة أمنية أو مدنية مسؤولة عن ظاهرات التخلّف أن تتحوّل بسرعة إلى مؤسسات راعية ونزيهة وعادلة تحترم حقوق الإنسان وكرامته.
هناك مفصل أساسي لإقامة نظام العدالة (القضائية القانونية) بديلاً لسياسات الأمن. وهناك هيئات رقابة بمعايير عصرية تملك الاستقلال الفعلي يجب أن تنشأ كأداة في مشروع الدولة لا كسلطة سياسية رديفة. وهناك حريات سياسية ومدنية تحتاج إلى قوانين ينتجها حراك المجتمع المدني وليس فقط السلطة التشريعية أو المراسيم والقرارات الرئاسية.
ولا شك أيضاً في أن سوريا تحتاج إلى مراجعة عميقة لتجربتها السياسية السابقة في علاقاتها العربية والدولية بقطع النظر عن صحة أم عدم صحة تلك السياسات لأن المتغيّرات الدولية والإقليمية على قدر كبير من النتائج. تغيّر العالم العربي كله وهو لم يبلغ صورته المستقبلية.
لا تستطيع سوريا إذا كانت تحمل هذه الطموحات نحو الحداثة والتقدم محتفظة بدورها الوطني والقومي أو مصالحها الوطنية إلا أن تبادر إلى اقتراح سياسات عربية تلاقي المستجدات العربية وفي مقدمتها حركة الشعوب. لم يعد بإمكان سوريا أن تمارس سياسة التحالفات الإقليمية والدولية فقط بوصفها لعبة توازنات. ثمة مطلب تفرضه التطورات الأخيرة لا سيما المكسب المصري والخلل في العلاقات مع تركيا وهو صياغة نظام إقليمي عربي. لا يعني ذلك أبداً إحياء ما لا قابلية له من فكر «قومي» في مؤسسات لم تجدد فكرها قبل أن تجدد دورها، بل يعني أن لا أفق لسياسات وطنية مستقلة ولتنمية اقتصادية اجتماعية من دون تعاون إقليمي. ولعل في مقدمة المؤشرات التي نلمس نتائجها فوراً أن ينعكس هذا التفكير الجديد فهماً أفضل لواقع لبنان وعلاقته بسوريا. لبنان ليس تابعاً لسوريا، لكنه بعض من المستقبل المشترك
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات