بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >>  وجوه واعلام جولانية >>
إن عشت فعش حراً ....
  30/01/2008

إن عشت فعش حراً
بقلم أيمن أبو جبل-، مجدل شمس، أسير محرر

جريدة السفير اللبنانية
في مساء السادس عشر من شهر أيلول من العام 1987، ساد صمت مطبق، في إحدى غرف سجن عسقلان المركزي في فلسطين المحتلة، حيث كنا نحن أبناء الجولان، ومعنا مجموعة من الأسرى الفلسطينيين، ننتظر بلهفة وشوق، سماع المزيد من الأخبار التي ينقلها إلينا المذياع الصغير، عن مجريات وتفاصيل ونتائج العملية الفدائية التي نفذتها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية <<جمول>> في منطقة حاصبيا، قرب بلدة شبعا جنوبي لبنان.

كانت الساعة السابعة مساءً من يوم الثلاثاء، حين مرت كتيبة "جبعاتي" في مسارها الاعتيادي بين المنحدرات الغربية لجبل الشيخ، وتعرضت لإطلاق نيران كثيف، ما أدى إلى إصابة ومقتل عدد من أفراد الكتيبة الإسرائيلية.

كانت الأخبار المتناقلة تتضارب حول عدد المهاجمين، والفترة الزمنية التي استمر فيها القتال، وعدد القتلى بين الإسرائيليين، وعدد الشهداء الذين سقطوا في المعركة. كانت تلك الأخبار، تثير في داخلنا الشوق والرغبة، في احتضان المكان والزمان، لما له من حب ومكانة عزيزة في قلوبنا.

الإذاعة الإسرائيلية آنذاك اعترفت بمقتل ثلاثة من جنودها، وإصابة عدد أخر منهم، وأسر أحد المهاجمين بعد إصابته بجروح بالغة، واستشهاد آخرين، بعد قتال استمر اكثر من 15 ساعة متواصلة، كانت ارض الجنوب والجولان تعيش اقدس لحظاتها في احتضان دماء أبنائها الذين سقطوا، وكان الجولان والجنوب توأمين، يعيشان حتى في لحظة الموت أسمى صورهما الوطنية.

مضى اقل من عام على تلك المعركة، ومضت في الذاكرة صور هذا الفدائي الأسير، الذي قاتل حتى غاب وعيه، جراء نزف الدم الذي روى ارض الحرمون. كانت ميزة هذا الفدائي انه أول أسير لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، كان من المفترض أن يلتحق بقافلة كوكبة من السفراء الخالدين أمثال: سناء محيدلي ولولا عبود ووجدي الصايغ، وابتسام حرب وغيرهم من الخالدين الذين رووا تراب الجنوب بماء جسدهم المقدس.

أنور محمد ياسين من بلدة الدلافة في البقاع الغربي اللبناني، حمل الرقم السجن العسكري الإسرائيلي رقم 1012369. محكوم لمدة 30 عاما. ينتمي إلى الحزب الشيوعي اللبناني. وهو البطل الأسير من عملية جبل الشيخ- تقدم رفيقنا، ممثلنا في اللجنة الاعتقالية، مندفعا، حاملا هذه التفاصيل الدقيقة عن هذا الفدائي الذي انتظرنا لقاءه قبل اقل من عام من تاريخ عمليته الفدائية البطولية.

في الساحة المركزية داخل سجن عسقلان، كان اللقاء الأول يا أنور، تقابلنا وكأن دهرا يجمعنا، فأنت أول من التقيناه، حاملا نسيما من ربى حرمون، وكانت حرارتك الإنسانية، تحمل دفئا نضاليا وإنسانيا، وشيوعيا، استبدلت لبعض الوقت رطوبة سجن عسقلان. تعارفنا، وتبادلنا التحية والمجاملات، وضحكنا، وبكينا حين كنت تستحضر تفاصيل العملية، وكنا نزودك بما نملك من معلومات اختزنتها ذاكرتنا، وكأننا على موعد مسبق بين الذاكرة والواقع.

عشرة أعوام كانت وميضا، تمازج فيها فرحنا وألمنا، عشرة أعوام هي في عمر الشعوب لا شيء، ولكنها في اعتبار ظروف السجن والاعتقال والأسر، رحلة شموخ وإباء وعظمة، تجلت فيها قوانا الروحية العظيمة التي ما زلت تتميز بها، رحلة طويلة من المعاناة والعذاب، ولم يكن بمقدورنا تجاوزها، لولا ما بذلناه، من جهد لتوظيف قوى جديدة تتجاوز قوة تأثير السجن السلبية علينا، وما كان لنا ان نتجاوزها، لولا القناعة السياسية، وصدق الانتماء، والتمسك بالهوية، التي تتعرض للسحق والتشويه والسلخ.

رفيقي أنور: مضى وقت طويل منذ أن ودعتك واحتضنتك، وفي هذا الوقت، ما زلت أستحضرك أمامي، استحضر عيد الميلاد ل "جمول" حبيبتنا، وكيف ابتدعنا ذاك الاحتفال المميز، برفع نخب المقاومة. قبل وقت قصير انتزعت حريتك، وكان التزامك نحو المقاومة، اشد حرارة من التزامك نحو أم علي وحيدر وباقي افراد العائلة، فكنت أول المحررين مع والدة العميد سمير القنطار، تحتفل مع سمير نفسه، لأنه لم يغب عنك أبدا، وكانت حرارتك الإنسانية تعيد إلى الوجدان العربي، قيماً عربية، وثقافة عربية، وفكراً عربياً تتأكله عوامل الاستهتار، والضياع، والبلادة، والسياسة الرسمية العربية، التي ارتهنت، لقيم الاحتلال والاستسلام، والخنوع. تلك الحرارة التي أبكت الكثيرين، فرحا وحزنا، لافتقادهم هذا الشعور وهذه الحرارة النضالية، منذ وقت طويل، وأمهات ينتظرن الموت، لوعةً وحسرة، لبقاء أبنائهن خلف القضبان، ظلما، كما حدثهم سماحة السيد حسن نصر الله، ورفيقات لك من الجولان. كانت فرحتهم بك دموعا بريئة، وحسرة وشوقا، لعدم تمكنهم من زيارتك قريبا، كما اعتدن منذ سنوات.

رفيقي أنور: وأنت تعانق الحرية، تعيد لنا ما خسرناه من قيم، تعيد أملاً بأن قوة الإنسان تتعدى الأسلاك والحواجز والقضبان وكل الحدود، متى اعتنق حتى النخاع قيمة الإنسان وعزته وكرامته وحريته، هذا ما قلته أنت في آخر رسالة وصلت منك إلى رفيقات دربك في الجولان، بعد تحررك بأسبوعين من الأسر. و هذا ما جعل الإنسان فيك شامخا بتاريخه، ماضيا بمجد حاضره، حاملا مستقبله بأمانته وصدقه، وتشبثه بفكره وقناعته بالنصر والتحرير.

السفير اللبنانية -أسير محرر الجولان المحتل

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات