بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
كوبا ... ثورة تساقطت أنيابها وتحوّلت مفتاحاً للتجارة
  25/12/2014

كوبا ... ثورة تساقطت أنيابها وتحوّلت مفتاحاً للتجارة

 هافانا – شوقي الريّس


ثمة حال نفسية تتكرر بانتظام في ردهة الذات لدى كل زيارة إلى كوبا. يجذبك الجمال المتهالك، يستدرجك الإيقاع الحسّي المنحلّ في لُزوجة المناخ، ويدعوك إلى التمتع بالكسل. تشعر بأن الزمن توقف هنا، وأنك على مشارف المشهد الأخير من الحكاية. ثورة عنيدة تقضم منجزاتها المذهلة، وتعوم وحيدة على متن جزيرة يختصرها رجل واحد تتدلّى لحيته بتحدٍّ وإباء منذ أكثر من خمسة عقود، على مرمى حجر من الساحل الأميركي، وسؤال يرتسم مستعصياً على كل التحليلات والتوقعات: إلى متى؟
ولكن، منذ الإعلان المفاجئ عن استئناف العلاقات الديبلوماسية بين الولايات المتحدة وكوبا، والجزيرة تغلي في مرجل التكهنات والتساؤلات. هل سيجهض الكونغرس الجمهوري خطوة أوباما فيعارض رفع الحظر التجاري وفك الحصار؟ ما الثمن الذي قايض به النظام الكوبي في هذه الصفقة التاريخية؟ هل من دور لعبه فيديل كاسترو أم إن اعتكافه مؤشر إلى اعتراضه؟ أو إن واشنطن باتت مقتنعة بأن الثورة سقطت أنيابها ولم تعد قادرة على تخصيب المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية والعالم؟
يُرجّح أن الأجوبة في ما لم يقله باراك أوباما وراوول كاسترو عند إعلان استئناف العلاقات التي قرر جون كينيدي قطعها قبل ثلاث وخمسين سنة. قال أوباما إن الحصار فشل، لكنه لم يقل إن «الثغرات الإنسانية» في قانون الحظر التجاري جعلت الولايات المتحدة «الشريك» الاقتصادي الرابع لكوبا في السنين العشر الأخيرة. ولم يقل إن السوق الكوبية هي مفتاح أسواق أوسع بكثير، مثل فنزويلا والإكوادور والبيرو وبوليفيا، وإن التغلغل الصيني - الروسي بات يهدد هيمنة واشنطن على أميركا اللاتينية التي لم تتخلَّ يوماً عن المطالبة بفك الحصار عن كوبا.
أما راوول كاسترو، الشقيق الذي ورث تركة عقائدية شبه أسطورية، فقال إن كوبا لن تتخلى عن هدفها التاريخي الذي ناضلت من أجله لبناء مجتمع اشتراكي، وتحصين الاستقلال والسيادة. لكنه لم يذكر شيئاً عن تدخُّل واشنطن في الشؤون الداخلية لبلدان أميركا اللاتينية، ولا عن دعم كوبا القوى والحركات اليسارية والقومية في شبه القارة والعالم. خاطب مواطنيه من مكتب لم تظهر فيه أي صورة لماركس أو لينين أو انغيلز، ولا حتى تشي غيفارا. فقط صورة صغيرة لفيديل الذي لم تصدر عنه (حتى كتابة هذه السطور) كلمة واحدة تعليقاً على الحدث الذي من شأنه أن يكون بداية الفصل الأخير في سيرة ثورة، كانت أطول كوابيس السياسة الخارجية الأميركية والمرأة الثانية في حياة كل يساري في العالم.
يقول ماكسيمو مانكادا، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة هافانا: «التدابير التي أقرّها الحزب الشيوعي قبل أربع سنوات لإصلاحات واسعة في الاقتصاد والاستثمار والسياسة الخارجية أحدثت تغييراً خفف وطأة الضائقة الاجتماعية، لكنه تغيير ما زال بطيئاً جداً وبعيداً عن تعويض التضحيات التي قدمها الكوبيون طوال خمسين سنة دفاعاً عن الثورة». أما خوسيه كالديرون، وهو مهندس ميكانيكي يعمل في تشغيل السيارات الأميركية القديمة الفارهة بمحركات يابانية مستعملة، فيؤكد تصميمه على اقتناص أول مناسبة للسفر إلى الخارج بعدما «ضاق ذرعاً بوعود التغيير والانفتاح التي لم يتحقق منها شيء».
لم يعد كافياً الاعتزاز بأن نظام التعليم المجاني الراقي في كوبا يتفوق على النظام التعليمي في الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية، ولا الافتخار بالتغطية الصحية الشاملة التي تضاهي مثيلاتها في البلدان الاسكندينافية، أو بحقيقة أن كوبا هي الدولة الأولى في العالم من حيث عدد الأطباء المتطوعين لمساعدة البلدان النامية. معاهد البحوث والمؤسسات التطبيقية شبه مشلولة بسبب عدم توافر المستلزمات الأساسية لنشاطها، راتب الطبيب لا يتجاوز ستين دولاراً في الشهر، بعد زيادة بنسبة خمسين في المئة مطلع هذه السنة. الطوابير على أبواب المخازن العمومية باتت رياضة وطنية، والسفر إلى الخارج هو الحلم الوحيد الذي يدغدغ مشاعر شعب أظهر قدرة مذهلة على التكيّف مع أطول ضائقة في التاريخ الحديث.
يأبى أوباما إلا أن يترك إرثاً تاريخياً قبل أن تُسدل الستارة على ولايتين أمضاهما في إخماد حرائق أشعلها سلفه، وتوشكان على الانتهاء تحت وطأة هزيمة انتخابية مدوّية، فيقرر مصافحة النظام الذي أمضت الولايات المتحدة نصف قرن وهي تسعى إلى خنقه واعترفت بأنها حاولت اغتيال زعيمه أكثر من مرة. أما راوول كاسترو الذي أمضى حياته في ظل فيديل الوارف، فهو أيضاً يبحث عن موقع له في سجل الثورة التي باتت أشبه بعجوز متصابية توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعدما خَفَتَ بريقها وجفّت مناهل الدعم الخارجي لها.
حين تغادر الجزيرة يعتريك شعور موشّح بالحزن، إذ تراقب كيف تنطفئ الثورة التي أضاءت على مدى خمسة عقود دروب حركات التحرر... تنطفئ منحلّة في الأدبيات الرومانسية والأغاني التي يتردد صداها في بقاع كأنها باتت خارج العا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات