بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
أنفاق غزة تغذي «مملكة الحشيش»: هروب الشباب من قسوة الحصار 
  06/06/2016

أنفاق غزة تغذي «مملكة الحشيش»: هروب الشباب من قسوة الحصار 

غزة – حازم عواد: بين شجرتي ليمون وشجرة زيتون، وشتلات من النعناع، يفرش فادي حصيرة وعليها فرشتان. يفترش برفقة أحمد، وتيسير، وعلى الأرض. يستعدون لأن تعرج بهم سجائر الحشيش من الأرض إلى السماء. ليلة الخميس من كل أسبوع. هي الليلة التي يفر بها الأربعة من بؤس حياة غزة ليروحوا بها عن أنفسهم ساعة. تبدأ السهرة بتجهيز الأراكيل، وحشو الحشيش في السجائر، ليبدأوا بعدها تقليب المشاوي على الفحم. وفي الخلف تصدح مسجلة بأصوات متناوبة، بين أغاني أم كلثوم أو جورج وسوف، وهما الصوتان اللذان لا يفارقان هذه الليالي الهاربة.

الحشيش يسبب بشكل أساسي «شعورا بالسعادة والطيران والتحليق وغيابا جزئيا للعقل يشعر معه المتعاطي بأنه يطير محلقا فوق ريح عاتية»، كما يقول تيسير، ولكن يختلف مفعول الحشيش من شخص إلى آخر. أحمد مثلا ما أن ينتهي من سيجارة الحشيش الأولى حتى يقوم، يقف على قدميه مترنحا، ويبدأ بإلقاء خطبة دينية على الجالسين. هكذا وفي كل خميس، موعد الدرس الديني لأحمد، ويذوي بعدها في ركن المكان ليصلي عدة ركعات. الوضع مختلف عند تيسير الذي يحضره الغناء. يعلو صوته بترديد الأغنية مع أم كلثوم أو أبو وديع. أما علي، تحضره كل نكات العالم، والتي يتداولونها فيما بعد على أنها نكت محششين. فادي دائما هو المغادر الأول للجلسة، إذ أن الحشيش كما يقول «يطلب معه سهرة حمرة»، كما أن البعض يستخدمه للتركيز في عملٍ معين. جمال، صحافي عشريني، لا يبدأ بكتابة أي مقال أو نص أدبي دون أن يشعل قبلها سيجارة حشيش مثلا، ويرسلها كـ «فريلانسر».

 دير البلح

على طريق «خط البحر» الواصل بين شمال غزة وجنوبها، متجها برفقة اثنين من الأصدقاء إلى دير البلح. السائق كان ينهي مكالمة ختمها بقوله: «بستنى منك سيجارتين الليلة». مال صديقي سريعا نحو أذني هامسا: «الحشيش هالأيام صار أرخص من دخان الرويال، ودليفري كمان».

العام 2007 هو العام الذي ارتفعت فيه نِسب حفر سكان الحدود الغزيين للأنفاق من منازلهم وأراضيهم باتجاه مصر. حفر الأنفاق كان ردا طبيعيا من الإنسان الغزي بعد اشتداد الحصار على القطاع من كل الجهات. قبل ذلك العام كانت تمثل مدينة «دير البلح»، وسط القطاع مملكة «الحشيش».

كانت تقطن في المنطقة، العائلات المسيطرة على هذه التجارة الحشيش آنذاك. وتتركز فيها أغلب عمليات بيع وشراء الحشيش من التجار الكبار إلى الموزعين الصغار، لكن بساط المُلك سُحب من «دير البلح» باتجاه رفح جنوبا حيث أصبحت هي من تتربع على عرش مملكة الحشيش في القطاع، حيث أنه ومع تزايد حركة التجارة عبر الأنفاق الحدودية مع مصر، وخصوصا من العائلات التي تملك مناطق كبيرة على الحدود والتي شكلت الأنفاق لها نقلة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فبداية من تهريب المواد الغذائية ومواد البناء والأجهزة الكهربائية، وانتهاء إلى تهريب الحشيش من «شبه جزيرة سيناء». شكلت هذه الفترة رافعة اقتصادية نتج عنها ارتفاع في المستوى الاجتماعي لهذه العائلات، فبعد أن كان أغلبها يعيش في أوضاع اقتصادية صعبة، أصبح كل واحدٍ منهم يمتلك أكثر من مشروعٍ تجاري، أبناؤهم أصبحوا يركبون أحدث أنواع السيارات، يشترون أحدث الهواتف المحمولة، ولا يقيمون أفراحهم إلا في الصالات الفارهة.

في الفترة ما قبل سنة 2007 كانت هنالك صعوبة في شراء قطعة حشيش، لكن مع بدء تهريب الحشيش بكميات كبيرة ومن تجار كُثر، أصبح متوفرا وبأسعار جيدة، إلى أن وصل اليوم ليكون أرخص من سجائر الـ «رويال». رخص الحشيش والإقبال الكبير عليه مرتبط أيضا بشح حبوب (الترامادول) المخدرة من أسواق الممنوعات، وإذا وجدت فتباع بأسعار عالية، كذلك الأمر مرتبط بارتفاع أسعار السجائر إلى أضعاف مضاعفة عن سعرها الفعلي.

تتم عملية الشراء من التجار المعروفين في (سيناء) بكميات تصل إلى عدة صناديق. يبلغ سعر الصندوق منها 45 ألف دولار، ويباع من قبل التاجر في غزة بما يقارب الـ «100» ألف دولار، ويهربها التجار الغزيون عن طريق الأنفاق، ويتم حشو (فروش الحشيش) في كراتين الشيبس أو الدخان، أو في صناديق الشكولاتة، تختلف الطرق من مهرب إلى آخر. التجار الرئيسيون والذين ينتمي أغلبهم لعائلات كبرى، وذات نفوذ اجتماعي، يعمل لديهم العشرات من الموزعين الصغار(الديلر). شباب تتراوح أعمارهم ما بين 20-25 عاما، موزعين حسب المناطق، يردهم الاتصال من التاجر الكبير، ليقوموا بتوصيل الكمية للزبون على طريقة (دليفري) المطاعم.

استطاعت العائلات التي تسيطر على تجارة الحشيش وخلال مدة قصيرة من تكوين ثروة اقتصادية ضخمة. هذه الأموال الكبيرة التي يجنونها يتم إدخالها في عمليات «تبييض الأموال»، عبر مشاريع اقتصادية عديدة، فمنهم من دخل مجال استثمارات الأراضي والعقارات، والبعض استثمر في مشاريع الخدمات والبعض ذهب لتجارة السيارات حتى.

 خميس الحشيش

 سامر، 25، خريج هندسة كهربائية وأبٌ لطفلين. واحد من الموزعين الفرعيين (الديلر) الذين يقتصر عملهم على مناطقهم، يقول في مقابلة مع «القدس العربي»، أنه «لم يبقَ أحد في المنطقة إلا وبعته الحشيش. الأغلب يطلبه يوم الخميس. تصلني عشرات المكالمات. أتنقل ما بين شوارع المنطقة من الصباح حتى منتصف الليل، أساتذة، محامون، دكاترة، شباب، عمال، إخوة، أبناء عم، مشايخ، الكل يوم الخميس يطلب الحشيش، العديد منهم يشتري أحيانا بالدين، ويدفع لاحقا».

سامر ألقي القبض عليه من قبل «وحدة مكافحة المخدرات» مرات عدة، إلا أنه كان في كل مرة يدفع غرامة مالية ويخرج بعد أيام من حبسه. يعود للعمل مجددا، إذ أنه مصدر رزقه الوحيد، يضيف سامر في هذا السياق: «وحدة مكافحة المخدرات لا تلاحق المتعاطين والموزعين الفرعيين، وإذا ألقت القبض عليهم، يتم إخراجهم بعد أيام بكفالة مالية، لكنَ تركيز الوحدة على التجار الكبار، ومع ذلك يخرجون بعد مدة قصيرة من السجن، بعد أن يدفعوا مبالغ كبيرة من المال، حسب الكمية المضبوطة، وهناك العديد من العاملين في وحدة المكافحة، متعاونون مع التجار الكبار ويعملون في تجارة الحشيش».

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات