بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> المفاوضات السورية الاسرائيلية >>
إسرائيل والتسوية مع سورية
  18/04/2012



إسرائيل والتسوية مع سورية

ثائر أبو صالح/ ملحق فلسطين- السفير


عندما كتب المفكر الاستراتيجي المعروف فون كلاوزوفيتش كتابه المشهور «فن الحرب»، وعرّف الحرب بأنها «استمرار للسياسة لكن بوسائل عنيفة»، لم يتنبأ بأنه سيأتي زمان، تنقلب فيه هذه المقولة بشكل كامل، لتصبح:« السياسة استمرار للحرب ولكن بوسائل سلمية». إن هذه المقولة المعكوسة تمثل أيما تمثيل سياسة إسرائيل ورؤيتها إلى التسوية السلمية مع الجانب العربي. فإسرائيل سعت منذ قيامها لفرض إرادتها بالقوة حتى تنتزع شرعية وجودها من سكان المنطقة الأصليين، لتحول وجودها اللاشرعي الذي جاء على أنقاض الشعب الفلسطيني إلى وجود شرعي يقر به العرب ويقبلونه كرهاً أو طوعاً. أما بالنسبة الى الجانب العربي، فإن مفهوم التسوية ولد من رحم الهزائم المتتالية منذ قيام إسرائيل في المنطقة، وخصوصاً هزيمة حزيران 1967. فقبل هذا التاريخ لم يكن ثمة معنى للتسوية إلا من خلال العودة إلى قرار التقسيم لعام 1947. أما بعد أن احتلت إسرائيل أضعاف مساحتها من أراضي مصر وسورية والأردن (فلسطين) وفرضت بقوة السلاح واقعاً جديدا، وبعد قرار مجلس الأمن 242 الذي وضع معادلة إعادة الأرض مقابل السلام، أصبح اللامنطقي منطقياً، واللامقبول مقبولاً، وكانت بداية لفرض مفهوم التسوية على الجانب العربي وعلى حسابهم.

تطور مفهوم التسوية
على الرغم من أن حرب تشرين الأول 1973 قلبت بعض الشيء المعادلات، وتركت أثراً كبيراً في نظرية الأمن الإسرائيلي، إلا أن هذه الحرب أقنعت إسرائيل، أن تحالف دول الطوق العربي، مدعوماً من بقية الدول العربية، يشكل خطراً وجودياً حقيقياً عليها، ويجب العمل على منع هذا الأمر بأي ثمن. ومن دون الخوض في تفصيلات هذه الحرب ونتائجها، نستطيع القول؛ أن إسرائيل بالتعاون مع أميركا، وضعت نصب عينيها إخراج مصر من معادلة الصراع، وإرضائها من حسابها، أي إعادة سيناء لمصر، من أجل الاستفراد بسورية ومنظمة التحرير، وفرض الأجندة الإسرائيلية عليهما. وإذا عدنا إلى السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي بعد زيارة السادات القدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد لاحقاً، نجد ما يبرهن هذا القول، فنرى أن سياستها العدوانية ازدادت بشكل ملحوظ، مستغلة الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه خروج مصر من معادلة الصراع والخلل الذي أحدثه في موازين القوى. ومع تشكيل ما عرف يومها بجبهة الصمود والتصدي، كائتلاف عربي لمحاولة سد الفراغ الذي أحدثه خروج مصر، إلا أن هذا الأمر لم يردع إسرائيل على الإطلاق. فقد قامت في آذار 1978 بالاعتداء على لبنان بعملية عرفت باسم «عملية الليطاني»، ثم قامت في حزيران 1981 بقصف المفاعل النووي العراقي، وفي العام نفسه، وتحديداً في كانون الأول 1981 قامت بتشريع قانون تطبيق القانون الإسرائيلي على الجولان المحتل في الكنيست الإسرائيلي؛ أي ضم الجولان غير آبهة بالقوانين والأعراف الدولية، وذلك للضغط على سوريا وفرض إرادتها عليها. وفي حزيران 1982 تُوّجت هذه الخطوات بالغزو العسكري للبنان لاجتثاث منظمة التحرير، والقضاء على ما تبقى من المقاومة العربية لمشروعها الاستعماري في المنطقة.
على الرغم من النجاحات الأولية التي حققتها إسرائيل، خصوصاً في إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، سرعان ما بدأت تظهر أشكال جديدة من المقاومة؛ ففي الجولان المحتل أعلن السكان السوريون رفضهم قرار الضم، وبدأوا في 14 شباط 1982 إضراباً مفتوحاً رفضاً للجنسية الإسرائيلية، استمر نحو الستة أشهر. وفي لبنان خرجت إلى الوجود المقاومة اللبنانية، التي أدت لاحقاً دوراً مركزياً في تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي. كذلك هب الشعب الفلسطيني في انتفاضته الأولى ضد المحتل الإسرائيلي في كانون الأول 1987. وأخذت أشكال المقاومة العربية تتنوع في لبنان والضفة الغربية وغزة والجولان، وتتخذ أشكالاً مختلفة، وفقاً للظروف الموضوعية والذاتية لمناطق المقاومة المختلفة في رسالة واضحة لإسرائيل بأن سياسة فرض الأمر الواقع لم ولن تنجح. إلا أن دخول العراق إلى الكويت واحتلالها، وما تمخض عنه من ردة فعل أميركية أدت إلى قيام تحالف دولي اشتركت فيه دول عربية عديدة، لإرغام صدام حسين على الانسحاب من الكويت، فتح الطريق لاحقاً لعقد مؤتمر مدريد للسلام في تشرين الثاني 1991 برعاية أميركية وروسية. وبعد أن بدأت إسرائيل تستوعب أن من الصعب إملاء إرادتها بالقوة على الجانب العربي، حضرت المؤتمر لعلها تستطيع أن تنجز بالمفاوضات ما فشلت به بالقوة.
محطات التسوية
جرت المفاوضات المباشرة بين سورية وإسرائيل، أول مرة، في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق شمير والتي لم يتمخض عنها أي شيء. فتوقفت المفاوضات واستؤنفت بعد فوز رابين في الانتخابات في حزيران 1992، حيث قاد الوفد السوري الدبلوماسي المخضرم موفق العلاف، أما الوفد الإسرائيلي فكان بقيادة إيتمار رابينوفيتش. وبعد 12 جولة من مفاوضات بين الطرفين، جاء وزير خارجية أميركا في آب 1993 ليقوم بجولة مكوكية بين إسرائيل وسورية، تمخض عنها ما عرف لاحقاً بـ«وديعة رابين»؛ وهو تعهد إسرائيلي بالانسحاب من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967. بالمقابل، عقدت في بداية عام 1994 قمة أميركية سورية في جنيف، تعهدت فيها سورية بإقامة علاقات «سلام عادية» مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الجولان، حيث كانت قد وضعت سابقاً بين الطرفين المعادلة التالية: «عمق الانسحاب يتوقف على عمق السلام الذي تقبل به سورية». وفي الأشهر الأخيرة من عام 1994 التقى السفير السوري في أميركا آنذاك وليد المعلم إيهود باراك رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، وداني ياتوم مستشار رابين الأمني. هذه اللقاءات مهدت الطريق لالتقاء حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش السوري سابقاً، وراببينوفيتش رئيس الوفد الإسرائيلي للمفاوضات، في 19 كانون الأول 1994، وبعدها بيومين تم اللقاء بين حكمت الشهابي وإيهود باراك وانتهى أيضاً إلى الفشل. ولكن بعد تدخل الرئيس الأميركي كلينتون، عادت سورية إلى طاولة المفاوضات وتوصل الطرفان في أيار 1995 إلى اتفاق مبادئ عُرف بـ«ورقة التفاهمات».

أي تسوية: كنيسة مهدمة في القنيطرة
بعد مقتل رابين، وتسلم شمعون بيرس رئاسة الوزراء، استؤنفت المفاوضات في «واي بلانتيشن» في 24 و28 شباط 1996 وتناولت قضية الانسحاب والعلاقات الدبلوماسية السلمية بين البلدين، ولكن بعد صعود الليكود إلى الحكم توقفت المفاوضات كلياً، واستؤنفت من جديد في عام 2000، بعد عودة رابين لرئاسة الوزراء في أيار 1999. ثم جرت لقاءات في كانون الأول 2000 بين باراك وفاروق الشرع في «شيبردز تاون» في ولاية فرجينيا، وشكلت أربع لجان لدراسة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان والترتيبات الأمنية، ولكنها وصلت أيضاً إلى طريق مسدود، حيث حاول كلينتون إنقاذ الوضع، من خلال طرح مسودة اتفاق بين الجانبين. وقد اجتمع كلينتون إلى الرئيس حافظ الأسد في 26 آذار 2000 في جنيف، بمسعى أخير لإنقاذ المفاوضات، ولكن، ووفقاً لمذكرات كلينتون، لم يمتلك باراك الشجاعة للانسحاب من الجولان، وهكذا توقفت المفاوضات بين الطرفين. أما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فلم تجر مفاوضات مباشرة بين الطرفين، وإنما كانت هناك محاولة من تركيا للعب دور الوساطة، وجرت لقاءات غير مباشرة على الأراضي التركية لكن جميع هذه المساعي توقفت بعد التوتر الذي حصل بين تركيا وإسرائيل على خلفية قافلة الحرية إلى غزة في أيار 2010.
على الرغم من توقف المحادثات، إلا أن الإستراتيجية الإسرائيلية اتجاه سوريا بدأت تتغير، خصوصاً بعد عدوان 2006 على لبنان وتحطم العنجهية الإسرائيلية تحت ضربات المقاومة اللبنانية، وظهور المحور السوري ـ الإيراني المتحالف مع المقاومة اللبنانية، في أفضل تجلياته، حيث شعرت إسرائيل بالخطر وبدأت تطرح إخراج سوريا من هذا المحور بأي ثمن. من هنا نستطيع القول إن استراتيجية إسرائيل في سبعينيات القرن العشرين التي كانت تهدف إلى إخراج مصر من معادلة الصراع والاستفراد بسورية ومنظمة التحرير آنذاك، تحولت في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين إلى إخراج سوريا من معادلة الصراع والاستفراد بما تبقى من قوى المقاومة في لبنان وفلسطين. ولكن وصول نتنياهو على رأس اليمين المتطرف إلى السلطة في إسرائيل أوقف بشكل كامل أي تحرك سلمي على المسارات المختلفة.
الربيع العربي ومستقبل التسوية
إن هبوب رياح التغيير في الوطن العربي أو ما يعرف بالربيع العربي، سيقلب حتماً جميع المعادلات ويفرض على صانع القرار الإسرائيلي إعادة النظر في عقيدة الأمن الإسرائيلية. فجميع إنجازات إسرائيل الأمنية بعد خروج مصر من معادلة الصراع قد تذهب سدىً في مهب الريح فيما لو ألغت إرادة الشعب المصري اتفاقية كامب ديفيد الأمر الذي، مما سيعيد المنطقة إلى المربع الأول. وهذا احتمال وارد جداً تأخذه إسرائيل بعين الاعتبار في صوغ سياساتها الأمنية، ولذلك ستجمد بشكل كامل ما يمكن أن نسميه «إستراتيجية السلام الأمنية» لأن كل ما بنته على هذا الاستراتيجية سيهدم، وستتبنى حتماً استراتيجية أمن جديدة تتعامل مع حجم التهديدات الجديدة التي تترتب على عودة مصر ودول عربية أخرى إلى دائرة المواجهة مع إسرائيل.
أما بالنسبة إلى سوريا، فإن ما عجزت عنه إسرائيل على مدار سنوات طويلة من إخراج سوريا من معادلة الصراع، يقدم لها اليوم على طبق من ذهب. إن تبني النظام السياسي في سوريا الحل الأمني قد قوض أولاً بنية الدولة السورية؛ فقد تحول الجيش الذي أعيد تحديثه وتحديث عقيدته العسكرية وفقاً للعبر المستقاة من الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وللأسف إلى قوات لحفظ النظام، ويلزم هذا الجيش فترة طويلة لإعادة تأهيله. وثانياً إن الأحداث في سورية قد أضعفت الاقتصاد السوري، ووفقاً لخبراء الاقتصاد فهو آيل إلى الانهيار في المستقبل القريب إذا استمرت الأحداث بالتصاعد. وثالثاً بدأت البنية الاجتماعية في سوريا بالتفكك وأصبحنا نلمح معالم التعصب الطائفي التي يبثها بعض شيوخ الفتنة الطائفية ممن يشكل الوضع في سورية أرضاً خصبة لهم لإنبات نبتة التعصب التي لم يعتد عليها الشعب السوري من قبل. وقد ساهمت أخطاء المعارضة السورية في تأجيج الأزمة السورية، فاندفع كثير من قادتها باتجاه الغرب من دون مبرر ظناً منهم أن جميع خيوط اللعبة موجودة في أيدي الغرب، فأهملوا العلاقة مع قوى أخرى فاعلة على الأرض وناصبوا إيران وحزب الله العداء من دون مبرر، ما أثر بشكل سلبي في انتفاضة الشعب السوري، وساهم في الدفع المذهبي الذي أساء إلى الثورة السورية. وكان على المعارضة أن تظهر كقوة سياسية براغماتية تأخذ مسافات متساوية من جميع القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً وتعمل وفقاً لمصلحة الشعب السوري وليس كقوة مهادنة تلتمس التدخل الخارجي ومن الغرب بالتحديد.
إن الوضع القائم في سورية واستمراره لأطول وقت ممكن هو مصلحة إسرائيلية وأميركية من الدرجة الأولى. فسوريا تنزف، وهي محيدة بشكل كامل، وإيران محاصرة، والمقاومة اللبنانية مرتبكة بفعل الأحداث. فلا يوجد أي سبب يرغم إسرائيل على إعادة الحق لأصحابه، ولذلك ستستمر بمحاولة استجلاب المستوطنين إلى الجولان على حساب السكان السوريين الأصليين، وستمعن أكثر في سرقة مياه الجولان والاستفادة من أرضه الخصبة ومن السياحة، علوة على المواقع الإستراتيجية المهمة مثل استحكامات جبل الشيخ وتل أبو الندى ومواقع أخرى تستفيد إسرائيل منها عسكريا للمحافظة على تفوقها. إذاً إسرائيل ستسقط ولسنوات طويلة، كما يبدو، أي احتمال لأي تسوية سلمية في المنطقة، لأنه وبكل بساطة لا يوجد شيء يرغمها أو يفرض عليها ذلك، ولا يوجد أي مصلحة إستراتيجية لإسرائيل في استئناف المفاوضات مع سوريا.
أما من تبقى من السكان السوريين في الجولان، فعليهم أن يعدوا أنفسهم لمواجهة طويلة مع هذا الاحتلال الذي بدأت مؤخراً تظهر ملامح سياسته الجديدة اتجاههم، وذلك عبر قطع كل صلة للسكان بوطنهم الأم سوريا. فقد تكثف اهتمام المسؤولين الإسرائيليين في المنطقة، وبدأنا نسمع عن نية إسرائيل إغلاق معبر القنيطرة، وليس بغريب أن يحاولوا فرض الجنسية الإسرائيلية من جديد على السكان الذين رفضوا، بعد ضم الجولان في نهاية 1981، قبول الجنسية الإسرائيلية. إن الخروج السريع من المأزق الذي دخلت فيه سوريا لن يتأتى إلا من خلال تحمل النظام السياسي والمعارضة مسؤوليتهما التاريخية من أجل الوصول إلى حل يضمن تحول سورية إلى دولة ديموقراطية يعيش فيها جميع السوريين متساوين في الحقوق والواجبات لتتحول سورية الديموقراطية إلى شوكة في عيون الأعداء وتستعيد الجولان الذي انتظر طويلاً ساعة التحرير.

كاتب وباحث سياسي من الجولان السوري المحتل




 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات