بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> المفاوضات السورية الاسرائيلية >>
الجولان.. وتحدي العلاقة بين سورية وإيران وتركيا
  17/08/2009

الجولان.. وتحدي العلاقة بين سورية وإيران وتركيا

د.محمد السعيد ادريس
أسباب كثيرة تبدو ظاهرة الآن من شأنها عرقلة ما قد يبدو ميسراً من إحراز تقدم بشأن هضبة الجولان السورية. فعلى الرغم من التفاؤل الحذر الذي أبداه جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأميركي للشرق الأوسط عقب زيارته الأخيرة لدمشق بشأن التقدم في موضوع المفاوضات السورية – الإسرائيلية، وما كشفت عنه الزيارات الثلاث التي قام بها فريد هوف ممثل ميتشل لدمشق من سخونة المسار الأميركي – السوري لدرجة أقنعت البعض بأن المسار التركي لم يعد قائماً.
على الرغم من هذا كله فإن نجاح أي مفاوضات سورية – إسرائيلية سواء عبر المسار التركي المباشر أو المسار الأميركي سيبقى مرهوناً بشروط صفقة شاملة يدرك الأميركيون والإسرائيليون أن إقليم الشرق الأوسط بات في حاجة ماسة إليها، والأهم هو إدراكهم أنها أضحت ممكنة ومتاحة أكثر من أي وقت مضى، في ظل تراجع حدة الصراع بين العرب وإسرائيل مقارنة بالتوتر المتصاعد في علاقات العرب بإيران، وهو التوتر الذي حاول الإسرائيليون والأميركيون تفسيره على أنه تحول استراتيجي عربي في إدراك مصادر التهديد، وفي ظل قبول العرب لمفهوم أو دعوة السلام الإقليمي الشامل التي طالبت بها إدارة الرئيس باراك أوباما وتحمست لها.
فالحديث عن مفاوضات إسرائيلية – سورية بوساطة أميركية سيظل مقترناً بثلاثة شروط أميركية: أولها، وقف سوريا دعمها لمنظمات المقاومة الفلسطينية وحزب الله، والتوقف عن فكرة الحصول على تنازلات من خلال «الإرهاب»، وهو السبب نفسه الذي بررت به إدارة أوباما تجديد العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد سوريا، حسب ما أوضح روبرت وود المتحدث باسم الخارجية الأميركية.
وثانيها، ضرورة التوصل إلى تفاهمات أميركية مع سوريا حول العراق، سواء بخصوص الاتهامات الأميركية لسوريا بأنها تسمح بمرور «الإرهابيين» عبر أراضيها إلى العراق، أو ما يتعلق بمستقبل العراق واستقراره وترتيب الأوضاع داخله بعد الانسحاب الأميركي الكامل في نهاية العام 2011 كما هو مقرر في الاتفاقية الأمنية الأميركية – العراقية. أما الشرط الثالث، وربما يكون الأهم، فيتعلق بإيران والعلاقات السورية – الإيرانية، فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية السابقة قد جعلت هذه العلاقات ثمناً لعودة الجولان إلى دمشق، فإن حكومة أوباما تستبعد الدخول في شراكة مع سوريا في ظل استمرار التحالف والتنسيق السوري – الإيراني على ما هو عليه في قضايا خلافية استراتيجية من المنظور الأميركي والإسرائيلي.
التراخي الأميركي والتعنت الإسرائيلي
هذا التعقيد في الموقف الأميركي من سوريا يعرقل تقدم المباحثات الأميركية المكثفة التي جرت خلال الأسابيع الماضية على النحو الذي كشفه ريتشارد شميرار نائب وزيرة الخارجية الأميركية في قوله: «إن حوارنا مع دمشق لايزال في مراحله المبكرة، وهناك الكثير من القضايا أثرناها مع السوريين، ومن ضمنها العراق، ومن المبكر جداً توقع المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه العلاقات»، لكنه أكد قائلاً: «نسعى إلى هذا الحوار لكي نتمكن من تحديد وحل القضايا التي نملك وجهات نظر مختلفة حيالها مع السوريين لفائدة علاقاتنا مع دمشق، ولمصلحة علاقات الأخيرة مع دول أخرى في المنطقة ومن ضمنها العراق. لذلك نعتقد أن الحوار الدائر مع سوريا حالياً في غاية الأهمية».
ولعل هذا التعقيد هو الذي شجع سوريا إلى العودة مجدداً للبحث عن المسار التركي للتفاوض كبديل محتمل، أو كحافز لدفع الأميركيين نحو اتخاذ خطوات أكثر دفئاً نحو دمشق. ففي الوقت الذي كان يتوافد المبعوثون الأميركيون نحو سوريا فاجأ رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية المراقبين قبيل مغادرته مدينة حلب السورية التي زارها والتقى بها الرئيس بشار الأسد يوم 21 يوليو الفائت أن «تركيا مستعدة لإعادة تحريك وتنشيط المحادثات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل». وكان الرئيس بشار الأسد قد قال في وقت سابق إنه مستعد للعودة إلى المباحثات بوساطة تركية شرط أن تتركز على انسحاب إسرائيلي كامل من مرتفعات الجولان».
معنى العودة إلى مسار التفاوض التركي الذي يبدو أنه سيبقى ضمن الحدود «غير المباشرة» أن هناك انتكاسة تهدد فرص انخراط الأميركيين في مسار مفاوضات مباشرة إسرائيلية – سورية حول الجولان، لكن الانتكاسة الحقيقية جاءت من داخل إسرائيل من خلال تحريك بنيامين نتنياهو لملف الاستفتاء الشعبي الإسرائيلي على الانسحاب من الجولان.
فقد أعطى رئيس الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر لكتلته البرلمانية لتفعيل الإجراءات القديمة الخاصة بإجراء استفتاء شعبي حول الانسحاب من الجولان. وكان الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي قد أقر بالقراءة الأولى، قبل نحو السنة، وبالتحديد في 17 يوليو 2008 قانوناً يقضي بألا يتم الانسحاب من أية منطقة في الجولان إلا إذا أيد ذلك 61 نائباً (أي النصف +1). ويتبع ذلك استفتاء شعبي يحصل فيه الاقتراح على أكثر من 50% من الأصوات لكي يجري الالتزام به. وقبل شهر طرح موضوع هذا القانون من جديد على جدول أعمال اللجنة الوزارية الخاصة بتشريع القوانين، وبعد تأجيل أكثر من مرة أقرته اللجنة الوزارية يوم 15 يوليو الفائت، وتقرر تبني القانون بصياغته الأولى من دون تغيير، وإحالته إلى لجنة بقيادة رئيس كتل الائتلاف البرلمانية «زئيف الكين» كي تبت في الجدول الزمني لسن القانون في القراءتين الثانية والثالثة.
الكثيرون في إسرائيل فسروا خطوة نتنياهو بتفعيل هذا القانون بأنه خطوة لعرقلة الجهود الأميركية لتحسين العلاقات بين واشنطن ودمشق، ولضرب المشروع الأميركي لتسوية الصراع الإسرائيلي – السوري الذي طرحه فريد هوب مساعد جورج ميتشل الذي كان قد زار إسرائيل لثلاثة أيام وغادرها إلى دمشق.
ورأى هؤلاء في هذه الخطوة رسالة أراد نتنياهو توصيلها إلى الأميركيين والسوريين بأنه لا يوافق على الانسحاب من الجولان، وليس معنياً بأن يستأنف المفاوضات مع سوريا، وأنه يرفض المشروع الذي طرحه فريد هوب الذي يرمي إلى تسوية قضية الجولان على مرحلتين: الأولى تقام فيها إدارة مشتركة سورية – إسرائيلية للجولان، يتاح فيها التعاون الاقتصادي والتجاري والسياحي بين الطرفين، ويزرعان الثقة المتبادلة. والمرحلة الثانية، تتسلم سوريا كل أراضيها وتبرم اتفاقات تعاون مع إسرائيل.
وتأكيداً لهذا المعنى، نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن مصدر مسؤول بديوان رئاسة الوزراء الإسرائيلية قول بنيامين نتنياهو أنه مستعد للذهاب إلى أي مكان لمباشرة المفاوضات مع سوريا «على أن تخلو من أي شروط مسبقة»، وذلك رداً على تصريح الرئيس السوري بشار الأسد الذي اعتبر فيه أن «قضية استعادة بلاده سيادتها على الجولان غير قابلة للتفاوض».
الصفقة الشاملة
نتنياهو يرفض أي شروط مسبقة للتفاوض مع سوريا لذلك هو يسعى إلى عرقلة الوساطة الأميركية، ولو مؤقتاً، إلى أن يتم ربط سوريا بمسار تفاوض أشمل هدفه التطبيع الإقليمي الذي يحمل عنوان السلام الإقليمي على نحو ما سبق أن طالبت إدارة الرئيس باراك أوباما.
هذه الرؤية يدعمها فريق جورج ميتشل بعد جولات موسعة في دول المنطقة وتحليل دقيق للمبادرات السابقة الخاصة بحل الصراع العربي – الإسرائيلي.
فحسب ما كتبه إليكس فيشمان في صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية تعليقاً على هذه الجولات فإن فريق ميتشل استبعد صيغة «مؤتمر أنابوليس» وفضلوا صيغة «مؤتمر مدريد»، في إشارة إلى مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد في أكتوبر – نوفمبر 1991 وشاركت فيه للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي دول عربية ليست لها أراض محتلة مع إسرائيل ضمن ما عرف بمفاوضات «المسار الثاني» التي أخذت اسم «المفاوضات الإقليمية» كان هدفها تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل بشكل يتوازى ويتوازن مع تقدم المفاوضات الإسرائيلية على المسارات الأخرى مع سوريا، وفلسطين، والأردن، ولبنان.
مجموعة فريق ميتشل تسعى إلى تحفيز دول المنطقة على المشاركة في مؤتمر دولي موسع يشهد مفاوضات مباشرة على المسارات الثلاثة: الإسرائيلي – الفلسطيني، والإسرائيلي – السوري، والإسرائيلي – اللبناني، وفي الوقت نفسه تبدأ دول المنطقة المشاركة في الانخراط في محادثات خاصة بالسلام الإقليمي للتعبير عن حسن النوايا نحو إسرائيل وتشجعها على اتخاذ قرارات صعبة في مفاوضات المسارات الثلاثة الأساسية.
ويقترح أن تبدأ هذه الدول وفق هذا التصور بإبداء حسن النوايا نحو إسرائيل من خلال خطوات رمزية مثل تبادل المحاضرين والكتاب والفنانين والأكاديميين، وإجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية وإعادة فتح مكاتب المصالح، وفتح الأجواء أمام الطيران الإسرائيلي المدني، على أن تعقبها خطوات جادة وملموسة باتجاه التطبيع الحقيقي الشامل والكامل.
لهذه الأسباب كلها، الأرجح أن تبقى قضية الجولان معلّقة لحين تحقيق هذا التطبيع الشامل وبشروط الصفقة الشاملة.
كاتب من مصر

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات