بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >>  وجوه واعلام جولانية >>
الطريق إلى حزيران
  11/09/2007

الطريق إلى حزيران

بقلم تيسير خلف 

لم تكن للانفصاليين أي شعبية في الجولان، فمشاريع التطوير التي قررها عبد الناصر كانت ما تزال ماثلة للعيان، ولذلك خرجت المظاهرات الشعبية يوم 8 آذار من عام 1963م ابتهاجاً بإزاحة الانفصاليين، على أمل إعادة الوحدة بين الإقليمين الشمالي والجنوبي في الجمهورية العربية المتحدة.
وأمام الحشود التي تجمعت في القنيطرة قرب ثانوية أحمد مريود، خطب أحد الضباط الكبار ممتدحاً وطنية المتظاهرين، مؤكداً لهم أن الثورة انطلقت من أرض الجولان لإسقاط الانفصاليين. ولكنه طلب منهم فض المظاهرة والعودة إلى منازلهم والمحافظة على الأمن والهدوء .
وجاء توقيع ميثاق الوحدة الثلاثية في 17 نيسان 1963 بين سورية ومصر والعراق، ليشكل حافزاً قوياً لإسرائيل كي تخوض حرباً شاملة تقصم ظهر الأنظمة "التقدمية العربية"، وتعيد رسم خارطة المنطقة من جديد. إذ نقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية بتاريخ 21 كانون الثاني1964م عن موشيه دايان قوله: "إذا ما نفذ العرب تهديداتهم وشنوا حرباً ضد إسرائيل، فلا يستبعد أن تتمخض هذه الحرب عن حدود جديدة تكون مرضية أكثر من الحدود الحالية".
كما جاء مشروع تحويل نهر بانياس، وانطلاق عمليات المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل عبر الجولان وغور الأردن في العام نفسه، ليقوي حجة القادة الإسرائيليين الداعين إلى التصعيد المتدرج للضربات، والذي يؤدي، إما إلى إيقاف هذه الأعمال، أو الوصول بها إلى حرب شاملة.
وكانت سورية قد باشرت بحفر قناة لمشروع تحويل نهر بانياس مطلع عام 1964م، فقامت إسرائيل بتدمير العتاد الهندسي للمشروع مستخدمة المدفعية والدبابات والقصف الجوي على ثلاث مراحل، في آذار وأيار وتموز، مما أدى إلى وقف المشروع بسبب النقص في حمايته .
أما العمليات الفلسطينية التي بلغ عددها خلال عام 1964م أربعين عملية، فقد كانت إسرائيل تحمل المسؤولية المباشرة عنها لسورية، التي كانت تجاهر بتأييدها لحق الفلسطينيين في تحرير أرضهم بالكفاح المسلح.
محافظة القنيطرة
ومن أبرز القرارات التي صدرت بشأن الجولان خلال هذه الحقبة، قرار تشكيل محافظة القنيطرة من قضائي القنيطرة وفيق في 27 آب 1964، بعد سنوات من الحديث عنه، إذ يشير الدكتور أديب باغ إلى أن النية لتوحيد القضائين في محافظة واحدة كانت موجودة منذ حقبة الوحدة السورية المصرية.
ويعتبر هذا القرار تصحيحاً متأخراً لواقع عملي استمر طوال العهود السابقة للانتداب الفرنسي، الذي فصل القضائين وألحقهما بدمشق وحوران.
وفي حين كان هذا القرار موفقاً لأنه اختصر كثيراً من التعقيدات الإدارية، التي كانت تعانيها منطقة الجولان باعتبارها جبهة للقتال، أتى قرار آخر لم يكن موفقاً على الإطلاق، إذ غير الأسماء الآرامية لبعض القرى واستبدلها بأسماء "عروبية"، مثل الصرمان التي أصبح اسمها العدنانية، وعين الصرمان التي أصبحت القحطانية، ومومسيا التي أصبحت الغسانية، والقنعبة التي أصبحت الظاهرية .
وكان الهدف من تشكيل محافظة القنيطرة، كما يبدو النهوض بواقع منطقة الجولان، التي تعاني من ويلات الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، واستكمال عملية التنمية والتطوير التي توقفت إبان سنتي حكم من يسمون بالانفصاليين.
وقبيل عدوان الخامس من حزيران، استُكملت البنية الإدارية والخدمية للمحافظة، فتأسست مديريات شملت جميع وزارات الحكومة باستثناء مديرية للصناعة، كما تم تعيين مراسل للوكالة العربية السورية للأنباء في القنيطرة.
العــــــــدوان :
وتنفيذا لخطتها المعلنة، بدأت إسرائيل بالصعيد المتدرج لعدوانها على الجبهة السورية. إذ تزودنا سجلات مراقبة الهدنة بين سورية وإسرائيل بأرقام مذهلة عن الانتهاكات والاعتداءات، التي كانت تنفذها جميع صنوف الأسلحة الإسرائيلية ضد الجبهة السورية في الجولان.
ففي عام 1964م تم تسجيل 21 اعتداءً إسرائيلية شمل البر والجو وبحيرة طبريا، وكذلك الحال في عام 1965م حيث سجل 19 اعتداءً، وعام 1966م الذي شهد 11 اعتداءً.
وما إن أتى الخامس من حزيران عام 1967م، حتى اكتملت حلقات الخطة التي كانت إسرائيل تعد لها منذ سنوات، فبدأت بالضربة الجوية لمحطات الرادار والمطارات المصرية، والتي أعقبتها حرب انتهت باحتلال سيناء وقطاع غزة، بعد مقاومة عنيفة مشرفة للجيش المصري، أحبطها قرار المشير عبد الحكيم عامر بالانسحاب من سيناء والتمركز غرب السويس في ليلة واحدة. أما على الجبهة الأردنية فكانت المعركة أقسى على الإسرائيليين، الذين لم ينجحوا باحتلال الضفة الغربية إلا بثمن باهظ تمثل بـ 550 قتيلاً و240 جريحاً.
وقد سارت العمليات على الجبهة السورية سيراً مختلفاً، إذ نفذت الطائرات السورية ضربة جوية لمطارات شمال إسرائيل، وقصفت ميناء حيفا وعادت معظمها سالمة إلى مطاراتها، التي تلقت بعد ساعات ضربة إسرائيلية كلفتها 75 بالمئة من طائراتها.
وبعد ذلك حصلت معارك في القطاعين الشمالي والأوسط، تكبدت القوات السورية فيها خسائر كبيرة نتيجة فقدان شبكة الأمان الجوية، مما أجبرها على التخلي عن "خطة نصر"، التي كانت تهدف إلى احتلال الجليل عن طريق جسر بنات يعقوب وقطعه إلى شطرين، والانكفاء إلى الدفاع.
وحسب الرواية الرسمية للجيش السوري، فإن القيادة الميدانية السورية أصيبت بصدمة نتيجة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء، وتوقعت القيادة هجوماً برياً كبيراً على سورية. ولا سيما أن العدو كان يهدد بدخول دمشق قبل نشوب الحرب. ولذلك وافقت القيادة السورية على وقف إطلاق النار يوم 8 حزيران بناء على نصيحة الرئيس عبد الناصر، والتزمت القوات السورية بهذا الوقف، غير أن إسرائيل اتخذت ذلك خديعة لدفع قواتها باتجاه الحولة بمعزل عن تدخل المدفعية السورية .
وفي صباح يوم 9 حزيران بدأت إسرائيل معركتها الشاملة ضد القوات السورية، التي قاتلت ببسالة حسب اعتراف قادة إسرائيل، وصدر قرار بانسحاب الجيش السوري من النطاق الدفاعي الأول (الجبهة) إلى النطاق الدفاعي الثاني الذي يمر على مشارف سعسع، بعد أن توصلت القيادة السورية إلى قناعة بأن هدف إسرائيل هو دمشق .
ولذلك أعلنت لجنة الإعلام في الجيش السوري بياناً عن دخول العدو إلى القنيطرة الساعة 10.30 يوم 10 حزيران، في الوقت الذي لم تكن بعض الوحدات قد تلقت مهمة الانسحاب، وهو ما أحدث صدمة كبيرة لدى القوات المدافعة في الجبهة، وساهم هذا البلاغ في الإخلال بتنظيم عملية الانسحاب، وقد تبين أن لجنة الإعلام المسؤولة عن صياغة البلاغ، تصورت أن بلاغها هذا سوف يسرّع من عملية انسحاب القوات التي يحاول العدو تطويقها وأسر عناصرها في القطاعين الأوسط والجنوبي، كما حدث في الجبهتين المصرية والأردنية، ولاسيما أن هذه اللجنة كانت قد اتخذت قرارها، على خلفية المعطيات المتوفرة عن انقطاع الاتصال اللاسلكي مع الوحدات السورية في هذين القطاعين .
وفي محاولته الإجابة عن تساؤل حول الغاية من البلاغ الكاذب عن سقوط القنيطرة، يرى باتريك سيل كاتب سيرة الرئيس الراحل حافظ الأسد، أن هناك تفسيراً يقول: إن اللجوء إلى إذاعة سقوط القنيطرة قبل وقوعه، وإبراز الإعلان عن كون دمشق مهددة، قد يكون بأمل حث مجلس الأمن على فرض وقف مبكر لإطلاق النار .
وحسب الرواية الرسمية الإسرائيلية لما جرى في حزيران على الجبهة السورية، فإن قائد القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي الجنرال دافيد أليعزر، تطلع منذ اليوم الأول لبدء الحرب إلى شن هجوم شامل لاحتلال الجولان، ولكن القوات الموجودة تحت تصرفه كانت قليلة واضطر إلى الانتظار إلى حين انتهاء القوات الإسرائيلية في الجبهات الأخرى من مهمتها، وبخاصة أن وزير الدفاع موشيه دايان كان قد عارض شن هجوم شامل على السوريين، خشية أن يؤدي ذلك إلى تدخل السوفييت عملياً، ولو أنه وافق على عملية عسكرية محدودة وضيقة في شمال الجولان وفي قطاع مرتفعات بانياس وتل العزيزيات، واحتلال منطقة بعمق 2-3 كيلو متر وراء الحدود الدولية مع سورية .
لكن رئيس الأركان إسحق رابين وقائد الجبهة الشمالية دافيد أليعزر أصرا على شن هجوم شامل، خصوصاً بعد وصول تعزيزات إلى الجبهة مع سورية يومي السابع والثامن من حزيران، من الوحدات التي أنهت مهماتها في النقب وشمال الضفة الغربية.
واستمر ضغط قائد الجبهة الشمالية ضغطاً دائماً، وانضم إليه ممثلو المستوطنات الذين حثوا على شن الهجوم الشامل، وهددوا بمغادرة الجليل في حال الامتناع عن تلبية طلبهم. وعرض رئيس الأركان خطة على اللجنة الوزارية لشؤون الأمن استهدفت بدء الهجوم من شمال الجولان وبمساعدة قوات إضافية شن الهجوم من الجنوب. بيد أن دايان عارض ذلك وأصر على موقفه خشية تدخل السوفييت، مما اضطر الوزراء لقبول رأيه.
وبعد التأكد من إلحاق الهزيمة بالجيشين المصري والأردني، غير دايان رأيه وقبل شن الهجوم الشامل عل الجبهة السورية صباح التاسع من حزيران .
وتقر الرواية الإسرائيلية بمقاومة ضارية للجيش السوري في القلع، حيث منيت الكتيبة المهاجمة بخسائر فادحة حتى وصلت الأمور إلى إصابة معظم دباباتها واستبدال قائد الكتيبة ثلاث مرات. وكذلك في تل الفخار الذي احتلته القوات الاسرائيلية بعد معركة ضارية استمرت أربع ساعات.
وتذهب الرواية الإسرائيلية إلى أن الجنرال إليعزر تجاهل أوامر وزير الدفاع بالتوقف عن الهجوم أكثر من مرة، وتابع تقدمه حتى احتل كامل الجولان بما فيه مدينة القنيطرة .
ومع ذلك لم تخل هذه المعركة من بطولات للمقاتلين السوريين، الذين تصدوا لهجوم إسرائيلي ثلاثي النيران، ودون غطاء جوي ولا دفاع جوي. وقاتلوا قتالاً مشرفاً بالأيدي. وفقدت إسرائيل على أثره 141 جندياً و160 دبابة، مقابل 86 دبابة سورية. وقاتل 600 جندي سوري واستشهدوا في مواقعهم نفسها دون أن يتزحزحوا منها، وهم يتعرضون لقصف مستمر بقنابل النابالم والرشاشات .
وسجل المقاتل السوري بطولة شهد بها الإسرائيليون في معركة تل الفخار في القطاع الشمالي، الذي لم ينجحوا باحتلاله إلا بعد أن دفعوا ثمناً باهظاً جداً كلفهم قتل 30 جندياً وجرح 70 آخرين مات عدد كبير منهم لاحقاً، وتدمير دبابات وناقلات مدرعة، مقابل 60 شهيداً سورياً قاتلوا بالسلاح الأبيض وبالأيدي بعد نفاد ذخيرتهم، والأمر نفسه يقال عن معركة جليبينة في القطاع الأوسط من الجبهة.
وكان من نتيجة العدوان نزوح 30 ألفاً من سكان الجولان أثناء المعارك إلى دمشق ودرعا، ونهب مدينة القنيطرة، ثم وخلال الأشهر الستة التالية قتلت إسرائيل العشرات في القرى التي أصر سكانها على البقاء، وطردت بالقوة 90 ألف شخص بعد أن جردتهم من كل مايملكون، وأبعدتهم عن الجولان ليلتحقوا بمن سبقوهم، ولم يبق سوى سبعة آلاف في القرى الخمس، مجدل شمس وعين قنية وبقعاتا ومسعدة والغجر.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات