بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> المفاوضات السورية الاسرائيلية >>
إلى أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من الجولان السّوري
  30/12/2008

إلى أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من الجولان السّوري
هل تدير قوّات "اليونيفيل" الأمميّة الغجر اللبنانيّة؟



عندما احتلّ الجيش الإسرائيلي هضبة الجولان السّوريّة، أثناء حرب عام 1967، وقف حائرا عندما وصل إلى تخوم قرية الغجر السّوريّة، فموقعها المتداخل مع وفي داخل الأراضي اللبنانيّة، أدخل الشّك والرّيبة والحيرة إلى أذهان قيادة الوحدات التي وصلت إلى محيط القرية، وطرح يومها سؤال مهم ومصيري: هل الغجر سوريّة أم لبنانيّة؟ بقيت الوحدات العسكريّة محيطة بالقرية من دون حسم في قرارها: هل تحتلّها كونها سوريّة، أو لا تحتلّها لأنّها لبنانيّة؟ حيث أنّ لبنان لم يكن مشاركا في الحرب أيّامها.
استمرّت الإتّصالات والمراجعات لأيّام عدّة، إلى أن جاءت الأوامر من القيادة المعنيّة: القرية سوريّة ويجب إحتلالها. ومن يومها والغجر تخضع للإحتلال الإسرائيلي، وبقي سكّانها فيها ولم يتم تدميرها مثلما حصل لغيرها من قرى وبلدات ومزارع، قدّرت بعض المصادر عددها بمائتين. ولم يبق في الجولان المحتل ـ نحو 1150 كلم2 ـ إلاّ خمس قرى عامرة بيوتا وسكّانا هي: مجدل شمس، مسعدة، بقعاتا، عين قنية والغجر، كان عدد السّكّان فيها عام 1967 نحو 15 ألف نسمة، وصل عددهم هذه الأيّام إلى نحو 20 ألفا، علما أنّ عدد سّكّان الجولان بكامله كان نحو 150 ألف نسمة عند إحتلاله عام 1967.
ومن غرائب موقع الغجر الجغرافي أنّه يبتعد عن تلال الجولان وهضابه عدّة كيلومترات قليلة، في حين أنّ مواقع قرى وبلدات لبنانيّة تعتبر أقرب للجولان من قرية الغجر، مثل العبّاسيّة والمجيديّة وكفرشوبا وحتّى شبعا وغيرها. وهذا يعود إلى ما تمّ الإتّفاق عليه بين سايكس وبيكو أثناء الحرب العالمية الأولى، بعد إتّفاق الإستعمارين الفرنسي والإنكليزي على وراثة الإمبراطوريّة العثمانيّة في المشرق العربي، وقد تمّ تطبيق الإتّفاق السّابق تفصيليّا من خلال ما ثبّتته قرارات عصبة الأمم المتّحدة وإخضاع لبنان للإنتداب الفرنسي، كما وإخضاع فلسطين للإنتداب البريطاني إعتبارا من عام 1923 وما تلاه من أعوام. وأصبحت الجغرافيا نهبا لمساومات وتوزيعات وتوسيعات، أو شطب وإلحاق من خارج الإستجابة لرغبات سكّان المنطقة التي جاءت لجنة كينغ ـ كرين الأميركيّة في تلك المرحلة للإستماع والوقوف على حقيقة توجّهاتها وإتّجاهاتها وأمانيها، هذا فضلا عن أنّ بعضها قد جاء من خارج ما تقتضيه "طبائع" الجغرافيا من تواصل وتلاحم وتمدّد وتشابك في مناطق كثيرة، ولإعتبارات غير طبيعيّة كثيرة.
ولم يختلف التّعامل مع سكّان الغجر بعد الإحتلال الإسرائيلي عام 1967 عن التّعامل مع سكّان القرى الأربع الأخرى السّوريّة في الجولان، وتمّ فرض الجنسيّة الإسرائيليّة عليهم بالقوّة عام 1981 وما تبع ذلك ورافقه من مصادمات ومظاهرات إحتجاج ورفض، بعد أن أقرّ الكنيست إلحاق الجولان بإسرائيل من خلال قانون نصّ على: "أن قانون الدّولة وقضاءها وإدارتها سينطبق على مرتفعات الجولان" علما أنّ أغلبية سكان القرى الأربع هم من الطّائفة الدّرزيّة، ولم يكن عدم طردهم أو عدم نسف قراهم من دون حسابات مدروسة في الذّهن الإسرائيلي، وربّما يعود التّأخّر في إحتلال قرية الغجر ذات الغالبيّة العلويّة قد نجّاها من مصير مثيلاتها من قرى وبلدات الجولان الأخرى تدميرا ونسفا وطردا للسّكّان.
مع ذلك، فإنّ غالبيّة السّكّان في القرى الخمس، تصرّفوا منذ الإحتلال وحتّى اليوم من خلال إعتبارات وطنيّة؛ تمّ تجسيدها في مواقف ومحكّات ومعارك عديدة تخالف المخطّطات والحسابات الإسرائيليّة.
هكذا توالت أيّام الإحتلال وسنينه بمشاكل مختلفة، إلى أن تمّ إحتلال عدّة مناطق لبنانيّة من قبل الجيش الإسرائيلي في أعوام تلت، أهمّها في العامين 1978 و 1982، وتمّ الإستحواذ على أغلب مياه نبع الوزاني اللبناني، بل وتمّ تسييج منطقته، ومُنع سكان المنطقة اللبنانيّون الإقتراب من منبعه، كما ومُنعوا من سقاية قطعانهم من الماشية، أو الإستفادة من مياهه لري مزروعاتهم، أو حتّى إستعمالها للحاجات الإنسانيّة في المنازل أو كمياه للشفة. وعندما باشرت المقاومة الفلسطينيّة ثمّ المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة وبعدها المقاومة الإسلاميّة عمليّاتها ضدّ الإحتلال الإسرائيلي، أخذت معادلات جديدة تبرز وتتغيّر، من بينها أنّ موقع قرية الغجر أصبح يعتبر "خاصرة رخوة" وموقعا هشّا قابلا للإختراق، خصوصا بعد عام 2000 وإنسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وكمكان مناسب لتهريب الأسلحة والأشخاص وربّما تجنيدهم. وقد ادّعت السّلطات الإسرائيليّة أنّ تهريبا للمخدّرات وممنوعات أخرى يتمّ أيضا من طريق منافذ معيّنة من قرية الغجر وحواليها، كما أنّ الأسلاك الشّائكة الإسرائيليّة وأبراجها وجدرانها وخنادقها وجنودها تعرّضوا لهجومات عدّة بعد العام 2000 من قبل المقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة، وذُكر أنّه تمّ إفشال مخطّطات وهجومات عدّة كان الهدف منها خطف جنود إسرائيليين من تلك "الخاصرة الرّخوة".
غجر لبنانيّة !
كالكثير من الحكايات، خصوصا حكايات ألف ليلة وليلة التي تتناسل الحكاية فيها من حكاية سابقة، فإنّ الموقع المحيّر والملتبس لقرية الغجر، أخذ يفرّخ ويولّد حالات جديدة بعد عام 1967، إذ أنّ سكّان القرية ولمّا أخذوا بالتّكاثر وازداد عددهم طبيعيّا ـ كان عددهم لا يتجاوز الألف نسمة في ذلك الحين، فأصبح يقترب من الألفين وخمسمائة في هذه الأيّام ـ فإنّهم بدأوا بالبحث عن ما يستجيب إلى إحتياجاتهم العمرانيّة والزّراعيّة، ليجدوا أنّ أراضي واسعة وخصبة في شمال موقع القرية، وفارغة وغير مسكونة يمكنها أن تستجيب إلى احتياجاتهم العمرانيّة والزّراعيّة. لذا فإنّهم أخذوا في استغلالها عمارا وزراعة، وأصبحت المساحة التي شغلوها منذ ذلك الزّمن وحتّى هذه المرحلة، تصل إلى ضعفي مساحة قريتهم الأصليّة، كما أنّ عدد السّكّان فيها وصل إلى النّسبة السّابقة نفسها. والغريب ـ غير المستغرب ـ أنّ السّلطات الإسرائيليّة ـ ربّما لحاجة في نفس يعقوب، ولبذر خلاف مستقبلي بين السّلطات اللبنانيّة والسّوريّة بعد تحرير الجولان لم تمنع السّكّان من التّمدّد والإستحواذ على أراض جديدة ـ غير أراضيهم القانونيّة ـ. والأراضي الجديدة، ومن دون غرابة، كانت لبنانيّة وينطبق عليها قرار الأمم المتّحدة رقم 425، القاضي بانسحاب القوّات الإسرائيليّة منها ومن غيرها من أراض لبنانيّة محتلّة. لذا فإنّ عدم إنسحاب قوّات الإحتلال منها بعد عام 2000، يعتبر خرقا لذلك القرار الأممي، ومن حقّ المقاومةـ قانونا ـ المباشرة أو متابعة عمليّاتها منها ضدّ القوّات المحتلّة. وهذا ما اخذ يحصل فعلا، ما أدّى بالمقابل لاتّخاذ خطوات تحصينيّة إسرائيليّة عدّة أخذت حيّزها في التّنفيذ، من تسييج وبناء أبراج وخنادق وحشد قوّات ونصب كمائن وحواجز وإشعال إضاءات ليليّة مختلفة.. إلخ. إلاّ أنّ ذلك لم يخفّف إلاّ قليلا من "وجع الرّأس".
من هنا تمّ التّداول بمجموعة من الإقتراحات، مثل: نقل السّكان من القسم الشّمالي اللبناني قانونا إلى القسم الجنوبي من البلدة أو نقلهم إلى الدّاخل أو الإنسحاب من شمال البلدة وتسليمه إلى السّلطات اللبنانيّة، وغير ذلك من الإقتراحات، ألاّ أنّ جميعها لم يصل إلى حيّز التّنفيذ، ولم يتم تبنّيها جدّيّا ـ خصوصا وأنّ السكّان تمسّكوا بحقّهم في البقاء بقريتهم والبقاء معا، كون أغلبهم أقارب ومن عشائر واحدة بينها صلات قرابة.
وهكذا.. وبصمت، وبعيدا عن الأضواء والضّجيج الإعلامي، فإنّ القوّات الدّوليّة ـ اليونيفيل ـ تابعت إتّصالاتها بعد حرب تمّوز/يوليو عام 2006، وذلك لترتيب وضع قرية الغجر ـ بقسميها اللبناني والسّوري المحتلّين ـ وتخفيف الإحتقان الدّائم و"وجع الرّأس" المستديم للسّكّان، وقد توافرت معلومات أفادت بأنّ ممثّلين من قيادة اليونيفيل، وبعد اجتماعات عدّة وفي مراحل مختلفة مع ممثّلين من قيادتي الجيشين الإسرائيلي واللبناني ـ خصوصا بعد إنتشار الأخير في الجنوب اللبناني وخضوعه أمنيّا لقيادته ـ في بلدة النّاقورة الجنوبيّة اللبنانيّة التي تتمركز فيها قيادة اليونيفيل، توصّلوا إلى تفاهمات وترتيبات معيّنة في الأسبوع الأوّل من نيسان/إبريل الماضي، ويجري الآن الحديث عن أنّ تطبيقها عمليّا قد أصبح على وشك التّنفيذ. ومن بين ما يجري تداوله: دخول قوّات من اليونيفيل إلى الشّطر الشّمالي من القرية، في حين لا يطالب لبنان بفصل المحرّر من الأراضي في قرية الغجر بموجب القرار الأممي 425 عن المحتل منها، وذلك لدواع إنسانيّة تتعلّق بتوزّع السّكّان الأقارب بين شمال القرية وجنوبها. والإبقاء على الخطّ الفاصل بين شطري القرية حسب ما هو متّفق عليه بين سوريا ولبنان سابقا. وإقامة حاجز دولي بمثابة نقطة تفتيش على الخط الفاصل، وإبقاء التّواصل بين سكّان القرية على حاله.
كما يتمّ التّداول بمجموعة من النقاط القابلة للتطبيق ومنها: عبور السّكان والعمال إلى الأراضي المحتلّة والعودة منها إلى الشّطر اللبناني من القرية؛ تحكمه تدابير إسرائيليّة خاصّة وأخرى دولية. أما الخدمات المدنيّة والتّعليميّة والرّعاية الإجتماعيّة والطّبّية فيتم تأمينها من قبل دولة الإحتلال، في حين أنّ الخدمات الخاصة بالشّطر الشّمالي من القرية فتتولاّها قوّات اليونيفيل.كما ويقع على عاتقها المسؤوليّة الأمنيّة وحفظ النّظام أو توقيف محكومين فارّين أو مخلّين بالأمن أو ملاحقة مطلوبين أو مهربيّن. وعدم السّماح لسكّان القرية تجاوز الشّطر الشّمالي وصولا إلى المناطق اللبنانيّة الأخرى. وتركيز حاجز دولي لبناني مشترك عند مدخل الطّرف الشّمالي للقرية، يتولّى ضابط إرتباط من الجيش اللبناني مراقبة الإجراءات المنوّه عنها أعلاه ـ وغيرها ـ بشكل دائم في الجانب اللبناني من الغجر. على أن يتم التّطبيق تدريجا وفي أوقات لاحقة ومن دون ضجيج. فهل يصمد هذا الإتّفاق حتى يحين الإنسحاب الإسرائيلي من الجولان بكامله، وتتم ترتيبات أخرى تتعلّق بمزارع شبعا ومرتفعات كفر شوبا أيضا؟.
المستقبل- سليمان الشّيخ
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات