بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
غورباتشوف يعدد اخطاءه مستعيداً ذكريات النهاية المضطربة لرئاسته للاتحاد
  17/08/2011

غورباتشوف يعدد اخطاءه مستعيداً ذكريات النهاية المضطربة لرئاسته للاتحاد السوفياتي بعد 20 سنة على انهيار الامبراطورية


ميخائيل غورباتشوف في الثمانين من العمر


موسكو - – يستعيد الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف في مقابلة شيقة مع مراسل صحيفة "غارديان" البريطانية جوناثان ستيل نشرت اليوم الاربعاء ذكريات النهاية المضطربة لزعامته للاتحاد السوفياتي بعد مرور 20 سنة على نهاية الامبراطورية السوفياتية. ويقول غورباتشوف انه كان يجب ان يترك الحزب الشيوعي قبل شهور من محاولة الانقلاب عام 1991. وهنا نص المقابلة: "نادرا ما يعترف السياسيون بأخطائهم، لكن غورباتشوف كان دائما من نوعية مختلفة. ولذلك فليس مستغربا أنه، عندما يتذكر سنواته الست العاصفة في السلطة على رأس الاتحاد السوفياتي، فهو مستعد لتعداد الأخطاء التي ارتكبها.

وعدد في مقابلة حصرية مع الصحيفة خمسة أخطاء منها. وأدت أخطاؤه هذه ليس فقط إلى سقوطه قبل 20 عاما، ولكنها تسببت كذلك في انهيار الاتحاد السوفياتي وإدخال اقتصاد حر وغير منظم حوّل مجموعة ضئيلة من الروس إلى مليارديرات، بينما أغرق ملايين الناس في الفقر.

يبدو غورباتشوف شخصية مسترخية بل ومرحة هذه الأيام، لكن ما تزال هناك أحيانا نوبات آلام مريرة، خصوصا عند مناقشة موضوع منافسه اللدود بوريس يلتسين، أو عندما يصف المتآمرين الذين وضعوه رهن الإحتجاز المنزلي في شبه جزيرة القرم خلال انقلابهم الفاشل قبل 20 عاما.

وقال :"أرادوا استفزازي إلى قتال، وحتى مواجهة كان يمكن أن تسفر عن قتلي".

وعندما طُلب منه تعداد الأمور التي يندم عليها أكثر أجاب من دون تردد :"الحقيقة هي أنني أمضيت فترة أطول من اللازم في محاولة إصلاح الحزب الشيوعي". وكان عليه أن يستقيل في نيسان (أبريل) 1991، كما قال، وتشكيل حزب إصلاح ديموقراطي، نظرا لأن الشيوعيين كان يضعون العراقيل في طريق كل التغييرات الضرورية.

هذا التقييم ستكون له أهمية خاصة بالنسبة الى المؤرخين، لأنه أول اعتراف علني من جانب غورباتشوف بأنه كان عليه ترك الحزب الشيوعي قبل عدة شهور من انقلاب آب (أغسطس) 1991. وفي مذكراته التي نشرها عام 1995 لم يذهب إلى هذا الحد.

وبحلول ربيع 1991 علق غورباتشوف بين نزعتين ضيقتا هامش مناورته. فمن جانب كان المحافظون والرجعيون في الحزب الذين حاولوا منع إصلاحاته، ومن الجانب الآخر كان هناك تقدميون أرادوا تأسيس نظام كامل تتعدد فيه الأحزاب ونقل الدولة في اتجاه إصلاحات السوق.
ووصلت الامور الى حد المواجهة خلال جلسة للجنة المركزية للحزب الشيوعي في نيسان (أبريل) 1991. وطالب عدة متحدثين خلال الجلسة بإعلان حالة الطوارئ وإعادة فرض الرقابة. وبحسب ما ذكر غورباتشوف فقد كان رده قاطعا :"يكفي غوغائية. أنا استقيل".
وفي المقابلة مع "ذي غارديان" أوضح بالتفصيل ما حدث، فقال :"اجتمع المكتب السياسي للحزب لمدة ثلاث ساعات في غيابي. واخبروني أنني تعرضت للانتقاد ثم تشتتت الجلسة. وبعد ثلاث ساعات دعوني وطلبوا مني سحب استقالتي. وخلال هذه الفترة أعد أنصاري قائمة وضع عليها أكثر من مائة شخص أسماءهم بهدف تشكيل حزب جديد.
وعندما استأنفت اللجنة المركزية اجتماعها، كانت الأعصاب قد هدأت، فسحب غورباتشوف استقالته ولم يشأ أحد طرح القضية للتصويت. (حتى لو استقال من الحزب سيظل رئيسا للاتحاد السوفياتي). وفي مذكراته كتب: "أتساءل اليوم كثيرا حول ما إذا كان علي الإصرار على الاستقالة من منصب الأمين العام للحزب. مثل هذا القرار ربما يكون مفضلا بالنسبة إلي شخصيا. لكنني شعرت أنه لا حق لي في التخلي عن الحزب". وقد حكم الحزب روسيا منذ العام 1917 وكان من الصعب على أي شخص في روسيا، وخصوصا على مسؤول أمضى حياته الوظيفية كلها ناشطا في الحزب أن يتخيل فقدان الحزب للسلطة.
شكوك غورباتشوف تبخرت اليوم. وقال: "أعتقد الآن أنه كان علي أن استخدم تلك المناسبة لتشكيل حزب جديد والإصرار على الاستقالة من الحزب الشيوعي. فقد تحول الحزب إلى كابح للإصلاحات التي كان هو الذي أطلقها. لكنهم اعتقدوا أن الإصلاحات كانت تجميلية فقط. وظنوا أن طلاء الواجهة يكفي، بينما كانت ما تزال هناك الفوضى القديمة نفسها في الداخل".
وقال إن الباعث الثاني على شعوره بالندم هو انه لم يبدا في إصلاح الاتحاد السوفياتي وإعطاء مزيد من الصلاحيات لجمهورياته الخمس عشرة في مرحلة أبكر. وفي الوقت الذي بدأ فيه التفكير بإيجاد فيديرالية فضفاضة أوائل العام 1991 كانت دول البلطيق الثلاث قد أعلنت استقلالها. وسالت الدماء في ليثوانيا وأذربيجان في القوقاز. أما روسيا أكبر الجمهوريات فكانت تستعرض عضلاتها تحت قيادة رئيسها الطموح بوريس يلتسين، وتطالب بمزيد من السيطرة على الموازنة السوفياتية. ويرى بعض المحللين إن النظام السوفياتي كله كان غير قابل للإصلاح وأن أي تغيير كان سيؤدي حتما لعملية تحول دراماتيكي متسارعة لا يمكن وقفها. وكان فقدان غورباتشوف السيطرة، وفقا لهذا التحليل، تطورا ليس في الإمكان الحيلولة دون وقوعه.
ويعود السبب جزئيا إلى طبيعته السخية، وشخصيته الدافئة وحياته البيتية السعيدة (إلى أن توفيت زوجته رايسا غورباتشوف بسرطان الدم عام 1999)، وما يزال غورباتشوف متفائلا. ولم تملا الخسارة نفسه بالمرارة أو تحوله إلى منتقد ساخر. وهو يعتقد أن معظم المشكلات السوفياتية كانت في طريقها للحل إلى أن قذف انقلاب آب (أغسطس) بالقوى المتنافسة في دوامة تحرك نشط جديد.
كان الحزب الشيوعي على وشك صياغة برنامج جديد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1991. وتبنى البرلمان "خطة لمواجهه الأزمة" لتسريع الإصلاح الاقتصادي. وقبلت الجمهوريات الأثنتا عشرة التي بقيت بعد انسحاب دول البلطيق نصا لمعاهدة جديدة تعطيها مزيدا من الاستقلالية الذاتية سياسيا واقتصاديا في حين تظل الشؤون الدفاعية والخارجية في يد الحكومة السوفياتية. وكان من المقرر توقيع المعاهدة يوم 20 آب (أغسطس).
وقال غورباتشوف: "هنا ارتكبت أنا غلطة. ذهبت في إجازة. وربما كان من الممكن أن أعمل من دون إجازة تستمر 10 أيام...كنت مستعدا للسفر جوا إلى موسكو لتوقيع المعاهدة. لكن مجموعة من الناس وصلت يوم 18 آب (أغسطس) من دون دعوة. التقطت الهاتف وسألت عن نوعية هؤلاء الناس ومن أرسلهم، ولكن لم تكن في الهاتف حرارة. فقد قطعوا خط الهاتف".
كان غورباتشوف مع زوجته وابنته إيرينا وعائلتها في فيللا حكومية ببلدة فوروس على شاطئ البحر الاسود. وكانت المباني تحت الحراسة لمدة ثلاثة أيام إلى أن فشل الانقلاب بسبب مقاومة يلتسين، والانقسامات في الجيش، والخلافات بين حوالي اثني عشر من المتآمرين الذين كانوا إما وزراء أو مسؤولين بارزين في الحزب الشيوعي.
ورفض غورباتشوف بشدة النظريات القائلة بأنه أعطى ضوءا أخضر للانقلاب. وقال: "يزعم الناس كذبا أن غورباتشوف كان ما يزال له اتصالات وأنه نظم كل شيء. وهم يقولون إن غورباتشوف اعتقد أنه سيخرج منتصرا مهما حدث. هذا هراء، هراء تماماً. هؤلاء الناس أرادوا الإطاحة بالقائد والمحافظة على النظام القديم. هذا ما أرادوه. وطلبوا أن أكتب بيانا ينص على التخلي عن واجباتي كرئيس بسبب سوء حالتي الصحية".
واحتفظت رايسا ماكسيموفنا بيوميات خلال فترة احتجازهما المنزلي. وفيها أفادت أن غورباتشوف حذر الحراس بأنه قد يتخذ "إجراءات شديدة" إذا لم تتم استعادة اتصالاته مع العالم الخارجي.
وأخبرني غورباتشوف أن هذا كله كان نوعاً من الخداع. وأضاف: "كان ذلك جزءا من مناوراتي... أردت فقط أن أضغط عليهم لتجنب استفزازهم لي... كان أقصى إجراء لي دبلوماسيا وسياسيا. وتمكنت من التفوق عليهم في اللعبة. ولو لم تكن هناك تحركات في موسكو، فإن موقفي كان سيظل معلقا في الهواء. ولكن كان الناس هنا في موسكو يحتجون. وكان يلتسين يقودهم، وهذا هو السبب في أن علينا أن ننسب الفضل اليه. لقد فعل الشيء الصحيح".
وبما انني كنت احد مراسلي "ذي غارديان" في موسكو خلال الانقلاب، فقد ذكَرت غورباتشوف بأن دعوة يلتسين إلى إضراب عام لم تلفت الاهتمام وظل كثير من الروس في حالة يأس، ويشعرون أن الانقلاب قد ينجح. وتذكر الجيل الأكبر سنا كيف أن الرفاق المتشددين أزاحوا خروتشوف وتسببوا في إنهاء مرحلة تصفية الستالينية عام 1964. وسألت غورباتشوف عما كان من الممكن ان يحدث لو أن المتآمرين اعتقلوا يلتسين بالإضافة لغورباتشوف في بداية محاولة الانقلاب. هل كان بإمكانهم الانتصار؟.
قال الزعيم السوفياتي السابق إن الاسئلة الافتراضية لا قيمة لها. وكان فشل الانقلاب حتميا مهما فعل المتآمرون. قادة الانقلاب كانوا في حالة تخبط بسبب مقاومته ورفضه الاستقالة من الرئاسة. وأشار كذلك إلى أن القوات الخاصة تمردت عندما طلب منها اقتحام البيت الأبيض حيث كان يلتسين محاطا بالآلاف من انصاره.
وعدد غورباتشوف الانجازات التي يعتز بها بصورة خاصة، وابتدأها بكلمة واحدة :"بيروسترويكا".
وتعني إعادة البناء، وكانت "بيروسترويكا" برنامجا لإصلاح النظام السياسي والاقتصادي في الاتحاد السوفياتي بدأ غورباتشوف في تطبيقه بعد فترة قصيرة من توليه السلطة في آذار (مارس) 1985. لكنه شمل كذلك إعادة بناء العلاقات الدولية استنادا لنزع الأسلحة الذرية، ورفض التدخل بالقوة في النزاعات الخارجية والاعتراف بأنه حتى القوى العظمى تعيش في علم يعتمد بعضه على البعض الآخر. وليست أي دولة جزيرة أو بإمكانها التصرف بشكل منفرد.
وأتاحت السياسة السوفياتية الجديدة القاضية بعدم التدخل لدول اوروبا الشرقية إدخال تغيرات داخلية لأنظمتها بوسائل سلمية. وقال غورباتشوف: "كنا قادرين على تحقيق إنجازات لها أهمية كبرى داخل البلاد وعلى الساحة الدولية. وحددت هذه السياسة مسبقا مسيرة الأحداث، وسمحت بتحرك تدريجي نقلنا من دولة شمولية إلى الديموقراطية".
لم يتصالح غورباتشوف قط مع سنوات يلتسن التسع في السلطة والتي ينظر اليها كفترة فوضى. كما انه لم يتصالح مع تحالف يلتسن مع قادة اوكرانيا وبيلاروس لاعلان الاتحاد السوفيتي ميتاً في كانون الاول (ديسمبر) 1991. كان ينبغي ان يزيح يلتسن عن الطريق قبل سنوات من تحوله منافساً رئيسياً له. وقال: "يحتمل انني كنت ليبرالياً ودموقراطياً اكثر مما ينبغي في ما يتعلق بيلتسن. كان يجب ان ارسله سفيراً الى بريطانيا او ربما الى مستعمرة بريطانية سابقة".
وهو يثني على بوتين لاستعادته الاستقرار في بادىء الامر حتى حوالي 2006. ومع انه استخدم بعض الاساليب السلطوية، فقد كان ذلك امراً مقبولاً من وجهة نظر غورباتشوف. واضاف: "ولكن جاءت بعد ذلك اللحظة التي رأيته فيها وهو يغير النظام الانتخابي، ويلغي انتخابات محافظي المناطق الروسية ويتخلص من الدوائر الانتخابية ذات النائب الواحد. لقد احصيت 20 تغييراً لم يكن بوسعي تأييدها".
عندما اقتربت المقابلة التي امتدت لساعة من نهايتها، سألت الرئيس السوفيتي السابق عن التغيير في الصين، اكبر دولة شيوعية في العالم. عبر غورباتشوف عن نظرته الطويلة الاجل الى التاريخ لكنه قال انه متأكد من ان الاصلاح هناك امر حتمي. ويقول ان اي ايحاء بانه كان يجب عليه ان يتبع مثال الصين في البدء بالاصلاح الاقتصادي بدلاً من السياسي هو خطأ.
ويضيف: "في الاتحاد السوفيتي ما كان شيء ليحدث لو فعلنا ذلك. كان الناس معزولين ومنقطعين تماماً عن صنع القرارات. كانت بلادنا في مرحلة تطور مختلفة عن الصين، وكي نحل مشكلاتنا علينا ان نشرك الناس".
وتابع قائلاً: "هل تعتقد ان الصينيين سيستطيعون تجنب الخيارات الصعبة نفسها في نقطة معينة من الزمن؟ ستكون هناك لحظة يضطرون فيها لاتخاذ قرار بشأن الاصلاح السياسي، وهم يقتربون من تلك النقطة".
في آذار (مارس) من هذه السنة احتفل غورباتشوف بعيد ميلاده الثمانين في لندن في سهرة خاصة في قاعة البرت هول الملكية وقدم فقراتها كيفين ستايسي وشارون ستون. وشارك في الغناء له في تلك الامسية تشكيلة عجيبة من المغنين من بينهم شيرلي باسي وبول عنقا وميلاني سي وفرقة الروك الالمانية سكوربيونز، التي كانت الفرقة الغربية الثانية التي احيت حفلات في الاتحاد السوفيتي.
لكن الوصلة الاهم في السهرة كانت ظهور غورباتشوف على شاشة كبيرة وهو يؤدي اغنية حب روسية. وقد ذهل الجمهور لجمال صوته ووضوحه وما فيه من عاطفة. وقلت له انني لا ادري كيف يستطيع ان يغني هذا الغناء الجميل وكيف يملك هذه الموهبة المخبأة.
ضحك وقال: "اذا لزم الامر يمكنني ان اصبح مغنياً شعبياً. كانت رايسا تحب ان اغني"
.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات