بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >>  وجوه واعلام جولانية >>
هم ليسوا مضطرين للصراخ...
  28/05/2006

هم ليسوا مضطرين للصراخ...

تقرير : أيمن ابو جبل وليلى الصفدي
26\05\2006. 24:00


حالة معين ابو شاهين كمثال للتقصير..

- معين: ربما ذكروا اسمي في التلفزيون مرة...
- السيد مدحت الصالح: ان كافة الطلبات التي تصلني من الجولان تكون في اليوم التالي على طاولة المسؤولين..
- التامين الصحي الاسرائيلي: يتنصل من هذه الحالة والحالات المشابهة..
- الصليب الاحمر: على التأمين الصحي الاسرائيلي ان يتكفل بالعلاج
.
..

هل أنت نادم؟

لست نادما...
لأني حينها كنت مقتنعا بما أفعل، وبهذا النهج..

أما اآن فلا نفع ولا أهمية لمثل هذه الأعمال لأنها غير مجدية.
فالأسير الذي يقضي من عمره عشرات السنين خلف القضبان لا يلقى إلا التأنيب وعدم المبالاة واللوم، يعني هذه جهود فردية لا تلقى تأييدا..ً لا شعبيا ولا رسميا.
- ماذا شعرت عند حدوث الانفجار؟
بماذا لم اشعر عند حدوث الانفجار...!
- ما هي مشاريعك المستقبلية؟
كأي شاب اطمح لوظيفة مناسبة وبيت وحبيبة..
- معين هل شعرت أن هناك وطنا يحتضنك؟
فقط يوم الأسير، أخي كان هناك في دمشق وحمل صورتي وباقي الأسرى، ربما ذكروا اسمي في التلفزيون مرة.
- هل يؤلمك انك مضطر لتبديل قدمك الاصطناعية كل فترة؟
لا، لقد تعودت على ذلك، والقدم الصناعية لا بأس بها، ..أنا العب كرة قدم في البيت على الخفيف...
معين فارس أبو شاهين من قرية بقعاثا. شاب لم يبلغ بعد السادسة عشرة من عمره، حين دوى ذاك الانفجار. كان معين ينتظر مع رفاقه بدء لعبة الموت التي حاولوا الإمساك بها. في هذا الوقت كان كل شئ قد أصبح جاهزا، فالموت المتحرك الذي عثروا عليه بالقرب من بساتين القرية، أصبح في متناول أيديهم، بعد أن انتزعوه وأزالوا عنه أثار التراب والأوحال المتراكمة عليه.
علبة بلاستيكية صغيرة مستطيلة الحجم، كانت هي اللعبة، اللعبة التي تحولت في غضون دقائق معدودة من إغلاق باب النادي بإحكام، إلى شظايا اقتطعت أجزاء من لحم أجسادهم الطرية، وحولت النادي إلى مكان منكوب تئن من تحت ركامه صرخات الجرحى، وهلع الجيران الذين اهتزت منازلهم من دوى الانفجار.
كان معين ورفاقه قد تعاهدوا على الانضمام الى الحركات السرية التي شهدها الجولان المحتل، لمواجهة ومقاومة سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتجهيز إمكانياتهم المعدومة في الحصول على أية وسائل ومعدات عسكرية، لإيذاء قوات الجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل، والإمكانية التي كانت متاحة أمامهم هي البحث عن تلك الوسائل بأسلحة الإسرائيليين أنفسهم، فكان إن وجدوا اللغم الأرضي مزروعا في مقربة من البساتين الزراعية المحيطة في القرية، تلك الألغام المنتشرة بداخل ومحيط القرى العربية السورية في الجولان المحتل. فحملوه لإعادة زرعه من جديد على الطريق العسكرية لقوات الاحتلال، إلا أنهم لم يدركوا انه كان معدا للانفجار الذي سبق رغبتهم، وانتزع لحم أجسادهم، وقطع شرايينهم وأوردتهم.
ومن وراء الغيم والسنة الدخان المتصاعدة، هرع الأهالي والشباب المذعورين إلى المكان، ليجدوا أربعة شبان وقد احتجزهم الانفجار بين الأنقاض، بدت الغرفة كبقعة واحدة من الدماء، المعدات الموجودة كلها تناثرت مع زجاج النوافذ، وعلى الجدران التصقت بقايا أجسادهم، وهناك في إحدى زوايا الغرفة كانت بقايا قدم صغيرة ما زالت تحترق، داخل الحذاء، وقد اقتطعها الانفجار من ذاك الجسد النحيل الصغير.. المرتعب... أمام باب الغرفة. وفي الخارج تجمع عشرات المواطنين، ومن خلفهم صرخات النسوة وبكاء الأطفال الخائفين؟ من هؤلاء؟!!، وهل ما زالوا أحياء أم أموات؟ .
دقائق عدة بدت كدهر، طاقم مجمع العيادات الطبية في الجولان، وعدد من المواطنين هرعوا إلى موقع الانفجار لنقل المصابين إلى العيادة، قبل أن تصل قوات الشرطة وأفراد الجيش الإسرائيلي،التي وصلت المكان بعد ثلاثين دقيقة وطوقته للبحث عن أدلة ومعطيات، وأسماء المصابين، وخلال ذلك كان الهم الأكبر للناس والأطباء المتواجدين تأمين وضمان العلاج والعناية الطبية اللازمة للمصابين، قبل تدخل البوليس الإسرائيلي، ووضع العراقيل بحجة الأمن.
أدى الانفجار إلى إصابة معين أبو شاهين ببتر متهتك في رجله اليمنى فوق الكاحل بالإضافة إلى إصابات ناجمة عن شظايا في القدم اليسرى، وإصابات بالغة في اليدين والوجه مع نزيف حاد في منطقة البتر، والآلام حادة في الأذنين. أما وئام محمود عماشة، في الثامنة عشرة من عمره فقد أصيب في شظية بفخذه الأيسر مع ورم دموي في منطقة الإصابة، بالإضافة لثقب في غشاء طبل الأذن اليسرى.ووائل نجيب زهوة، في السادسة عشرة من عمره، أصيب بجروح عدة وحروق متوسطة بالرجلين والآلام حادة في الأذنين. وأما كمال عطا لله الولي، في السادسة عشرة من عمره، فقد أصيب بجروح مختلفة في أنحاء جسمه وحروق متوسطة بالرجلين والآلام في الأذنين، وحده فقط الشاب عباس عماشة زميلهم في التخطيط والإعداد، نجا بأعجوبة من إصابات جسدية، بسبب خروجه من داخل الغرفة قبل ثواني معدودة من الانفجار.
تم إسعاف المصابين من قبل الطبيب المناوب في مجمع العيادات الطبية الدكتور علي أبو عواد وفور إعلان حالة الطوارئ في المجمع، تجمعت الطواقم الطبية من مجدل شمس ومسعدة (أطباء وممرضون ومساعدون) لإسعاف ومعاينة الجرحى، وتقديم العلاج اللازم لهم. بعدها تم نقلهم إلى مستشفى صفد الذي يبعد ستون دقيقة عن الجولان، حيث ادخل معين أبو شاهين إلى غرفة العمليات فورا، وأجريت له عملية بتر للنسج المتهكتة في الرجل المصابة، وبقى على أثرها لمدة أسبوعين في المشفى، مقيدا بالأصفاد في إحدى يديه، تحت حراسة مشددة من قبل أفراد الشرطة الإسرائيلية، والمحققين الإسرائيليين. وقبل استكمال علاجه في المستشفى تم اعتقاله والتحقيق معه، ونتيجة لظروفه الصحية السيئة أصدرت المحكمة الإسرائيلية في الناصرة، قرارا بوضعه فيما يسمى بالاعتقال البديل (إبعاد إلى قرية يركا في الجليل)، مع إقامة جبرية، بحيث لا يسمح له بالخروج من البيت الموجود فيه وذلك حتى صدور قرار نهائي من المحكمة بقضيته. ومنعت منه زيارات ذويه، أو أي جهات طبية للاطمئنان على وضعه الصحي.
بعد مرور ثلاثة أشهر على اعتقاله، كان ذووه وعدد من أطباء الجولان في مجمع العيادات الطبية يدرسون إمكانية تركيب طرف صناعي أو إجراء زرع حي للقدم، حيث تم الاتصال مع إحدى المراكز المتخصصة بذلك في فرنسا، إلا أن اعتقاله ووضعه في الإقامة الجبرية، ومن ثم الحكم عليه بالسجن لمدة سنة واحدة في المعتقل الإسرائيلي، وسنة أخرى مع وقف التنفيذ، حال دون ذلك.
أما بالنسبة لباقي رفاقه فقد تم اعتقالهم بعد إدخالهم المشفى بيوم واحد فقط، رغم وضعهم الصحي، الذي يتطلب الرعاية والعناية الصحية اللازمة، التي لا توفرها بشكل مطلق ظروف التحقيق والاعتقال. وأضيف إلى قائمة الاعتقال رفيق خامسا لهم "شام كمال شمس" كان عضوا في حركتهم السرية إلا انه لم يتواجد في مكان الانفجار معهم.
بعد عام من السجن والاعتقال، خرج معين مستندا على عكازته، وبعد شهر واحد من تحرره، وبإشراف أطبائه وذويه وأصدقائه، كان معين يستعد إلى خوض تجربة جديدة في حياته، كل شئ فيها جديد "كنت أفكر دوما كيف استطيع أن أتعامل مع هذه القدم الجديدة، كيف سأسير عليها، وهل ستعوضني عن تلك التي كانت عندي، في البداية كان كل شئ غريب علي، كنت أرى أشخاصا في البلد فقدوا أجزاء من أطرافهم، وزرعوا أطراف صناعية أخرى، في أيديهم أم أرجلهم، لم أتصور أنني سأعيش هذه التجربة يوما".
خلال سنتين كان معين قد اعتاد على قدمه الجديدة، وأصبحت جزء من كيانه، وطقوسه اليومية، استطاع وبإرادته وحده من ترميم أجزاء أخرى من حياته، خاض مع والده في البداية معركة الابتزاز والمساومة التي فرضتها عليه السلطات الإسرائيلية، حين تقدم إلى المؤسسات الطبية ومؤسسة التأمين الصحي الإسرائيلية، بطلب علاجه وزرع قدم اصطناعية له أسوة بحالات مماثلة، إلا انه تعرض الى جملة ابتزازات سياسية وأخلاقية، مقابل الاستجابة لطلبه. فكان رده الرفض القاطع لها تاركا للقدر أن يحدد مصيره دون أن يقدم تنازلات.
وتقدم في طلب إلى جهات رسمية في وطنه، لتلقي دعما صحيا وماديا، وبقيت تلك الطلبات في رحلة البحث عن ضمير أو وجدان يسعفها.
وتقدم بطلب إلى منظمة الصليب الأحمر عن طريق مندوبه في الجولان، وكان الرد أن هذه الحالة العلاجية قد خرجت من مسؤولية الصليب بحكم تحرره من الاعتقال والسجن، ورغم كل الموانع الإدارية والقانونية، فقد وجد الصليب الأحمر مخرجا لتقديم المساعدة إليه والمساهمة في قسط غير قليل من تكلفة زراعة قدم له.
مع نمو جسمه وعظامه احتاج بعد سنتين إلى عملية زراعة قدم جديدة، وقد تم ذلك بمساعدة لجنة دعم الأسرى والمعتقلين ومجمع العيادات الطبية في الجولان، واليوم وبعد سنوات، ما زال معين يكبر، وما زالت عظام جسده تنمو، وربما يحتاج الى تبديل قدمه الاصطناعية مرة.. وربما أكثر.
في محاولتنا لتتبع مسيرة الطلب الذي وجهه ذوي معين الى الجهات المعنية سألنا السيد مدحت الصالح الأسير السابق ورئيس مكتب شؤون الجولان في دمشق حيث أوضح لنا أنه ليس على علم بهذا الموضوع وانه لم يسمع به سابقاً، ولا يعرف غير أن الشاب معين أصيب واعتقل ولا يعرف أية تفاصيل أخرى، ونفى أن يكون أحدا قد وجه إليه رسالة أو طلبا بهذا الشأن، ولكنه أكد انه على أتم الاستعداد للمساعدة في هذا الموضوع، وطلب أن يرسل أهل الشاب معين تقريرا مفصلا عن وضعه واحتياجاته ليرفعها الى المسؤولين.
وأوضح السيد مدحت أن كافة الطلبات التي تصل إليه من الجولان تكون في اليوم التالي على طاولة المسؤولين لمعالجتها.
بانياس أرسلت أيضا رسالة الى السيد حسين الحمصي الناطق بلسان لجنة دعم الأسرى في دمشق تضمنت شرحا موجزا عن وضع الأسير المحرر معين، وتساءلت فيما إذا كانت هناك نية لدى اللجنة للمساهمة في دعم هذه الحالة، ولكن للأسف لم نتلق ردا حتى الآن.
ومن جانب آخر أوضح السيد محمد الصفدي مندوب الصليب الأحمر في الجولان أن المنظمة قامت بتحمل تكاليف العملية الأولى باعتباره أسيرا، أما باقي العمليات فعلى التأمين الوطني تحمل تكاليفها. وأضاف : "لم تكن لدينا أية سابقة لمعالجة هكذا حالات، ولكن في حال تم تقديم طلب مفصل ووثائق تثبت تنصل التأمين الوطني من مسؤولياته فيمكن دراستها كحالة استثنائية خاصة".
في النهاية نقول أن لدى معين الكثير من الأوراق والإثباتات التي قدمها وسيقدمها للجهات المعنية بالأمر، ولديه حلم بأن يكبر دون الم أو معاناة.... دون فرق في الخطوات يذكره كل يوم أن بعضا منه ليس فيه...
ما يلفت بمعين رغم براءة نظراته ودماثته.. هو قوة خاصة تنبع من عينيه، قوة تتجاوز الألم، إصرارا للحياة والقدرة على الحلم. وليست مشكلته بضعة آلاف من الدولارات ليرمم بها جسده، بل هي مشكلتنا وتعاملنا نحن، كمجتمع.. كدولة.. كمؤسسات.. التاريخ لن يرحمنا أن نحن تقاعسنا عن الاهتمام بمصالح جرحانا وأسرانا الأبطال، والشعوب التي أهملت مصالح أسراها وجرحاها ذهبت الى ظلمات الهزيمة وتعرضت لمزيد من الإذلال والاحتلال.....

معين فارس أبو شاهين(16) عاما ) قرية بقعاثا، اصيب في انفجار لغم ارضي اثناء تحضيره للقيام بعملية ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي  وبترت قدمه جراء الانفجار في العام 1999

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات