بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
رشيد طليع القائد العسكري في الثورة السورية الكبرى
  21/03/2009

رشيد طليع القائد العسكري في الثورة السورية الكبرى
من ألمع الإداريين العرب في العهد العثماني ومن أبرز وجوه العهد الاستقلالي
اشتهر بالحزم والعزم وشكّل أوّل وزارة أردنية


منذ بدأت أقرأ كتب التاريخ بدأ اسم رشيد طليع يتبادر الى الذهن. ويرتسم صورة واضحة في العقل، ويبقى راسخاً في الذاكرة... ذلك ان هذا الرجل كان يرد دائماً، وخصوصاً عندما يُكتب عن "تاريخ الثورة العربية" ورجالاتها ودورها في رسم الطريق الصحيح لنهضة الأمة واستقلالها. فقلت مُكبراً هذا الرجل في نفسي: "من هو رشيد طليع هذا؟ ومن يكون هذا العظيم الذي يذكر اسمه بين رجالات العرب القلائل الذين ناضلوا وجاهدوا جهاد الابطال الصناديد، فترك اثراً عميقاً في النفوس، وذكرى حسنة عطرة في القلوب"؟.

وتمر الايام وتلحق بها الشهور وتنسلخ سنون والصورة في الذاكرة، الى ان قمت بزيارة القاضي المرحوم امين طليع مطلع العام 1983، في منزله الكائن في فردان، فطرحت عليه هذا السؤال:
- هل تعرف شيئاً عن رشيد طليع؟
فابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
- نعم، أعرف طبعاً...
وقام تواً الى مكتبته وتناول منها كتيباً.. ثم دفع به اليّ قائلاً بثقة ومحبة.
- أُهدي اليك هذا الكتاب.. انه يبحث في سيرة رشيد طليع وحياته.
وكان هذا الكتاب بعنوان: "الشهيد رشيد طليع (1876 – 1926)، ملخص من تاريخ حياته"، لمؤلفه امين طليع (بيروت، 1982)، وعندما بدأت وضع كتابي "رجال من بلادي"، الذي صدر عن "دار الريحاني للطباعة، عام 1984، كان رشيد طليع في عداد هؤلاء الرجال الكبار الذين كتبت عنهم، استناداً ورجوعاً الى هذا الكتاب – بالطبع كانت هناك مراجع اخرى – اعود اليها وقت الحاجة. والحق انه كان مرجعي الوحيد المهم عن هذا الرجل الاداري الفذّ. ثم عدت وذكرته في كتابي اللاحق بشكل موسع: "أعلام في الوطنية والجهاد، حقائق عن الثورة السورية الكبرى" ("دار نوفل"، 2002). لاهميته ودوره الفاعل في الحياة السياسية العربية.
وهنا، أطرح اسئلة متكررة ملحة: لماذا يهمل المؤرخون ذكر الابطال الدروز الذين قاموا باعمال باهرة، وكانت لهم الايدي البيضاء في الساحة الثورية العربية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: امين ارسلان وعارف النكدي وعادل النكدي وسامي ونصري سليم وفؤاد سليم وسليمان وحليم ابو عز الدين وسعيد زين الدين وعلي ناصر الدين وهاني ابو مصلح وامين ناصر الدين وعبدالله النجار وفؤاد حمزة ونجيب شقير وحسيب ذبيان واديب البعيني وسعيد طليع وحمد صعب وشكيب وهاب ورشيد تقي الدين وطعان العماد وغيرهم ممن لم يكتب عنهم إلا لماماً أو عرضاً؟! فلماذا هذا الاجحاف او النقص وتناسي حق هؤلاء في التأريخ؟
سؤال نطرحه على كتبة التاريخ للوقوف على سبب الاهمال.
ولادته ونشأته

هو رشيد بن علي بن حسن بن ناصيف طليع. ولد عام 1876. في جديدة الشوف في جبل لبنان. تلقى دروسه الابتدائية في مدرسة القرية، ثم انتقل الى "المدرسة الداودية" في عبيه، قضاء عاليه، التي انشأها داود باشا اول متصرف عثماني في جبل لبنان، وتخرج منها عام 1892. وكان من رفاقه في الصف الشيخ ابو يوسف حسين علي مكارم الذي نقل عنه عجاج نويهض في مقال كتبه عنه في مجلة "الاماني" لصاحبها رفيق وهبي، قوله: "ان رشيد طليع كان في المدرسة نقطة البيكار، وكان نسيجاً وحده في الالمعية والذكاء ودماثة الخلق وطيب المعشر". ثم انتقل رشيد الى المكتب الاعدادي في بيروت، فنال شهادة بتفوّق عام 1895. ثم سافر الى الآستانة عام 1900 وعاد الى بيروت، حيث عيّن برتبة مأمور معية لولاية سوريا، وبقي في هذا المنصب الى العام 1901. وفي العام عينه عيّن وكيل قائمقام بعلبك. وفي العام 1902 نقل قائمقاماً اصيلاً للزبداني، ثم نقل الى قائمقامية راشيا عام 1903، ثم عيّن قائم مقاماً لحاصبيا عام 1904، ثم قائم مقاماً في جبل الدروز. وكان مركزه في بلدة عاهرة عام 1907 ثم عين قائم مقاماً في المسميّة عام 1909 الى آذار 1910.
وتقلّب طليع في مناصب رفيعة اخرى. وكان من انضج الاداريين في جبل الدروز وأكثرهم حنكة وعزماً ومتانة اخلاقية ومقدرة قانونية. وقد اكتسب هذا الرجل محبة هؤلاء القوم في الجبل وثقتهم، وأصبح مرجعاً لمعظم الوجهاء والسياسيين يستنيرون برأيه وارشاداته في المجالات المختلفة.
وما ان جاء العام 1914 حتى فُتح باب الترشح لعضوية "مجلس المبعوثان"، فتقدم أحد زعماء الجبل كما تقدم زعيم درزي آخر من خارج الجبل للنيابة عن جبل الدروز. ولكن معركة الترشيح لم تستمر طويلاً، فقد استقر رأي الجميع من الأهالي على اختيار طليع فكان نائبهم في هذا المجلس في الآستانة، فذهب الى الآستانة. وعاد في 16 تموز 1914 متصرفاً على حوران. وعيّن متصرفاً لطرابلس الشام عام 1915. وعيّن متصرفاً للواء اللاذقية في 13 تموز 1916 التي ترك فيها اثراً عميقاً في النفوس نظراً الى حكمته وحنكته، وقد ترك فيها "سيرة حسنة وعدّه بعضهم انه افضل متصرف جاء الى البلاد في العهد العثماني".
وعندما سقطت الدولة العثمانية عام 1917 عاد رشيد طليع الى بلده لبنان ولزم بيته في الجديدة – الشوف لا يتدخل في السياسة حتى لا يثير ضده رجال الانتداب
جهاده ونضاله
دعاه اليه الامير فيصل، من طريق محمد الشريقي الذي كان صديقاً له، عملاً بقرار حزب الاستقلال العربي، فذهب الى الشام حيث اصبح محط الانظار وواحداً من ابرز شخصيات الحزب الذي كان نفوذه كبيراً في ذلك الوقت، فعين مديراً للداخلية في حكومة رضا باشا الركابي الاولى عام 1918.
الّف الأمير فيصل حكومة مديرين باشرافه في 4 آب 1919، وسمّى رضا باشا الركابي نائباً عنه، فكان رشيد طليع وزيراً للداخلية واستمر في هذه الوزارة الى 8 نيسان 1920 حين الّف فيصل الاول حكومة بتاريخ 8 آذار 1920، في حين ان طليع عيّن في ولاية حلب بتاريخ 8 نيسان 1920، على ان تبقى ولاية حلب مرتبطة برئاسة مجلس المديرين مباشرة. وكان وجود طليع في الشمال ضرورياً وكانت تتنازعه أطماع الاتراك والفرنسيين في آن معاً.
وكان رشيد طليع أحد الاركان التي يعتمد عليها الامير فيصل الاول في ترسيخ دعائم الحكم العربي في شمال سوريا.
وعندما سقطت الدولة العربية في سوريا ذهب طليع الى جبل الدروز، وكانت البلاد الاردنية قد خرجت من نصيب الأمير عبدالله بن الحسين الذي حاول ان يستقطب عدداً من رجالات العرب حوله امثال: الأمير عادل ارسلان وشكري القوتلي ونبيه العظمة والحاج امين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني ورضا الصلح واحسان الجابري وجميل مردم بك ومحد رشيد رضا واحمد مريود والدكتور مصطفى فخري ورشيد طليع، الذي أصبح فيما بعد رئيساً لحزب الاستقلال العربي. وقد انتسب اليه عدد من رجالات جبل الدروز امثال: محمد باشا عز الدين الحلبي وعلي بك عبيد، وهما ركنا جبل الدروز في ذلك الوقت. وكان رشيد طليع أكثر الشخصيات حظوة عند الامير عبدالله، حيث كلفه تشكيل اول حكومة اردنية، وقد سميت بادئ ذي بدء حكومة المشيرين وكان رشيد طليع رئيسها. وكان أن اصطدمت هذه الحكومة بسبب إخضاع خطاب المندوب السامي لاطلاع الوزارة عليه قبل إلقائه. وشطب المقاطع التي طلب رشيد طليع شطبها. وترك طليع الاردن وذهب الى القدس ثم الى مصر حيث كان هناك الأمير عادل ارسلان وفؤاد سليم وعباس المصفي، الذي كان يومذاك مندوباً عن جريدة "الاهرام" في الاسكندرية.
وعام 1925 اندلعت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الاطرش، فالتحق رشيد طليع بها وكان أحد المدافعين عنها بقوة كما كان احد قادتها المناضلين.
وفي العام 1926 عقد المؤتمر الوطني في قرية شقا وأُنشئ مجلس وطني درزي يمثل المناطق كلها، وكان رئيسه الشيخ يوسف الهجري وأُوكلت ادارته الفعلية الى طليع الذي كان اميناً للسر. الا ان الاجل وافى هذا الرجل في شهر ايلول 1926، فنعاه سلطان باشا الاطرش: "كأحد المجاهدين والبطل المقدام الاداري الحكيم رشيد طليع ببلدة الشبكي بجبل الدروز إثر مرض معوي بصورة مفاجئة. فكانت وفاته خسارة ركن من اركان الثورة ورجل من خيرة رجالات العرب الافذاذ".
وهكذا توفي احد زعماء العرب المناضلين وأحد رجالات الحكومة العربية وأحد قادة الثورة السورية الكبرى (1925-1927).
وكانت دموع أمير البيان الامير شكيب ارسلان على كبير المجاهدين غزيرة.. فقد جاء في جريدة "الشورى" لصاحبها محمد علي الطاهر (عدد 14 تشرين الاول 1926) كلمة ورد فيها: "إن الشهيد الرشيد منذ ثار الوطن السوري لنيل حريته ودفع العدو الغاصب عن ذماره، هبّ في مقدمة الامة وجعل هجيراه خدمة الثورة ليلاً ونهاراً. ولما اشفق ان يفت في عضد الثورة في الجبل ذهب الى هناك بنفسه لشد أزر القائد العام سلطان باشا الاطرش ولقي من الاهوال وباشر من المصاعب في مكافحة الفرنسيس العسكرية والمالية ودسائسهم السياسية ومكايدهم الخفية ما لا يعلمه الا الله تعالى، ولا شك انه كان يواصل النهار بالليل في الجهاد والتدبير واحباط الدسائس واثارة عزائم المجاهدين وسد الفتوق ورسم الجبهات كلها ومؤاساة المصابين من الثوار وتقوية قلوبهم ولمّ شملهم".
سمي شارع في بيروت باسمه، وأحيا ذكراه المؤرخ والمناضل العربي عجاج نويهض، بسلسلة مقالات عن مآثره واعماله نشرتها جريدة "نهضة العرب" في ديترويت في الولايات المتحدة الاميركية عام 1964، ونقلتها من ثم مجلة "الميثاق" عن بيت اليتيم الدرزي في عبيه على حلقات متتالية. وقد جاء فيها: "إنني معني بايجاز ترجمة رجل من دهاة العرب ونبغائهم، وقد عرفته معرفة تلميذ لاستاذ قليل النظير في الحديث والقديم". وكان رشيد طليع الى جانب علمه وأدبه ودرايته ملماً بعدة لغات منها التركية والفرنسية والانكليزية. وقد أحرز عدداً من النياشين والاوسمة: الوسام المجيدي والوسام العثماني وميدالية الحرب وميدالية اللياقة وغيرها من الاوسمة. وحصل على رتبة باشا. كما أقيم له نصب تذكاري في بلدة الشبكي جبل الدروز. وأزيح الستار عن هذا النصب في 7 ايار 2002 اي بعد 76 عاماً من وفاته. فتأمل كيف يكرّم الخالدون في الاقطار العربية؟
يذكِّر المؤلف منذر محمود جابر في مؤلفه الجديد عن رشيد طليع بعنوان: "سجِّلْ: أنا رشيد طليع، سيرة ومصير" الصادر حديثاً عن "مؤسسة التراث الدرزي"، في لندن (2008)، في آخر الكتاب، في الصفحة 359، بمأثرتين لاهل الشبكي أو الشبيكة من قرى المقرن الشرقي في جبل الدروز اذ يرد ما يأتي: "كان في رصيد رشيد طليع قبل وفاته مبلغان من المال، 300 ليرة عثمانية، ومبلغ 50 ليرة ذهباً. أعطى المبلغ الاول لقيادة الثورة فهو مالها، اما المبلغ الثاني، وهو ما ملكه من حطام الدنيا فقد اوصى بتوزيعه، بعد وفاته، على الرجال المقاتلين من آل الجباعي في قرية الشبكي، وفاء منه لقيامهم بالواجب نحوه وعنايتهم به في حال مرضه".
والمأثرة الثانية عن وصول ثلة من الجيش الفرنسي بعد ايام من وفاة رشيد طليع "جاء افرادها يستفسرون عن مكان دفنه، فتوجّس الاهالي شراً من هذا السؤال؟ واستعدوا للاسوأ. فيما لو أقدم الفرنسيون على نبش القبر واخراج الجثمان. وكانت المفاجأة ان هؤلاء قاموا بعزف الموسيقى الجنائزية وتأدية السلام العسكري، احتراماً له خصماً صادقاً شريفاً اميناً، كان يتقلد ذات يوم منصب رئيس للوزارة في بلد من بلدان الانتداب".
فتأملوا كيف يكافىء اهل الغرب الرجالات الكبار الذين يقومون باعمال باهرة مجيدة في بلادهم، أو الذين تركوا بطولة مميزة في حياتهم، او الذين رحلوا عنّا باجسادهم وكانوا مصادر اشعاع ومشاعل نور. هؤلاء برعوا في ساحات العلم والذكاء والقلم والسيف والجهاد والفروسية. وقدّموا انفسهم على مذبح الفداء ذوداً عن كرامة الامة. وكان سلاحهم الامضى، الايمان بالله وبالوطن. هؤلاء الرجال الرجال لا تطمس الايام معالم آثارهم، ولا تنسى الاوطان عميم فضلهم. فذكرهم ثابت باق مدى الدهر، يتجدد باستمرار مخلداً اياهم في صدر التاريخ.
وكيف نكافىء نحن العرب رجالاتنا العظام! أليس هذا مخزياً وعاراً للغاية في بلداننا العربية؟ ان تُهمل التماثيل مع مرور الوقت فلا يبقى ذكرها خالداً بين الناس.
ان هذا واقع مؤلم ومحزن في آن معاً.
من كتاباته
قليلة هي الكتابات التي تركها رشيد بك طليع في حياته، لأنه لم يكن يُعنى بالكتابات بقدر ما كان يُعنى بالأعمال والانجازات والمشاريع. نُشرت في مجلة "الضحى" في نيسان 1958، رسالة بعث بها طليع الى الامير شكيب ارسلان، امير البيان في زمانه، وقد جاء فيها:
"اخذت هذه الورقة الصغيرة، لعلني اتمكن من أن اختار الكتاب. "قد اكدت على الأخ (ش) ان يعمل حسبما ورد في كتابك الاول، وهو سوف يعمل. وعليه اعتقد ان كتابتكم وكتابتنا للسيد رشيد لا لزوم لها، ولا شك في ان الاخ (ش) اما ان يذهب بالذات واما ان يعهد الى احد الاخوان هناك كخالد الحكيم او غيره بالقيام في هذه المهمة، وعلى كل حال سيقومون بهذه الخدمة احسن قيام، من استقبال واستلام واحضار وسائر للنقل، واخذ محافظين للبضاعة على الطريق، اما مكان التفريغ فنتركه لاختيار المأجور وهو يختار الميناء الأوفق.
"هذا الاسبوع سأرسل لكم حوالة برقية بألف جنيه على الاقل، وقد كتبت لكم في كتابي السابق وجوب الاقتصار على اربعة.
الضحى: "هنا مسائل سرية كتبت بالارقام".
لأن الاحتياج الشديد هو لذلك وبالطبع فان كتابي هذا السابق وصل في حينه فلا لزوم للتكرار.
ان اخبار الفرنسيين هي غير صادقة، واذكر انني كتبت لكم في كتابي السابق عن وقائع مجدل شمس وخلاصتها ان الحرب دامت هناك ثلاثة ايام، فكان عدد الدروز اقل من ثلاثماية وعدد الفرنسيين ثلاثة آلاف ومعهم نحو الفين من متطوعي الشراكسة، فيكون مجموع الحملة خمسة آلاف اتت من ثلاثة محلات من بانياس، ومن سحيتا، ومن المجدل. فخسر الدروز نحو ستين رجلا بين قتيل وجريح، والفرنسيون من 300 الى 400 رجل واضطر الدروز لاخلاء القرية لتأخر وصول نجدات اليهم من الجبل. ولكن بقي منهم شرذمة تداور القرية ليلا وتزعج العدو، فاضطر هذا لاخلاء القرية بعد ان دخلها بثلاثة ايام، وقد توجهت قوته هذه الى حوران وانضمت الى القوى التي كانت محتشدة في خربة الغزالة.
وهناك هاجم الدروز ما احتشد من القوى الفرنسية صباح 17 نيسان وضربوهم ضربة شديدة شتتوا شملهم فيها. وشاع اول امس ان الجنرال اندريا أُسر في هذه المعركة ولكن هذا لم يثبت رسميا بعد. ان تشتت الحملة تشتتاً كلياً قد ثبت ولم يبق فيه ريب. وقد هاجم الدروز في الوقت نفسه القوة المحتشدة في إزرع وشتتوها ايضا وحرقوا ودمروا القرية لأن اهلها اشتركوا بالدفاع عن الفرنسيين. وعلى اثر هذه الانتصارات بلغنا اليوم عن طريق عمان ان الفرنسيين بدأوا يستعدون لاخلاء الشام خوفا من هجوم الدروز عليهم هناك، واظن ان الخبر صحيح لأن القوة التي ضربت ازرع وهي نحو الف وخمسماية مقاتل، بقيادة سلطان والامير عادل واحمد مريود الذي حضر مؤخرا من العراق، كانت قبل هذه الضربة تستعد ان تذهب وعلى رأسها الامير واحمد مريود الى القنيطرة والجولان لاعادة ما قد خسره الدروز هناك من المواقع والنفوذ، فأظن انها تقدمت بعد ضربة ازرع واتجهت لجهة القنيطرة، ولا شك في انها تستولي عليها، وتعيد الثورة في تلك الاماكن، فراع ذلك الفرنسيين فجعلوا يستعدون لاخلاء دمشق، اذ ليس لديهم من القوى ما يكفيهم للمحافظة عليها، ولا شك في ان المجاهدين سوف لا يتركون اثرهم هذه المرة وسيتبعونهم الى دمشق بعد ان شتّتوهم في حوران. وكل ما يدّعيه الفرنسيون من خسائر الدروز في وقائع مجدل شمس والاقليم ومن مهاجمة عرب اللجاه لهم وغيره، كله كذب وبهتان. اما شكيب ارسلان فهو حي يرزق، وكان اتى الى فلسطين لأجل زيارة عائلته قبل وقائع المجدل ببضعة ايام، فعرفت بمجيئه وارسلت اليه معتمدا يبلغه لزوم العودة فوعد بسرعة العودة واظن انه عاد قبل بضعة ايام من هذا التاريخ.
فليسترح بالكم، وثقوا بأن امل نجاح الثورة اصبح تسعين بالماية. اعتقد ان احمد مريود يريد ان يبقي خبر مجيئه من العراق مكتوماً وسوف يثير الفاعور وعرقوب حاصبيا وقرى السينين في الاقليم. كنت اريد ان اعترض على كلمة Panrabiste التي وردت في كتابكم واطلب استبدالها بكلمة عربية فلم يبق مجال لأن الورقة قد انتهت". وبعث رشيد برسالة (بالاسم الحركي) الى علي بك عبيد، نشرها سلامة عبيد في كتابه "تاريخ الثورة السورية". وقد جاء فيها: "حضرة الاخ الفاضل السيد عين الزمان الأفخم،
سلام واحترام وبعد، فقد اخذت كتابكم وحمدت الله على وجودكم بالصحة والعافية وطلبت من الله دوامهما لكم ولجميع افراد هذه العائلة الصادقين.
فهمت كل ما جاء في كتابكم، وقد لفت النظر الى التطور الذي ذكرتموه بعد فشل الاقليم، أفكنتم تظنون ان مجدل شمس او غيرها من قرى الاقليم تقدر على الثبات في وجه العدو اكثر مما ثبتت او هل تعتمدون بحربكم للفرنساويين على الاقليم او على مجدل شمس او وادي التيم؟ افلا تعلمون ان احتلال الفرنسيين لمجدل شمس يضعف من قوتهم ويزيد من قوتكم، فلو ترك الفرنسيون المجدل بدون احتلال وتقدموا الى الجبل فلا تكون قواتهم التي تزحف على الجبل ذلك الوقت اكثر من القوات التي تزحف الآن، اذ انهم مجبرون لابقاء حامية في المجدل وقوة سيارة لأجل تموينها وتأمين ارتباطها مع دمشق، وخصوصا ان المحاربين من اهل الاقليم اصبحوا كلهم في الجبل، وهم يزيدون على الف وخمسمائة مقاتل، اصبحوا كلهم مجتمعين في مكان واحد وهو الجبل بينما كانوا قبلا مشتتين في قرى الاقليم لا يقدرون على ان يجتمعوا كلهم في وقت واحد للحرب. فاذا افتكرتم مليا تجدون ان احتلال المجدل والاقليم هو افيد في حركات الجبل لكم مما هو للفرنساويين. انما حتى يكون هذا الفكر صحيحا يجب ان يبقى في الاقليم عصابات صغيرة وأن يذهب من الجبل اليها عصابات لا تزيد على المئتي مقاتل لتشغل بال الفرنسيين هناك وتضطرهم الى ابقاء قوات كبيرة هناك ولا اظن الا انكم افتكرتم بذلك.
لا بد لي من ان اقول لكم ان الفرنسيين اصبحوا بحالة يرثى لها. فالعصيان بين عسكرهم يظهر من آن الى آخر، والفرار منهم مستمر، وقواتهم المعنوية في غاية الضعف والانحطاط ومعيشتهم تعيسة جدا، ولا تأتيهم نجدات جديدة مطلقا، لأن البرلمان اي مجلس النواب رفض ارسال نجدات جديدة وطلب من الحكومة أن تنهي الحرب، فاذا صدمتموهم هذه المرة صدمة قوية لا شك في أنهم يتركون السلاح فيقبلوا جميع مطالب الثوار. فالثبات، واياكم ان تخور عزائمكم واعلموا ان ثباتكم هذه المرة سيخلصكم من النير الاجنبي فسوف يصلكم بعد مدة قصيرة نجدات كبيرة من كل شيء. واني الفت نظركم الى ان الثورة توسعت جدا في الشمال والترك بدأوا في المعاونة لأن فرنسا لم تتمكن من الموافقة على الاتفاقية التي عقدها جوفنيل في انقرة ومستقبل الحرب نتيجته هي لنا باذن الله.
لي ملاحظة عسكرية صغيرة ومهمة اريد ان ابديها لكم وهي: انكم تعلمون ان انتصاركم على حملة ميشو وتشتيتكم اياه كان بفضل الهجوم الذي عملتموه عليها وهي سائرة من الجناح. فالجيش السائر اذا هوجم من الجناح او من الوراء ينكسر لا محالة مهما كان قويا. وفي وسعكم مهاجمة حملة اندريا التي ينوون سوقها الى الجبل من احد اجنحتها من ورائها، فاذا فعلتم ذلك لا شك في انكم تشتتونها كما شتّتم حملة ميشو، وهي اي حملة اندريا لا تزيد على عشرة آلاف عسكري كلهم انهكتهم الحرب واصبحوا جبناء وضعفاء وفلولاً لا يؤبه لهم. فاجمعوا عليهم جميع قواكم وانقضوا عليهم كالأبطال كما هي عادتكم فترون انهم لا يقفون أمامكم اكثر من بضع ساعات، وخصوصا اذا تمكنتم من ضربهم من الجناح او الوراء فتأخذونهم كلهم مع ذخائرهم ومعداتهم وتجعلونهم عبرة لمن اعتبر. اما اللجاه فاذا تركتم فيه ماية او مايتين بارودي مع زعيم كشبيب القنطار فلا يقدر الغرب او غيرهم الى اخذه من يد الدروز. اقول ذلك لأنني ارى ان لا تبقوا قوة كبيرة في اللجاه اثناء تقديم حملة اندريا، بل كل القوى يجب ان تلاقي الحملة وتنقض عليها ولا اعتقد انهم يسوقون عسكرا من جهة ازرع فاذا ساقوا من هناك فالانقضاض عليهم من جهة اللجاه سهل جدا.
لا بأس من توزيع العيال من الاماكن التي يحتمل ان يصل العدو اليها، ولكن يجب ان يكون هذا كتدبير احتياطي فقط وان لا يكون عن خوف وجزع ورأيكم في ارسال العائلة الى الرصيفة (شرق الاردن) رأي لا بأس به فارسلوهم حالا وانا اقوم هناك بجميع نفقاتهم وتامين اعانتهم. وقد كتبت الى الاخ عادل بك العزمة ان يفعل ذلك على حسابي الخاص، واخبرته ايضا ان يدفع اجره وسائر النقل التي توصلهم الى رصيفة، وهو سيقوم بما اوصيته به بكل سرور وفخر. فثقوا بأن العائلة هناك مهما بلغ عددها تكون بأمن ورفاه لا تحتاج الى شيء مطلقا، وان اجرة وسائط النقل تدفع حالا لأصحابها حين وصولهم. واظن انكم تعلمون ان عائلتكم هي كعائلتي والعرض واحد والمال واحد ولا يوجد بيننا مفترق الا ما حرمه الله. اما ارسال دراهم من مال الاعانات الى غير اللجنة التي تشكلت في الجبل فهو غير ممكن لأن كل شيء تحت ضبط وقيد في يد اللجنة المركزية في القدس لا في يدي وحدي، ويجب ان لا تهتموا مطلقا بأمر نقل العائلة وتأمين معيشتهم وراحتها بالرصيفة، فكل ذلك يجري حسبما ترغبون. فأجرة النقل تدفع حالا ونفقات المعيشة كذلك. فلا تتأخروا بارسالها مع عائلات حسني وتوفيق ايضا، ولا بأس اذا اتى توفيق معهم هذا اذا لم يكن له في الجبل لزوم. فاذا كان له لزوم هناك فأحد اولادكم يكفي ان يكون مع العائلات جميعهم.
تفضلوا بقبول احترامي الفائق واهداء مثله لسعادة سلطان باشا وسعادة عبد الغفار باشا ولجميع الزعماء والشيوخ والاصدقاء والاخوان وأدام الله بقاكم.
في 21 نيسان 1926.
اخوكم (التوقيع) المقداد
"واذا لزمكم في بادىء الامر بضع ليرات فخذوهم من الامير او من سلطان باشا او من عبد الغفار باشا او من عادل بك نكد وانا احاسبهم به".
* * *
هذا هو رشيد طليع، الذي دعاه الامير (الملك) عبدالله في ربيع 1921 لتأليف اول حكومة عربية اردنية، فجاء عمان ومعه مجموعة من فرسان بني معروف، وكان ان ألف طليع في 11 نيسان 1921 اول حكومة استقلالية في شرق الاردن، من تسعة اشخاص من رجالات البلاد، هم: رشيع طليع للرئاسة والداخلية، الامير شاكر ابن زيد للعشائر، الشيخ محمد خضر الشنقيطي قاضي القضاة، مظهر رسلان للعدلية والصحة والمعارف، علي خلقي بك للأمن والانضباط، حسن الحكيم للمالية، امين بك التميمي مشاور للداخلية ومتصرف لواء عجلون، احمد مريود معاون نائب العشائر، خير الدين الزركلي رئيس ديوان الوزارة.
وهذه الوزارة لم ترضِ الانكليز بالنسبة الى ماضي عناصرها في النضال ضد الاستعمار، ولاسيما ان الحكومة اعلنت شعارها وهو "الحكومة الاستقلالية" ولم يمكث رشيد طليع في الحكومة سوى بضعة اشهر، اذ حصلت صدامات بين الحكومة والمستعمرين. وقدمت هذه الحكومة استقالتها في 23/6/1921.
هذا هو رشيد بك طليع الذي تسلم في حياته أعلن المناصب الحكومية. وكان قائداً عربياً فذا من الطراز الاول، واحد اركان الثورة السورية الكبرى بقيادة القائد العام للثورة سلطان باشا الاطرش. ويُروى انه عندما وصل خبر وفاة هذا القائد لأهله وذويه في مسقط رأسه جديدة الشوف في جبل لبنان، كان المستشار الفرنسي قد وصل الى مكان المأتم، وكان القاضي امين طليع حاضرا. وكان في نية المستشار الحيلولة دون اذاعة خبر النعي واقامة مأتم للفقيد. ولكنه وجد ان الخبر قد اذيع وتناقلته الالسن بين الملأ، فانصرف من دون الحصول على اية نتيجة بعدما جاد بكلمة مؤاساة مشفوعة بنصائح السلطة. وكان من حقد السلطة الفرنسية المنتدبة ان اوعزت بكف يد ملحم حمدان مفتش العدلية وسعيد زين الدين رئيس دائرة الجزاء واليوزباشي توفيق طليع قائد درك صيدا لأنهم حضروا مأتم الفقيد الذي كان مأتما كبيرا، وعلى رأسه شيخ عقل الدروز يومذاك الشيخ حسين طليع الذي قام بالصلاة على روح الغائب، لأن الفقيد كان قد توفي في 20 ايلول 1926 على اثر مرض معدي اصابه بشكل مفاجىء.
هذا هو المجاهد الكبير رشيد بك طليع الذي كان احد زعماء الامة وأوفى اوفيائها، وكان عضوا في مجلس النواب العثماني ووالي حلب واللاذقية ومتصرفاً لطرابلس الشام ووزير الداخلية في حكومة سوريا العربية ورئيس اول وزارة في شرق الاردن، كما كان اداريا حازما وشخصا ممتازا تبوأ اعلى المناصب في الطائفة الدرزية.
نجيب البعيني/ النهار  


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات