بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
تشييع الممثل طلحت حمدي في مسقط رأسه في دمشق
  07/12/2012

تشييع الممثل طلحت حمدي في مسقط رأسه في دمشق

 حسام لبش


بحضور فني وثقافي واجتماعي لافت، شيع عصر اليوم الفنان الكبير طلحت حمدي، الذي وافته المنية صبيحة أول من أمس الثلاثاء في العاصمة الأردنية عمان، إثر نوبة قلبية أوقفت سبعين عاما من العطاء للحياة والفن.
أقيمت الصلاة عليه في مسجد صلاح الدين الأيوبي بمنطقة ركن الدين بدمشق، وتم تشييعه بعد ذلك من المسجد إلى مقبرة الشيخ خالد في نفس المنطقة، وذلك بعد صلاة العصر .
أما مراسم العزاء فستتم، حسب أحمد، في صالة للعزاء كائنة أمام مسجد صلاح الدين في منطقة ركن الدين نفسها.
هو الفنان الذي رفعت في حقه دعوى قضائية قبل سنوات عن مسلسل أخرجه بنفسه بعنوان " المكافأة" وقد تناول فيه واقع المعلمين في سورية بصورة أدهشت المشاهدين.. وهو "رمّاح" المقاتل الشجاع في مأثرة " غضب الصحراء" مع عبد الرحمن آل رشي وسمر سامي وعبد الهادي الصباغ قبل 25 عاما، كما أنه الزير سالم بعينه في العمل المسرحي الذي ضرب خشبات المسارح العربية وصالاتها في السبعينات، وهو الأمير شكيب أرسلان وزير خارجية سورية في الخمسينات في رائعة " نزار قباني" عام 2005
إذاً.. هو طلحت حمدي بلا منازع، والذي أمضى سبعة عقود ونيّف في دنيا سورية والسوريين، يطل عليهم عبر شاشة صغيرة حينا وكبيرة حينا آخر، ويخاطبهم من المسرح تارة، ومن نص درامي يكتبه بنفسه تارة أخرى... لا بل ومن بوابة المخرج والمنتج في مرحلة من مراحل حياته الغنية بالمآثر.
اختلفت الكتابات حول تاريخ ميلاده، فبين من يقول إنه من مواليد 1938، وآخر 1940، نؤكد هنا ما هو ثابت عن لسان النجم الذي غادر الحياة ولجأ إلى مسكنه الأخير اليوم.. يقول أبو أحمد:" أنا من مواليد 1942 في ركن الدين بدمشق"!!.
حسناً.. هذا هو التاريخ الرسمي لحياة الرجل،، تاريخ أصدق من لو أن هويته الشخصية حملت تاريخا آخر غير هذا الرقم.
نحو المسرح:
في مطلع ستينيات القرن الماضي كان طلحت ما يزال باحثا عن ذاته بهدف تكوين شخصية مستقلة في حياة كانت تخضع في تلك المرحلة أكثر من الآن، لسلطة العائلة، شق الرجل طريقه نحو المسرح.
لم يكن طلحت يطلب عملا، بل كان يأتي حاملا معه فكرة مصاغة على ورق بسيناريو مسرحي شعبي وغير شعبي، ويطلب من مخرج هنا وآخر هناك أن تتحول الفكرة إلى عرض مسرحي... وبعد الموافقة على الأمر ومعالجته، كان المخرج يطلب من طلحت أن يجسد شخصية ما من شخصيات النص الذي ألفه بنفسه... وهكذا بلغ طلحت المسرح في وقت أكد فيه غير مرة أنه ما كان يتوقع أن يبلغه.
نحو الإذاعة والتلفزيون:
وبطبيعة الحال، كان المسرح في تلك الفترة بوابة أولى نحو التلفزيون الذي كان ناشئا في سورية في ذلك العقد، فبدأ المخرجون يستميلون هذا النجم ذا الوجه الذي يخدم أفكارا درامية، فجيء به إلى الإذاعة والتلفزيون معا، ومنذ ذلك الحين، بدأت حياة طلحت تصرف كامل ساعاتها وأيامها أمام المايكروفون أو الكاميرا.
يقول طلحت حمدي لكاتب هذه السطور في جلسات خاصة وأخرى كانت للنشر:" كنا نشتغل الحلقة التلفزيونية الكاملة والتي تستغرق معنا أياما في ذلك الحين، مقابل أربع ليرات سورية فقط".
ويقول:" لم يكن هناك أدنى دعم للحركة الفنية من قبل الدولة أو الجمعيات.. كانت كلمة فن تعني الكفر.. لا شيء كان يعوضنا خسائرنا مقابل الإبداع سوى الشهرة بين الناس".
وقال:" لكن لا شيء كان يحملنا على ترك المهنة، فالإبداع يستوجب التضحية، وهكذا مشينا لسنوات طويلة.. يظننا الناس أغنياء وهم لا يعلمون شيئا عن حالنا".
زواجه من نجمة النجوم:
في السبعينيات وفي ذروة تألقه وتسيده للشاشة السورية وللمسرح أيضا، وفي عز بروزه عربيا، سينمائيا ودراميا، تزوج طلحت من نجمة سورية الأولى يومها، الفنانة الراحلة، سلوى سعيد، فشكّلت معه ثنائيا قل نظيره في الحياة والمهنة، وعاش معها جميل أيامه، حسب تعبيره طبعا، حتى فرّق بينهما الموت الذي اختطفها قبل عقدين من الزمن ليعيش الثنائية في الخيال بعزف منفرد.
نحو الإنتاج:
كان طلحت حمدي من أوائل النجوم السوريين والعرب الذين تجرؤوا على العمل في الإنتاج، الإنتاج من المال الخاص، الإنتاج الذي إن خسر صاحبه مشروعا فلا أحد يعوض عليه.. إنتاج في مرحلة لم تكن الفضائيات العربية قد ظهرت، ولم يكن شيء اسمه: التسويق الدرامي، قد عُرف.
أسس شركة إنتاجية خاصة برأسمال صغير ومحدود وراح ينتج ساعات تلفزيونية ومسرحيات وأفلاما وثائقية، وأنتج كذلك مسلسلين طويلين وبعض الثلاثيات وسباعية، ولم يسأل يوما عن الربح الذي بإمكاننا هنا القول بأنه لم يحضر، فالخسارة هي السائد في ظل وجود قناة تلفزيونية واحدة في تلك المرحلة.
دعوى قضائية في الزمان المغلق:
برغم ذلك ظل المناضل يناضل في سبيل إيصال المعلومة أو الفكرة إلى الجمهور، حتى بلغ به المطاف يوما لإنتاج وإخراج مسلسل " المكافأة" والذي فيه عرض هموم المعلمين ومآسيهم في سورية، فحركت جهات حكومية دعوى قضائية ضده خسر فيها أكثر مما ربح.
ابتلعوه وابتلعوا شركته:
وبمجيء شركات الإنتاج الخاصة والتي سماها طلحت بالحيتان، تم ابتلاع شركته لصالح تلك الشركات التي تفّت المال بعشرات الملايين من الدولارات ولا تسأل عن التسويق إطلاقا بفعل وجود قنوات تلفزيونية متخصصة في العرض، فعوقب طلحت عن جرأته في الماضي، أيام الإنتاج، ليس بإغلاق شركته لضعفها ماديا، لا بل وعوقب من قبل الشركات الجديدة بعدم إعطائه حقه وقيمته كممثل ذاع صيته لعقود.
يقول طلحت، وكثيرا ما قالها:" لقد أثروا عليّ وضغطوني وضغطوا أبناء جيلي أيضا.. راحوا يكبّرون ممثلا شابا في الثلاثين من عمره عبر عمليات المكياج ليصبح شكله ابن الستين عاما، ليلعب أدوارا هي أدوارنا.. هذا ظلم.. نحن من أسس لهذه الدراما ونستحق تعاملا أفضل".
السطر الأخير قاله طلحت قبل سنتين للنشرة، وعاد ليقوله قبل يومين من وفاته للنشرة أيضا.
الأحداث والهجرة القصيرة:
جاءت أحداث سورية الحالية لتزيد الطين بلة على الفن والفنانين، وبالطبع، على أبناء الجيل القديم، وبدأ النجوم يغادرون البلد.
وقبل يومين من رحيله، بكى الرجل حرقة وأعلن أنه سيغادر سورية في سبيل العمل، وأن غيابه لن يكون لأكثر من سنة أو سنتين، وأنه سيعود إليها فورا بمجرد انتهاء العمل، وذلك بلا أي إشارة لنوعية العمل الذي سيقوم به في بلد أكد أنه سيكون عربيا.
غادر الرجل. وبعد ساعات قليلة من مغادرته، توقف قلبه عن الخفقان وأعلن الطب الشرعي في العاصمة الأردنية عمان أن " الزير سالم" توفي، فجيء بجثته إلى دمشق، وإلى مسقط رأسه في ركن الدين بدمشق حيث صلي عليه اليوم في جامع صلاح الدين عصرا، قبل أن يشيع بموكب مهيب إلى مقبرة الشيخ خالد في المنطقة نفسها ليوارى الثرى هناك.
دموع وحسرة قبل شهر ونصف:
أثناء حوارنا معه للنشرة قبل شهر ونصف الشهر، بكى طلحت حمدي بحرقة واغتسل وجهه بالدموع حين تحدثنا على هامش اللقاء عن أحداث البلد... قال الرجل:" هل وصلنا إلى هذا اليوم حقا؟!!.. هل بتنا اليوم نقول هذا علوي وذاك سني؟!!.. كنا قبل خمسين عاما نجلس هنا.. حنا مينة المسيحي ومحمد الماغوط الاسماعيلي وبدوي الجبل العلوي ونزار قباني السني.. هنا في مقهى الروضة وغيره من مقاهي الشام، وكنا معهم مجموعة من الشباب الكردي نتناول سبل الوحدة، فما الذي فرّقنا؟!!!".
وفاته ضربة ثانية للعائلة في ظرف سنة واحدة...
يشار إلى أن طلحت حمدي اسمه الكامل طلحت حمدي الأيوبي، وأن رحيله يمثل الفاجعة الثانية في العائلة والوسط الفني خلال سنة واحدة، حيث سبق وأن توفي شقيقه خالد الأيوبي الكاتب الإذاعي الشهير في مثل هذه الأيام من السنة الماضية.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات