بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
حورة الميعاريّة
  03/08/2011

 

حورة الميعاريّة

ناهزت حورة بنت عقاب الميعاري الثمانين لكن قسمات وجهها تحفظ سرّ عمرها في بئر عميقة، في الوصول إليها مشقّة يعجز عنها أكثر الناس فراسة. وذاكرتها أحدّ من السيف اليماني تقطع في الأحداث قطعا لا يفوتها شاردة واردة شردْنَ ووردْنَ، وبالذات يوم طلع أبوها وأخوها الذي بالكاد كان طالعا الشعر في وجهه، حاملين "البواريد" وهو يوصيها، وهي "الدايرة" في الخامسة عشرة من عمرها، زهر العلت في عينيها وحمرة التفاح في وجنتيها وطول الحور في قوامها، يوصيها أن تلزم البيت، وإن انقطع صوت الرصاص وطال، معناها أن اليهود انتصروا، وهو العارف أنه إذا لم تقو عليهم شفاعمرو وطمرة والدامون وكابول قاومت أو لم تقاوم، فمن الصعب أن تقوى عليهم ميعار الصغيرة، ولكن هذا ليس معناه أن يسلّموها "على بارد الماء"، وعندها فلتترك البيت وما لها إلا عمها (الذي لم تلده أم أبيها) محمد الصالح في حرفيش، مشدّدا:
* إطلعي على سخنين وراح تلاقي ابن حلال يدبر وصولك وبعدين يحلها ألف حلّال!
لم ينتظر منها ردّا ولم تنتظر من نفسها سؤالا وأومأت مطمْئنة إياه حفظ وصيته. لم يكن همُّه الأول لا حياته ولا حياة ابنه الواقف بجانبه صامتا ومسحة من رهبة على وجهه لم يمنعها من فضحه إلا صوت والده الصارم الهاديء. كان همه أن لا يكون مصير حورة مثل مصير بعض صبايا الدامون اللواتي مررن قبل أيام من ميعار مشرّقات ممزّقات الثياب منفوشات الشعر ذابلات الأعين.
لم يهدأ أزيز الرصاص غربيّ ميعار إلا فجر اليوم الثاني وهي على الشباك الغربيّ لم يقرب النوم أعينها، وصار يُسمع صوت قصف في "موارس" أرض البلد الغربيّة القريبة، وبدأت في البلد جلبة وتجمّع ورحيل.
في مساء اليوم الثاني كانت زوجة عمها محمد الصالح وبناتها يكِلن القبلات على وجنتيها. مرّت الأيام وامتلأت بيوت حرفيش القريبة من حدود لبنان بقوافل من النازحين، ولم يلفِ لا أبوها ولا أخوها وطال الانتظار ولم تبكهما لا يومها ولا بعدها فلا يذكر أحد أن رآها تبكيهما يوما.
عادت حورة إلى سخنين رغبة في العيش مع القليل الذي تبقى من أهل ميعار في "حواكير" وعلى "بيّادر" سخنين، وليس قبل أن تترك وراءها في حرفيش دموعا على أعناق وتحمل مقابلها دموعا ظلّت تشمّ رائحتها على عنقها طويلا، وظلّت كل صيف تزور "عمها" محمد الصالح وبكاؤها يوم رحل كان غير كلّ البكاء، وناحت مبكية حتى الحرقة النساء:

أنا لبْكي وبكّي كل جيلي
علّي صابني وما صاب جيلي
هيلي يا دموع العين هيلي
علّي راحوا وما ودعوا حدا
سمعت في سخنين حكايات لا أول لها ولا آخر وسمعت أنه لو كلّ الناس حاربت مثل أبو صقر عقاب الميعاري لكانت الدنيا غير شكل والذي صار ما صار، ولكنها لم تستطع أن تعرف إن كان ما يقولون نابعا من صيت أو من معرفة لأنها لم تجد أحدا يزودها بالخبر الشافي لا عن صقر ولا عن "أبو صقر" وانقطعت أخبارهما لكنهما ظلّا حيّين في قلبها.
ثمّ استقرّت في طمرة عند أهل خير والدنيا "إن خليت بليت" ورغم أن أول ما أرادت هو زيارة قبر أمها في ميعار إلا أنها لم تستطع رغم أنها مرّت من جانبها في طريقها إلى طمرة، إلا بعد أن رُفع الحكم العسكريّ ورُفع الإغلاق عن ميعار فبكت أكثر على ميعار من على أمّها.
قبل ذلك كان وجدها ابن الحلال المستأهل فلم تطلب لا معجّلا ولا مؤجلّا، وكل ما طلبت أن يطلب يدها من عمها محمد الصالح في حرفيش وأنها لن تخرج عروسا إلا من بيت عمها محمد الصالح، وكانت هي تستأهل وطالب يدها يستأهل، وودعتها زوجة عمها محمد الصالح على غير عادة منها:
آويها يا عروس يا بنت الأصل وعقاب
آويها يلّي طلع بجهازك ألف من الثياب
آويها يلّي طلع بجهازك ألف سَريّة
آويها ومية صقر وصقر شدّوا الركاب
أسمت بكرها "عقاب" وبكرَه "صقر"، كبر عقاب وكبر صقر وشاء الله أن يعوضها الأول عن جدّه والثاني عن خال أبيه.
لم يعرف لا عقاب ولا صقر ما الذي أخافها من السفر إلى سوريّة يوم تأتى الأمر والكثيرون من أهل فلسطين زاروها ويا ما التقى أهل لم يكن يعرف الواحد شيئا عن وجود الآخر. لكن سرّ رفض حورة ظلّ معها لا يعرفه أحد رافضة أن تبوح به حتى لنفسها، لكن من المؤكد على الأقل أنه ليس خوفا من محطّات التحقيق البوليسية الإسرائيليّة ومحاكمها، فهي بنت عقاب وأخت صقر.
لم تكن حورة المناهز عمرها الثمانين والتي أحبّت جمال عبد الناصر كثيرا، يوما بعيدة عن أخبار الدنيا وأخبار فلسطين والعرب واليهود وكانت تحب سماع صوت العرب وإذاعة لندن واستغرب عقاب قولها له يوما:
* مع أن هذه الإذاعة لَ هاللعينة بريطانيا بس أصدق من إذاعات العرب...
وجاء التلفزيون وأعجبت حورة به وأعجبتها محطّة الجزيرة خصوصا في حرب ال-2006 ، وصارت من متابعاتها ولم تبرحها في الشهور الأخيرة وصارت تعرف كل مذيع ومذيعة بالاسم وتفاضل بينهم، ولكنها لشيء ما في داخلها لم تعرف له تفسيرا صارت تشعر مؤخرا بضيق منها ويراودها إحساس غمرها أنها صارت غير شكل.
عاد كل هذا الشريط وأكثر منه بكثير إلى رأس حورة في الأيام الأخيرة بعد أن شاهدت على تلفزيون سوريّة الشباب الذين "تعربشوا" على الشريط وداسوه، وشافت شابا بينهم يُجايل حفيدها صقر، يتقدّم من الجنود اليهود حاملا علم فلسطين سافرا ثوبه عن صدره التقطته إحدى الكاميرات من قريب راسمة كلّ ملامح وجهه وإذا به يحمل تقاسيم مزروعة عميقا فيها وعيناه كنوّار العلت، هزّت الصورة كل مطرح في كيانها.
تغيّرت حال حورة وركبها صمت وتكلّل وجهها بملامح غير معهودة أقلقت عقاب عند عودته مساء وفعل هذا الصمت فعله في بقية الأبناء والأحفاد، ولم تستطع زوجة عقاب أن تعطي زوجها تفصيلا لأي حدث جرى في النهار لحماتها غيّر أحوالها بهذا الشكل.
* كانت ما شاء الله عليها...
كان الصمت يلف جناب البيت وحورة واجمة أرخى وجومها على البيت كله جوّا غير معتاد، وفجأة ودون سابق إنذار قالت:
* البقيّة في حياتكم...
ذُهل كل من في البيت وأطبق عليهم صمت ثقيل وكأن ألسنتهم التصقت بحلوقهم، وقبل أن ينجح أحد بحلّ لسانه تابعت:
* صقر استشهد البارحة في الجولان...
حسب عقاب أن لوثة أصابت أمه أو بدأت تغلبها السنون، فقاطعها:
* صقر جنبك...
وراحت تبوح:
* كان طيّب وخفت يكون ميّت وكان بدّي إياه يظلّ طيّب حتى لو كان مات يوم ما انقطع صوت الرصاص غربيّ ميعار...
* استغفر الله العليّ العظيم ولا حول ولا قوّة إلا بالله...
ملأ الجو صوت المراسل السوري من مخيّم اليرموك مرافقا حشدا وصورا تملأ الشاشة:
* الآلاف في وداع الشهيد الشاب صقر عقاب صقر الميعاري...
خطفت الشاشة وجوه العائلة وأعينهم جاحظة وأفواههم فاغرة أمام صورة محمولة لشاب لون أعينه كنّوار العلت ووجناته كالتفاح ذكّرت عقاب في أيام شبابه وراحت الأعين تنتقل يغزوها اغروراق من الشاشة إلى صورة كبيرة لصقر معلّقة على الحائط، إلا عيني حورة فكانت مغطاة بكفيها تكرّ دمعا ينساب من بين أصابعها آخذا طريقه حسب تجاعيد ظهر كفّها.
واختلط حابل البيت بنابله...

سعيد نفاع
أوائل حزيران 2011




 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات