بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
حقائق الأزمة المالية التي تهدد أوروبا بالتفكك
  15/12/2011


حقائق الأزمة المالية التي تهدد أوروبا بالتفكك

الديون الحكومية

ديون الحكومة هي الديون المستحقة على الحكومة المركزية. (المعروفة أيضا باسم الدين العام، أو الديون القومية). أما "عجز الحكومة" فيشير إلى الفرق بين الإيرادات والنفقات الحكومية في الموازنة السنوية، أي الزيادة في الديون خلال سنة معينة.
وتقترض الحكومات عادة عن طريق إصدار الأوراق المالية والسندات الحكومية. أما الحكومات ذات الجدارة الائتمانية الأقل (!) فتقترض أحيانا مباشرة من المنظمات الدولية كالبنك الدولي، أو المؤسسات المالية الدولية. ومن الغريب أن معظم الحكومات عليها قيود تمنعها من إصدار النقود المحلية لتمويل إنفاقها الاجتماعي، وتقترض بدلا من هذا إما من البنوك التجارية أو من المؤسسات الدولية لتمويل إنفاقها الداخلي!
وكما أن دخل الحكومات يأتي من شعوبها دافعي ضرائبها، فإن ديونها تعتبرديوناً غير مباشرة عليهم. ويمكن تصنيف الديون الحكومية كديون داخلية (مستحقة للمقرضين المحليين) وديون خارجية (مستحقة للمقرضين الأجانب). وتعني الديون السيادية عادة الدين الحكومي الذي صدر بالعملات الأجنبية.
ويجوز أن تتضمن الديون الحكومية جميع الالتزامات الحكومية، بما في ذلك مدفوعات معاشات التقاعد والمدفوعات المستقبلية للسلع والخدمات التي تعاقدت عليها الحكومة ولم تـُدفع بعد.
الكل مدين!
تبلغ الديون العامة الداخلية بالعملة المحلية حسب تقديرات 2010 لبعض الدول المنتقاه كما يلي: (أمريكا 9.13 تريليون بنسبة 62% من إجمالي الدخل القومي واليابان 8.5/198% وألمانيا 2.45/83% وإيطاليا 2.11/119% وفرنسا 1.77/82% وإنجلترا 1.65/76% وكندا 1.12/60% واليونان 454 بليون/143% وهولندا 424/63% وبلجيكا 398/101%).
أم الديون العامة والخاصة لجهات أجنبية بعملات أجنبية حسب تقديرات يونيو 2011 لبعض الدول المنتقاه فهي كما يلي: (الاتحاد الأوربي 16.1 تريليون أمريكا 14.7 إنجلترا 9.84 وفرنسا 5.63 وألمانيا 5.62 واليابان 2.72 وإيطاليا 2.68 وأسبانيا 2.57 وآيرلندا 2.36 ولوكسمبرج 2.15 وبلجيكا 1.4 وأستراليا 1.3 وكندا 1.18 والسويد 1.02 والنمسا 884 بليون والنرويج 645 والدنمارك 627 واليونان 583 والبرتغال 548 وفنلندا 518 آيسلاندا 125).
كما أن لدى الكاتب قوائم منشورة من جهات مثل بنك التسويات الدولية وموقع المخابرات الأمريكية وموقع ويكيبيديا تحتوي على أكثر من 200 دولة كبيرة وصغير كلها مدينة بلا استثناء. يبدو أن كل سكان الكرة الأرضية مدينون إما لبعضهم البعض، أو لنخب مستترة ومسيطرة على إصدار النقود كقروض. فحتى النقود المحلية يتم إصدارها كقروض يتعين سدادها مع فوائدها للجهة التي أصدرتها من لا شيء!
البنوك المركزية الأوربية لا تملك صلاحية إصدار النقود لتمويل الإنفاق العام مثل البنوك التجارية
لقد تفجرت أزمة الديون السيادية الأوربية، وقد يتلوها انفجار أزمة الديون السيادية الأمريكية، التي قد تعصف بالنظام المالي العالمي برمته رغم التريليونات التي يجري ضخها في المنظومة. وهناك تحليلات تقول أن ما يحدث حاليا في الأسواق المالية الأوربية يرجع حقيقة إلى أزمة الرهونات العقارية في عام 2008، حيث لا زالت لدى الحكومات والبنوك تريليونات من الأوراق المالية التي لا قيمة لها والتي ضختها أمريكا في الأسواق العالمية وأدت إلى الأزمة. وكل المطلوب لتفجير أي أزمة هو الإيعاذ لشركة تقييم ائتماني من الشركات الثلاثة الكبرى وكلها أمريكية وهي من لوازم السيطرة المالية، لخفض تقييم أي مؤسسة أو دولة وما أكثر أسباب التخفيض ولو بفضح مقدار تلك الأوراق المالية الفاسدة في حوزتها.
كان هدف فكرة إنشاء الاتحاد الاقتصادي الأوربي (European Economic community) إنهاء حالة الحرب التي مزقت أوربا آلاف السنين، بافتراض أن الدول هي التي تدخل في حروب، ولأن الديمقراطية الاقتصادية ستحول دون دخول الملوك والأرستقراط في حروب لتحقيق المجد. وكان الهدف الاقتصادي هو التخلص من بقايا سيطرة النظام الإقطاعي على الأرض والثروات العامة. وقد بدأ التعاون الأوربي في مجال الفحم والصلب عام 1952، ثم نشأت السوق الأوربية المشتركة (EEC) في عام 1957 كتكامل جمركي وسياسة زراعية موحدة ثم وحدة مالية.
وعقدت معاهدة ماستريخت عام 1992 ثم إتفاقية ليشبونة، وتم إنشاء البنك المركزي الأوربي. وتمنع معاهدة ماستريخت البنك المركزي الأوربي من تمويل عجز الحكومات الأعضاء، وتسمح بدلا من ذلك للبنوك التجارية الخاصة بهذا بحجة منع التضخم، وتفرض على الحكومات ألا يزيد عجز الموازنة العامة عن 3% من إجمالي الناتج القومي، مما غل من يد الحكومات في مشروعات التنمية وحل مشكلة البطالة وغيرها ومنعها من اتباع السياسة الكينزية للتوسع في الإنفاق الحكومي لعلاج الكساد بإحداث عجز في موازناتها كما تفعل أمريكا.
لقد تنازلت الدول التي انضمت إلى منطقة اليورو طواعية عن أهم ثلاثة وسائل تمكنها من مواجهة الكساد: فهي لا تستطيع خفض قيمة عملتها لتنشيط التصدير، ولا تستطيع انتهاج سياسة توسعية لزيادة التسهيلات النقدية، كما أنها ليست لديها سياسة نقدية مستقلة وخصوصا الدول الهامشية التي لا تستطيع التأثير على السياسات النقدية للبنك المركزي الأوربي.
وإذا زاد العجز عن 3%، فإن تكلفة الاقتراض من البنوك التجارية تصبح كضريبة عدم الالتزام. ويعني هذا خصخصة الإنفاق على المرافق العامة والبنية الأساسية ورفع أسعار خدماتها لتغطية خدمة الديون والأرباح، مما يقلل من تنافسية تلك الدول ويجعلها مدينة لبنوك ألمانيا وفرنسا وهولندا. وتحول الأمر إلى منافسة بين الدول الهامشية في الاتحاد على من يعرض عائداً أكبر على البنوك التجارية، مما نزع عملياً صلاحية التخطيط الاقتصادي من الحكومات المنتخبة ووضعة في أيدي مدراء المصارف.
السياق العالمي للأزمة
هناك دلائل قوية على أن الأزمة تم تفجيرها عن طريق سياسة متعمدة لأمريكا وبنوك حي المال والأعمال في وول ستريت لإضعاف وضرب اليورو كعملة منافسة للدولار، رغم وجود أسباب مركبة من قصور وأخطاء وفراغ تشريعي وأهداف إستغلاليه لأطراف أوربية. كان السياق الاقتصادي العالمي للأزمة كما يلي:
•مع تدهور قيمة الدولار، لجأت كثير من دول العالم بما في ذلك الصين إلى الاستخدام التدريجي لليورو كعملة احتياطي عالمي بديلا عن الدولار. فتدهور نصيب الدولار كعملة الاحتياطي العالمي في الفترة من 2001 إلى 2010 من 71.5% إلى 61.3% أي بنسبة تزيد عن 14% وانخفض نصيب الدولار في عمليات التبادل العالمية في نفس الفترة من 89.9% إلى 84.9% أي بنسبة 5.6%. وهذا يعني أن العالم يتحرك بالتدريج في اتجاه التخلص من الدولار كعملة الاحتياطي العالمي. ونسبة كبيرة من هذا الاستبدال كان يتم باللجوء إلى اليورو. فإذا كان اليورو يتعرض لخطر الإلغاء أو إلى خروج الدول الغنية منه مثل ألمانيا، فإن هذا سيعرض الاقتصاد العالمي لهزة كبيرة، ويزيل خطراً محدقاً بالدولار كعملة وحيدة للاحتياطي العالمي. الكل يهرب الآن إلى الذهب الذي يرتفع سعره بصورة كبيرة، أو إلى أذون الخزانة الأمريكية؛ لأن أمريكا على الأقل تستطيع طباعة ما تشاء من الدولارات، بصرف النظر عن التضخم الذي يحدث جراء هذا، فشيءٌ أحسن من لا شيءٍ على الإطلاق.
•أصبح الاتحاد الأوربي في عام 2010 أكبر عميل تجاري للصين، حيث زادت تجارة الصين مع الاتحاد الأوربي لتعويض انخفاض التبادل التجاري مع الولايات المتحدة ولتنويع احتياطياتها النقدية للتحسب من تدهور قيمة الدولار. فبلغت قيمة صادرات الاتحاد الأوربي للصين 151مليار دولار عام 2010 بزيادة 38% عن العام السابق مقابل 92 مليار دولار فقط لأمريكا، في حين بلغت صادرات الصين للاتحاد الأوربي 377 مليار دولار عام 2010 بزيادة 31% عن العام السابق مقابل 365 مليار دولار صادرات لأمريكا.
•قامت الصين بشراء سندات خزانة من الدول الأوربية الهامشية منذ تفجر الأزمة بما قيمته مئات البلايين من اليورو لدعمه.
•لم تعد لدى أمريكا قاعدة صناعية تستند عليها مثل الاتحاد الأوربي وتعيد بناءها، وذلك بعد أن تم اتخاذ قرار استراتيجي منذ 40 سنة خلال حكم نيكسون بنقل الصناعة الأمريكية إلى الصين وجنوب شرق آسيا لخفض تكلفتها، مع تحويل الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد تمويلي، يستنزف العوائد الاقتصادية من العالم كله عن طريق التمويل والعجز التجاري تحت التهديد المقنع للقوة الأمريكية الغاشمة. بحيث لم يعد أمام أمريكا سوى الحروب المالية أو العسكرية ضد أي تهديد لعملة الدولار ولسيطرة الاقتصاد التمويلي الأمريكي.
أصل الأزمة اليونانية الأوربية
كانت اليونان أضعف حلقة في الاتحاد الأوربي، بل إن كثير من المحللين يقولون أنها لم تكن مؤهلة أصلا للانضمام إلى الاتحاد لضعف اقتصادها. لكن الكثير من المحللين يقولون أن الاستراتيجية الألمانية تعتبر بقية أوربا أسواقا أسيرة لمنتجاتها لتعويضها عن حرمانها من المستعمرات بعد الحربين العالميتين بما يستلزم ضم دول هامشية إلى الاتحاد تكون بمثابة أسواق لمنتجات ألمانيا وفرنسا. ومن مظاهر الضعف الاقتصادي اليوناني ما يلي:
•كان الاقتصاد اليوناني يعاني من مشكلات كثيرة، فكان الجميع يتملصون من دفع الضرائب لدرجة أن الميزانية كانت تخسر سنويا 30 بليون يورو ضرائب وتأمينات غير محصلة بما يمثل 14.6%من الدخل القومي. وكانت تعاني ديونا تزيد عن 100% من إجمالي الدخل القومي منذ عام 1993وكانت الحكومات المتعاقبة تزور الميزانيات بما مكنها من الاستمرار في الاقتراض طوال تلك السنوات. ولهذا كانت فوائد الديون تستهلك نسبة كبيرة من الدخل القومي بصورة لا يعرف أحد حتى الآن قيمتها بدقة. وكانت الحكومات المتعاقبة تفضل الاستمرار في اللعبة بدلا من مصارحة الشعب بالحقيقة خوفا من خسارة الانتخابات، فلما حدثت المصارحة، كان وقت الإصلاح قد فات.
•من المثير أن الحكومات اليونانية استعانت بشركة جولدمان ساكس كمستشار مالي لإخفاء ديون اليونان في صورة أوراق مالية تبادلية معقدة حتى تتأهل للانضمام للاتحاد ولإخفاء عجز موازنتها حتى تظل شكلا ملتزمة بقواعد معاهدة ماستريخت. ولا بد أنها باعت لها أيضاً أوراقا ومشتقات ماليه عن القروض العقارية التي تسبب انهيار قيمتها السوقية بعد اكتشاف حقيقة قيمتها في الأزمة العالمية في عام 2008. لقد كان جولدمان ساكس ومن وراءه الحكومة الأمريكية يعرفون أن اليونان هي الحلقة الأضعف في الاتحاد النقدي الأوربي، وربما استخدموا هذه المعرفة في الوقت المحدد.
•لكي تغسل حكومة باباندريو الاشتراكية يدها من أخطاء الحكومات السابقة، أعلنت فور تقلدها السلطة في عام 2009 أن عجز الموازنة العامة وصل إلى 13%، أي أكثر من أربعة أضعاف العجز المسموح به حسب قواعد منطقة اليورو. فهل تمت هذا المصارحة بناءً على نصيحة من مستشارها القانوني جولدمان ساكس؟
•ومن المهم أن نتذكر أن اليونان هي الدولة الأرثوذكسية الوحيد في الاتحاد الأوربي، وليس هناك ود مفقود بين بين الكاثوليك أو البروتستانت وبين الآرثوذكس، ولا بين شعب اليونان وأمريكا. ولهذا سيكون متخذ القرار الأمريكي أكثر حماسة في التضييق على اليونان من أي دولة أخرى في الاتحاد الأوربي.
وعند إنشاء الاتحاد النقدي الأوربي، تم الاتفاق على تقييم نسبي للعملات الأوربية المختلفة، فتم خفض قيمة العملات القوية للدول الغنية ورفع قيمة عملات الدول الضعيفة. مما أدى إلى رواج سلع الدول الغنية وعدم قدرة سلع الدول الهامشية على المنافسة داخل الاتحاد الأوربي، ولا حتى خارجه بسبب منافسة الصين. وهذا أنتج فائضاً في الميزان التجاري للدول الغنية وعجزاً في موازنة الدول الهامشية. ولما كان الفائض يحتاج إلى فرص لاستثماره، في حين احتاجت الدول الهامشية إلى الاقتراض وإصدار المزيد من سندات الخزانة لتغطية عجز موازنتها، فقد تم استثمار فوائض دول المركز في دول الهامش عن طريق البنوك التجارية. وتحت إشراف جولدمان ساكس كمستشار مالي، قامت حكومتي اليونان وإيطاليا وغيرهما بإخفاء عجز موازنتيهما المتزايد ببعض ألاعيب المحاسبة وبشراء سندات مقايضة ائتمان (CDS) وكذا مشتقات ضمان العملات تعطي شعورا كاذباً بالأمان، بحيث لم تذكر في ميزانيتهما السندات الحكومية التي أصدرتاهما حتى أصبح عجز موازنة اليونان 12% أي أربعة أضعاف الحد الأقصى. وقد ساعدت شركات التقييم المالي في هذا بإعطاء تقييم ممتاز لتلك السندات. كانت اليونان تحتاج إلى بيع هذه السندات لتغطية عجزها، وكانت بنوك ألمانيا وفرنسا تبحث عن استثمار للفوائض المتراكمة لديها. لقد مرت مرحلة ظهر فيها كما لو أن كل طرفٍ يستفيد. فعاش اليونانيون كما لو كانوا أوربيين، وحققت البنوك الألمانية والفرنسية أرباحاً دفترية كبيرة.
تفجير الأزمة
قامت مؤسسة مودي للتقييم في الأسبوع الأخير من يوليو 2011 (وبعدها مؤسسة S&P) بخفض تقييم اليونان ثلاثة درجات مرة واحدة من Caa1 إلى Ca أي ما يجعلها تساوي أوراقا مالية تافهة القيمة (Junk). ولما كانت قواعد الاستثمار لصناديق المعاشات في أوربا وأمريكا لا تسمح بالاستثمار في أي أوراق مالية بهذا التقييم، فقد طرحت جميعها كل ما لديها من سندات الحكومة اليونانية للبيع في الأسواق المالية، مما تسبب في تدهور قيمتها السوقية فورا. وعجل بتفجير أزمة الديون اليونانية وتعريض منطقة اليورو وعملة اليورو لخطر الانهيار.
ومما سبق في بيان ديون دول العالم، يتبين أن مشكلة اليونان وإيطاليا لو كانت تتمثل في نسبة الديون إلى إجمالي الدخل القومي، فإن اليابان أسوأ حالاوبلجيكا ليست في وضع أفضل كثيرا. ولو كانت المشكلة في قيمة الديون، فإن الدول الأوربية الهامشية ليست أحسن حالا من الدول الأكثر غنى في الاتحاد. فما هو سر تفجير أزمة الاتحاد الأوربي من أضعف حلقاته؟
ومن المثير أن نذكر أن ألمانيا لم تنجح في بيع أذونات خزانتها في المزاد الذي عقد في النصف الثاني من أكتوبر 2011 . والغريب أن إيطاليا التي تعاني عجزا في ميزانيتها وعلى وشك الإفلاس تمكنت من بيع كل أذونات خزانتها قبل ذلك مباشرة، في حين أن ألمانيا التي ليست مدينة كإيطاليا ولا تعاني عجزا في ميزانيتها وليست على وشك الإفلاس لم تنجح في ذلك! من الذي يضغط على ألمانيا والاتحاد الأوربي ويعرضه لخطر الانهيار؟
يبدو أن تفجير أزمة اليونان والاتحاد الأوربي وسيلة لجأت لها أمريكا للتخلص من خطر اليورو ولمحاصرة الصين في الوقت نفسه.
الأزمة
تقول بيانات بنك التسويات الدولية، أن ديون دول الاتحاد الأوربي الهامشية الأضعف (البرتغال وإيطاليا وأسبانيا واليونان وآيرلندا) بلغت 4.1 تريليون دولار في نهاية الربع الأول من عام 2010 زادت حتى الآن لأكثر من 5 تريليون دولار. كما أن الدول الأكثر تورطاً في ديون تلك الدول الخمسة هي فرنسا (843 مليار دولار) وألمانيا (652 مليار دولار) والمملكة المتحدة (380 مليار دولار) وهولندا (208 مليار دولار) والولايات المتحدة (195 مليار دولار).
ومع تفاقم المشكلة، وفقدان الحكومات القدرة على السداد، تحولت البنوك الخاصة إلى البنك المركزي الأوربي مطالبة إياه بتمويل عجز الحكومات، وإلى الحكومات طالبة تحويل هذه الديون إلى الشعوب. وهكذا يزيد تركز الثروات وفي نفس الوقت ينكمش الاقتصاد.
وهكذا أصبحت كل البنوك الأوربية وعلى رأسها البنوك الألمانية والفرنسية متورطة في مئات البلايين من السندات الحكومية لدول الجنوب الأوربي والقروض الخاصة بلا ضمانات حقيقية (بالإضافة إلى رصيدها من السندات العقارية الأمريكية المسمومة) وسوف تعاني خسائر فادحة إذا لم تدفع أو تم إلغاءها.
وتعاني معظم تلك البنوك من أزمة سيولة منذ الأزمة العالمية عام 2008، والبنوك الأمريكية محجمة عن إقراضها خوفاً من إفلاسها. ومعظم البنوك الأمريكية لديها ائتمان لدى معظم البنوك الأوربية تم تجميده لأن أحداً لا يدري مدى تورط البنوك المختلفة في الأزمة اليونانية والإيطالية والأوربية والأمريكية بصفة عامة. ومن المعروف أن البنك الفيدرالي الأمريكي وبنك انجلترا وبنك اليابان وبنوك سويسرا يقومون بتوفير الدولارات لبنوك أوربا بعد أن قام البنوك الأمريكية بسحب ودائعها منها خوفاً من الخسارة.كما يقال أن البنوك الأمريكية راهنت أيضاً على فرض إجراءات التقشف على اليونان وأيطاليا؛ ولذلك فإن جايتنر وزير الخزانة الأمريكية يضغط لفرض تلك الإجراءات حتى لا تفقد تلك البنوك رهانها وتفلس. ولو كان الانهيار مقصوراً على اليونان لهان الأمر. لكن إذا انهارت إيطاليا، فستنهار البنوك الأوربية الكبرى فما في ذلك الألمانية والفرنسية، وستتلوها مباشرة انهيارات كثيرة في أمريكا.
وشركات أوربا ليست أحسن حالا من البنوك. فكلها غارقة في الديون بما يزيد عن حقوق المساهمين. فنجد أن نسبة الديون إلى رأس المال 145% في البرتغال و 135% في إيطاليا و 113% في أيرلندا و 218% في اليونان و 152% في أسبانيا و 105% في ألمانيا و 89% في إنجلترا و 76% في فرنسا. مما يعني أن الأزمة لا تقتصر على الدول الهامشية في الاتحاد الأوربي.
والحقيقة هي أن الدول الأوربية الغنية تحاول إنقاذ بنوكها أكثر من مساعدة اليونان.
ولا ننسى أن البنوك المركزية الأوربية بما فيها البنك المركزي الأوربي مملوكة للحكومات (مثل البنك المركزي المصري)، ولكنها تدار بصورة مستقلة عن الحكومات بواسطة رجال البنوك وليس بواسطة المسئولين الحكوميين. أي أن رجال البنوك (الخاصة) لهم اليد العليا في إدارة الشئون المالية في أوربا.
ولقد صوت الشعب في آيسلندا في إبريل 2011 ضد تحقيق مطالب بريطانيا وهولندا بتعويض بنوكهما عن خسائر مضاربات البنوك الآيسلندية في الأوراق المالية الأمريكية. وكان سبب إصرار إنجلترا وهولندا على مطالبهما هو الخوف من أن تنتقل العدوى إلى آيرلندا واليونان وغيرهما من دول جنوب أوربا حيث الخسائر الهائلة.
وعندما كان يحدث انهيار مالي في دول العالم الثالث، كان يفرض على حكوماتها خفض قيمة عملتها لزيادة الصادرات. ولكن دول اليورو لا تستطيع ذلك لأنها ملتزمة باليورو، فليس أمامها سوى خفض رواتب العاملين لتمكينها من خدمة ديونها لبنوك دول الشمال الأوربي.
وعندما تحدث أزمة ديون، فإن البنوك تلجأ إلى إعطاء المزيد من القروض الجديدة لخدمة الديون القديمة، ثم تبحث عن جهة أكبر لإقراض الحكومات مثل البنك الدولي وصندوق النقد أو البنك المركزي الأوربي، ثم في النهاية تسعى لتحميل الشعب تلك الديون، رغم أن معظم هذه الديون استخدمت طبعا في مضاربات وإنفاقات لا علاقة للشعوب بها. وهذا هو ما حدث في اليونان. ورغم أن الديون غير قابلة للسداد، إلا أن البنوك تحاول تأجيل مواجهة هذه الحقيقة للحصول على أكبر قدر من الأموال. إن ما تفعله الحكومات الغربية هو مجرد مكافحة الديون بمزيد من الاقتراض!
برامج التقشف والحلول الجزئية
تقوم البنوك الأوربية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال ببيع أذونات الخزانة في حوزتها ولا تجد من يشتريها، ولذلك يضطر البنك المركزي الأوربي لشرائها حتى لا تتدهور الثقة فيها. ولولا تدخل البنك المركزي لشراء هذه السندات لانهار سوقها في العالم منذ فترة. ولا أحد يدري إلى متى سيستمر هذا الأمر. وللإبقاء على اليونان عائمة، انهمك البنك المركزي الأوربي في شراء سندات الخزانة اليونانية لمنع البنوك الأوربية الأخرى من خسارة أموالها، مما يعني أن مشكلة الديون الأوربية لم تعد مقصورة على البنوك الأوربية فقط، بل امتدت للبنك المركزي الأوربي نفسه. إن فشل قادة أوربا في حل مشكلة اليونان، يعرض البنك المركزي الأوربي لخطر أن يصبح أشهر ضحية للأزمة المالية العالمية، حيث أن ضياع ديون اليونان يقترب من القضاء على القاعدة الرأسمالية للبنك المركزي الأوربي بالكامل. وهكذا لم يعد أمامهم سوى منع اليونان من التوقف عن سداد ديونها بأي ثمن. لقد أسس البنك المركزي الأوربي صندوق إغاثة الدول المدينة (EFSF) برأسمال 440 بليون يورو، وهو قطعا لا يكفي لحل المشكلة الأوربية التي تفاقمت ووصلت إلى تريليونات اليورو.
ولهذا يريد الاتحاد الأوربي والبنك المركزي الأوربي أن تتحمل الشعوب هذه الخسائر عن طريق خفض الإنفاقات العامة والرواتب والمعاشات وبيع الأصول العامة، بما يرفع تكلفة المعيشة والأعمال ويسبب الكساد ويخفض قدرة الحكومة على خدمة ديونها ويؤدي في النهاية إلى توقفها عن السداد. ويستهدف الدائنون الأوربيون بيع ما قيمته 400 بليون دولار من الأصول اليونانية للوفاء بالديون السيادية اليونانية. ويعتبر البنك المركزي الأوربي أنه طالما كانت هناك أصول مملوكة للدولة يمكن بيعها أو خصخصتها، فإن الحكومة تعتبر في نظره قادرة على سداد ديونها.
وحزمة القروض المعروضة على اليونان تكفي بالكاد لكسب الوقت اللازم للبنوك الأوربية لتحصيل فوائد ديونها قبل أن يحل الوقت الذي لا مفر منه وتضطر اليونان إلى الخروج من مجموعة اليورو والعودة إلى الدراخمة مع تخفيض قيمتها.
ورغم إعفاء اليونان من 50% من ديونها، إلا أن خطة التقشف المطلوب تنفيذها تتضمن بيع بعض الجزر السياحية والمواني ومؤسسة اليانصيب وشركات المياة والصرف والاتصالات وغيرها وخفض برامج الإنفاق الاجتماعي الحكومي على الصحة وغيرها وتسريح العاملين وخفض الرواتب بما يخفض من مستوى المعيشة في اليونان بنسبة 30% في العقد القادم، ويسبب الكساد الذي سيقلل بدوره من حصيلة الضرائب ومن القدرة على خدمة الديون. ورغم هذا ستكون ديون اليونان بنهاية هذا العقد أكثر من 120% من دخلها القومي!
وليست هناك أي فرصة واقعية أمام اليونان لكي تسدد ديونها. ولكن الهدف الأساسي من حزمة القروض والخصخصة هو إعطاء فرصة أطول للبنوك التجارية وحملة السندات الحكومية للتخلص منها للحكومات الأوربية، وتوريط البنك المركزي الأوربي فيها في نهاية المطاف.
ولهذا فإن ألمانيا وفرنسا يدرسان السماح للدول الضعيفة (مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا وغيرهم) بالخروج من منطقة اليورو لأن محاولة إنقاذهما ستؤدي حتماً إلى انهيار دول الاتحاد الغنية أيضاً. ورغم أن القادة الأوربيين استعدوا نفسيا لقبول خروج اليونان من اليورو، ألا أن انهيار إيطاليا قد يؤدي إلى انهيار اليورو ككل. ولهذا تولى رجال المصارف مقاليد الأمور لمحاولة إنقاذ اليورو.

إلغاء الديمقراطية

كل الحلول المعروضة للخروج من الأزمة لم تكن لتمر عبر الطرق الديمقراطية، مما حتم وضع سلطة التخطيط المالي في أيدي رجال البنوك وإبعادها عن تدخل المؤسسات الديمقراطية. ومن المفارقة أن حكومتا اليونان وإيطاليا اليساريتان هما اللتان سلمتا بالمطالب التقشفية التي فرضها اليمين الأوربي المتطرف الذي كان السبب الأساسي فيما وصلت إليه الأمور.
لقد أصاب الساسة ورجال المال الأوربيون الهلع عندما أعلن رئيس وزراء اليونان أنه سيطرح الحزمة الأوربية للحل لاستفتاء عام بدلا من عقد الصفقة خلف الأبواب المغلقة. ومع كل عيوب جورج باباندريو وسيلفيو بيرليسكوني، إلا أنهما كانا منتخبين ديمقراطيا من البرلمان ولم يخسرا أي تصويت بسحب الثقة. ورغم هذا فقد تم عزلهما وتعيين موظفين سابقين في صندوق النقد الدولي ومستشارين سابقين في جولدمان ساكس دون انتخاب على رأس الحكومتين في اليونان وإيطاليا مهد الديمقراطية الغربية. وهما سوف يأخذان تعليماتهما بطبيعة الحال من البنك المركزي الأوربي ومن صندوق النقد. وهذا يعني وضع إيطاليا واليونان تحت سيطرة المؤسسات المالية. إن ما يحدث ليس أقل من ثورة حقيقية لإلغاء التزامات دولة الضمان الاجتماعي، ستؤثر على حياة الملايين في غياب نقاش ديمقراطي حقيقي. وهكذا بعد 3000 سنة، يتم خنق أحفاد من اخترعوا الديمقراطية الغربية في عقر دارها. يبدو أن الزواج بين الرأسمالية والديمقراطية قد انتهى بالطلاق.
وهذا يعد وصفة لحدوث ثورة شعبية أو انقلابٍ عسكري. ولهذا قامت الحكومة اليونانية في أول نوفمبر 2011 بإنهاء خدمة كل قادة الجيش تحسبا لاحتمال وقوع انقلابٍ عسكري احتجاجا على إفقار اليونان.
تفكك الاتحاد الأوربي وانهيار الرأسمالية!
يبدو أن قاطرة التكامل الاقتصادي في أوربا قد توقفت. فهل نحن نعايش مرحلة تفكك الاتحاد الأوربي واحتمال انتهاء الرأسمالية الغربية؟
إن مشكلة النظام المالي أنه مبنيٌ على القروض والديون، وقد وصل الأمر إلى منتهاه، فالكل مدين والكل لا يستطيع خدمة ديونه. لدرجة أن الجميع يبدو أنه خسر كل ممتلكاته لبعضه البعض، ولا أحد يستطيع الالتزام، ولا أحد يعرف طريقة لفض هذا الاشتباك. وليس هناك تفسيرٌ لما يحدث على أساس من الاقتصاد الحقيقي.
لقد وصلت القاعدة الرأسمالية لبنوك أوربا إلى 26:1 بينما كانت في الماضي لا تقل عن 9:1 مما يعني انكشاف البنوك الأوربية لأدنى خسارة، حيث أن مجرد خسارة لا تزيد عن 4% من قروضها ستدمر قاعدتها الرأسمالية الهزيلة.
ويحدث باستمرار في نظام النقود المحملة بالقروض والفوائد أن تتوقف الدول عن سداد ديونها عندما تصل إلى مستويات يستحيل الوفاء بها؛ لأن هذا النظام الظالم ينتج تياراً لا يتوقف من الإفلاسات. وتقول بيانات صندوق النقد الدولي أنه منذ عام 1820 وحتى عام 2003 عجزت 245 دولة عن الوفاء بديونها المتوالدة. وهذا الأمر يعني تكرار إفلاس الآلاف من البنوك والشركات المحلية وفقد عدد لا يحصى من البشر لأموالهم. بل إن الصين تعتبر أن تكرار طباعة أمريكا للدولار فيما تسميه بـ "التسهيلات الكمية" يعني في حقيقة الأمر أن أمريكا عاجزة ومتوقفة عن سداد إلتزاماتها التجارية وأنها مفلسة.
وقد وضعت آيسلاندا مبدأ قانونيا بأن المقدرة على الدفع هي أساس الالتزام بخدمة الديون الدولية. ولا جدال في أن بقية الدول الضعيفة المدينة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي طالما عانت وتعاني من سياسات التقشف المفروضة عليهم من الليبراليين الجدد في البنك الدولي وصندوق النقد والبنك المركزي الأوربي تراقب التطورات عن كثب، آملة أن تتمخض عن مخرج لها من السياسات الظالمة المفروضة عليها. وهذا يفسر ردود الفعل الغاضبة والمتوترة من قبل تلك المؤسسات تجاه التطورات في اليونان وإيطاليا.
فهل يشهد عام 2011 نهاية نظرية "نهاية التاريخ" التي ادعت أن نهاية التطور الأيديولوجي للإنسانية هو عولمة الليبرالية الديمقراطية الغربية؟ إن تضاربها الداخلي يدمرها من الداخل، والإنسانية تستيقظ على هذه الحقيقة مع انهيار المؤسسات المالية وإفلاس الدول وتنامي الديون الخاصة بلا حدود. إن مشكلات التكامل الاقتصادي الأوربي التي لا حل لها تهدد النظام الاقتصادي العالمي كله بالانهيار إذا ما انهارت دويلة صغيرة لا يزيد حجمها عن 2% من الاتحاد الأوربي مما يشير إلى هشاشة هذا النظام الظالم. إننا نواجة ما أسماه جوزيف ستيجلتز " الأزمة الأيديولوجية للرأسمالية".
إن التمويل في حقيقته نوع من الحرب، يستهدف السيطرة على الأصول والثروات والمرافق وفرض الإتاوات، وفرض النظم والقوانين، وفرض مركزية التخطيط الاجتماعي والاقتصادي واستنزاف الفائض الاقتصادي. وهي حرب تشنها النخبة المالية العالمية بدلا من الجيوش. ويبدو أن النخبة المالية تحاول تحقيق ما كانت القوة العسكرية تفعله في الماضي ولكن بتكلفة أقل؛ لأن الضحية هنا تستسلم دون مقاومة. ولكن تصدع النظام قد يضطرهم إلى اللجوء إلى الحرب التقليدية لإطاله عمر النظام المتهاوي. إن طبول الحرب التي تدق في المنطقة قد تكون دليلا على إمكانية اللجوء للحرب لتشتيت الانتباه عن الأزمة المالية الطاحنة التي لا حل لها؛ لأن الحرب هي آخر الدواء الذي يلجأون إليه.
د. صلاح عبد الكريم
باحث في الاقتصاد السياسي

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

نجاح -الجزائر-

 

بتاريخ :

05/05/2012 14:08:40

 

النص :

المقال أكثر من رائع مع كل الشكر والتقدير.