بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
الشيخ محمد ابو شقرا ..رجل التوحيد والحكمة والسلام في زمن الحرب
  16/05/2009

محمد أبو شقرا شيخ عقل الطائفة الدرزية
رجل التوحيد والحكمة والسلام في زمن الحرب
بنى مؤسسات في كل الميادين وأعلى شأنها

كان والدي المرحوم حسين محمود البعيني يصطحبني معه كلما أراد زيارة شيخ عقل الطائفة الدرزية محمد أبو شقرا، الذي كان يسكن بجوارنا، وتحديداً على مسافة قصيرة من بيتنا في المصيطبة ببيروت. كان ذلك في الثمانينات على ما أذكر. وكان الشيخ- رحمه الله - يرحب بوالدي أجمل ترحيب ويبشُّ لمقدمه، ذلك ان هناك صداقة كانت تجمعهما معاً منذ حوادث العام 1958.
كان والدي والشيخ يتبادلان الاحاديث الودية، ويتناولان القضايا السياسية والاجتماعية والانسانية والخيرية الموجودة على الساحة اللبنانية. وكثيراً ما كانا يتوافقان على ذلك بكثير من الجدية والصراحة بالتحليل والتعليل، إذ كان الشيخ محمد يُكبر في والدي تلك الصراحة والامانة والشجاعة التي يتمتع بها، والتي عُرف بها على الدوام بين أبناء قومه وبني وطنه. لقد كان الشيخ أبو شقرا، في المرحلة التي عرفته فيها، رجلاً شجاعاً صارماً مقداماً صاحب رأي محكم، وصلابة في القول، لا يتراجع عن فكرة أو عمل أو عزم أراد أن ينفذه... مهما صادف من عقبات أو عراقيل. وكنّا في بعض الاحيان نزور سماحته في دار الطائفة الدرزية في فردان ببيروت كلما سمحت لنا الظروف بذلك لمتابعة الحوادث والمواضيع والمشكلات التي تدور في فلك السياسة اللبنانية، فكان الشيخ يُطلع والدي على مجريات الامور وتطور القضايا في أنحاء لبنان. كان الشيخ جسوراً في مجابهة الحوادث الطارئة... وكان ذا مهابة ورأي جازم لا يهادن ولا يراوغ ولا يخشى في الحق لومة لائم.
كان رجل المحبة والسلام والحقيقة والعدالة والمساواة والاطمئنان. فقد سعى في حياته الى الحوار بين الطوائف، وجاهد جهاداً كبيراً في أن تكون لرجال الدين نظرة وطنية ثابتة تجاه قضايا الوطن والمواطن.
كان رجل الحكمة والتعقل والمهابة والاحترام. ذا شخصية فذة، ثاقب البصر والبصيرة. وكان قائداً روحياً بلا منازع، وصاحب شكيمة كان من نتائجها أن أنقذ الوطن من مصائب ومحن كثيرة ومشاكل عدة.
لقد تغلّب بحكمته على الدسائس والمؤامرات التي تُحاك ضد الوطن وسلامته وأمنه. مارس مسؤولياته كاملة بكل اخلاص ومحبة وانفتاح، حتى أصبح يسعى مع القادة الروحيين الى الوفاق الوطني على أسس واضحة وسليمة لخير الوطن والمواطنين. كما سعى الى تقريب وجهات النظر بين الاديان. لقد أنجز الشيخ محمد أبو شقرا في خلال توليه مشيخة العقل منجزات وأعمالاً كثيرة يعود اليه الفضل في تحقيقها وتنفيذها.
كما استطاع سماحته، خلال تمرسه بالتبعات الدينية، أن يعيد الى المركز الديني هيبته ووقاره وقوته، محارباً السياسات الضيقة، داعياً الى مشاركة حقيقية مع بقية الطوائف اللبنانية، والى نسيج وطني وعروبي واسلامي بعيداً عن التشنجات والمزايدات والعصبية الطائفية البغيضة.
سيرته
ولد الشيخ محمد أبو شقرا في بلدة عماطور الشوفية في محافظة جبل لبنان ليلة الاربعاء 2 آذار 1910. تلقى علومه الابتدائية فيها. وفي العام 1923، وكان أتم الثالثة عشرة من عمره، التحق بوالده الشيخ داود أبو شقرا الذي كان يتعاطى التجارة في مدينة دمشق وتابع تحصيله العلمي في مدارسها. انضم الى الثورة السورية العربية الكبرى بقيادة سلطان باشا الاطرش عام 1925 ضد الفرنسيين، وكان قد بلغ السادسة عشرة من عمره، فجاهد ضد المستعمرين وأبلى في المعارك ضدهم بلاء حسناً، فكان من رجالاتها المعروفين، وبطلاً من أبطالها الى جانب المجاهدين الاحرار.
وفي 17 تشرين الثاني 1925، هاجم الثوار مدينة دمشق ودخلوها، وأشعلوا فيها الحرائق والنيران، فأتى الحريق على المحل التجاري وعلى المستودعات المشحونة بالبضائع خاصة والده، بعدما نهب المتطوعون في الجيش الفرنسي بيته الذي يملكه في جرمانا في جبل الدروز، بحيث أصبح والده في حالة مادية صعبة ويائسة.
استوطن الشيخ أبو محمد داود بلدة جرمانا بضع سنين، ثم ارتحل الى بلدة حينه عام 1928، التابعة لقضاء قطنا، وادي العجم، بجبل الدروز، وتعاطى الاعمال الزراعية والحراثة، أما ولده محمد فقد عمل في التجارة وشيّد بيتاً في حينه. وكان قد بلغ العشرين من العمر عندما تزوج ابنة عمه وأنجب منها ابنتين وأربعة أبناء هم: نبيه (مهندس) ونزيه (مهاجر) وسليمان (محام وكاتب عدل) ومفيد (رئيس دائرة متقاعد).
أنشأ الشيخ شركة نقليات للسيارات واستأجر "كاراجاً" في دمشق وأدار شؤونه بنفسه، وتعاطى تجارة الاستيراد وبيع السيارات وشرائها فضلاً عن سيارات النقل التي كان يملكها، الامر الذي جعله في وضع مريح مادياً.
انتُخب في ما بعد رئيساً لمجلس أرباب العمل والعمال لنقابة السيارات والسواقين في الجمهورية العربية السورية، وانتخب عضواً بارزاً بين أصحاب شركات النقل السورية.
وكان في أثناء اقامته بدمشق نصيراً للملهوف ومعيناً للفقير من أبناء عشيرته في الغوطة ووادي العجم واقليم البلان وجبل الدروز. وكان مكتبه ملتقى عدد كبير من زعماء ونواب الطائفة الدرزية في جبل العرب والاقليم، ما جعل الامير عادل ارسلان يطلق على "كاراج الشيخ" اسم "قنصلية الدروز". وكانت تربطه صداقة ومودة مع رجالات سوريا البارزين، فكان الرجل المعوّل عليه حمل أعباء كثيرة ومهمات صعبة تنتظره، إذ كان موضع ثقة ومحبة وتقدير من الناس جميعاً، وقطب الرحى في المسائل المعقدة والقضايا العشائرية الساخنة.
وكانت للشيخ مواقف وطنية مشرّفة ضد الاستعمار الفرنسي، حيث قاد معركة الصمود والتصدي لاقتحام مدينة دمشق. وقد استهلت جريدة "الكفاح الدمشقية" صفحتها الاولى بمقال مؤرخ في 2 حزيران 1945 بعنوان: "يوم القلعة" بامضاء "التنوخي" وهو الامير عز الدين التنوخي، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق.
ومما جاء في هذا المقال: "لقد صمدت قلعة دمشق وأبلت بلاء حسناً في موقف الدفاع عن القلعة، إذ لولا هؤلاء الصيد الاشاوس لسقطت القلعة التاريخية في أيدي الفرنسيين الخائنين.
نذكر من هؤلاء الابطال على سبيل المثال أبطال مرأب أبي شقرا الشيخ محمد أبو شقرا وشقيقيه ورفيقهما الدرويشية ورأى منهم العدو البربري ما ألقى الرعب في قلبه وما لم يكن بالحسبان".
وقد نشرت هذا المقال كذلك جريدة "الصفاء" لصاحبها الامير أمين ناصر الدين في العدد 2780، بتاريخ 8 حزيران 1945.
وكانت بوادر أزمة داخلية في جبل الدروز عام 1947 بدأت تظهر بين آل الاطرش والهيئة الشعبية، وكانت اسبابها داخلية من جهة، وتباين وجهات النظر بين الجبل وحكّام دمشق من جهة ثانية، الى أن جرت الانتخابات النيابية في صيف ذلك العام فبلغت الأزمة ذروتها واصبح الانفجار وشيك الحصول.
بدأ المخلصون وأصحاب النيات الطيبة والمساعي الخيرة وعلى رأسهم الشيخ محمد أبو شقرا الاتصالات المكثفة لتدارك الازمة وتطويق ذيولها. وفي هذه السنة توفي الشيخ يوسف جربوع، قاضي المذهب في جبل الدروز، ولم تتفق الطائفة الدرزية على من يخلفه، وظلّ مركزه شاغراً مدة من الزمن، وبقي الخلاف قائماً بين الاطارشة والهيئة الشعبية.
ونظراً الى الثقة المطلقة به، فقد أجمع الرأي العام الدرزي في الجبل على تعيين الشيخ محمد قاضي مذهب لعموم دروز سوريا. وفوتح الشيخ محمد أبو شقرا بالامر، ولكنه اعتذر عن عدم قبوله هذه المهمة بسبب اضطراره لادارة أعماله. فرأى أصحاب الرأي أن يزوروه في منزله بدمشق، وتألف وفد منهم على رأسهم شيوخ العقل في الجبل والمحافظ عارف النكدي لاقناعه بتلبية رغبة أبناء الطائفة وأعيانها. ولكن الشيخ محمد رفض هذا الطلب معتذراً عن عدم تلبيته رغم الالحاح والاصرار.
ولمّا توفي الشيخ حسين طليع (1853-1949)، برزت رغبة عند آل أبو شقرا لشغل هذا المنصب، ولاسيما أن الشيخ ناصيف أبو شقرا ثم الشيخ يوسف أبو شقرا شغلاه من قبل. فانطلق كثيرون من آل أبو شقرا يبدون الرغبة في تولي الشيخ محمد أبو شقرا هذا المنصب الديني الرفيع.
عارض الشيخ محمد هذا الامر مجدداً، ولكنه عاد فرضي عندما الحّوا عليه واصروا بأكثريتهم الساحقة، مواطنين ورجال دين ومسؤولين، بالنظر الى مؤهلاته الفذّة، يناصرهم في ذلك الزعماء امثال الامير عادل ارسلان وكمال جنبلاط اضافة الى وجوه الطائفة الدرزية وأعيانها وعقلائها.
دعوة عامة
وجّه شيخ عقل الطائفة الدرزية أبو سليمان محمد عبد الصمد دعوة عامة الى رجال الدين في مقام سيدنا الامير السيد عبدالله التنوخي بتاريخ 29 نيسان عام 1949 للمذاكرة واتخاذ القرار المناسب، واختيار خلف للمرحوم الشيخ حسين طليع.
وجاء نص الدعوة كما يأتي:
"عماطور، في 23 نيسان عام 1949
حضرة اخواننا أبناء الطائفة المشايخ المحترمين
بعد اهدائكم وافر السلام، الرجاء تشريفكم للاشتراك في الاجتماع المنوي عقده في مقام سيدنا الامير السيد عبدالله التنوخي في بلدة عبيه، من الساعة العاشرة صباحاً الى الساعة الثانية عشرة ظهراً من يوم الجمعة الواقع فيه 29 نيسان 1949. وذلك لأجل المذاكرة واختيار خلف للمرحوم سماحة الشيخ حسين طليع شيخ عقل الطائفة الدرزية. ولنا بحضرتكم وطيد الأمل باجابة دعوتنا هذه، سواء بحضوركم بالذات أو بحضور من يمثلكم من أبناء الطائفة من الاخوان.
سدّد الله تعالى خطانا وألهمنا الخير والصواب ووفقنا وإياكم لما فيه رضاه.
شيخ عقل الطائفة الدرزية
محمد عبد الصمد"
وأذاع الاستاذ كمال جنبلاط بياناً بتاريخ 27 نيسان 1949 أعلن فيه موقفه من هذه القضية، تاركاً الامر لشيوخ الدين الاجلاء باختيار من يرونه مناسباً لتسلم هذا المنصب، بما تمليه عليهم ضمائرهم.
وهنا نص البيان كما جاء بحرفيته: "الى حضرات المشايخ وعموم اخواننا الدروز المحترمين
بعد السلام عليكم وتبليغكم تمنياتنا. نلفت نظركم الى انه تحقيقاً لأمنية كثيرين من رجال الطائفة الكريمة سيجري انتخاب خلف لسماحة المرحوم الشيخ حسين طليع في مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي في عبيه.
بناء على دعوة الهيئة الروحية الممثلة بشخص سماحة الشيخ محمد عبد الصمد شيخ عقل الطائفة، وهي بادرة طالما تطلّبتها الطائفة بأن تستقل الهيئة الروحية بانتخاب من يصلح لهذه المراكز الكبرى فيها، وتوضيحاً للحقيقة، لا بد من الاشارة الى موافقة عطوفة الأمير عادل ارسلان ومعالي الامير مجيد ارسلان وغيرهما من نواب الطائفة على تفويضنا استمزاج آراء مشايخ الدين تسهيلاً لعملية هذا الانتخاب. وان هذا الاستمزاج أظهر لنا، مما تيسر لنا الاطلاع عليه من الآراء، ان المرشحين الكريمين يتحليان كلاهما بأكثر الشروط المطلوبة، وانه رغم تأييد كثير من الزمنيين لأحدهما فاننا لمسنا رغبة من فئة غير قليلة من الزمنيين ايضاً واتجاهاً كبيراً لمشايخ الدين بتأييد الشيخ محمد ابو شقرا.
وقد طُلب منّا توضيح موقفنا الشخصي من هذه القضية. لذا نعلن اننا نتقيد بآراء مشايخ الدين ونوافق على الموعد الذي قطعه الأمير مجيد ارسلان امامنا بتأييد الشيخ محمد ابو شقرا. تاركين على كل حال أمر هذا الاختيار لمشايخ الدروز والاخوان يتمتعون بهذا الحق بما يُمليه ضميرهم وغيرتهم.
27 نيسان 1949
كمال جنبلاط"

وحضرت في 29 نيسان 1949 الى عبيه جموع غفيرة من رجال الدين من مختلف المناطق اللبنانية، وكان على رأسهم سماحة شيخ العقل أبو سليمان محمد عبد الصمد. كما حضر الأمير المجاهد عادل ارسلان والاستاذ كمال جنبلاط.
وفي رحاب المقام الشريف، وقف الامير عادل ارسلان مخاطباً شيوخ الدين قائلاً لهم: "بما ان انتخاب شيخ عقل الدروز من اختصاصكم يا رجال الدين، فعليكم ان تختاروا الافضل حسب ضميركم ووجدانكم. وعلينا نحن تنفيذ رغبتكم". وايَّد هذا الكلام على الفور كمال جنبلاط وجمع المشايخ الاجلاء. وقد تم الانتخاب بموجب مضبطة ضمت مئات التواقيع من رجال الدين وصدّقها الشيخ ابو سليمان محمد عبد الصمد. وهنا نصها:
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله الملهم لما فيه الخير والصواب. اما بعد، فقد جرت العادة قديماً في طائفتنا الدرزية ان ينتخب شيوخ العقل شيوخ الدين انفسهم دون سواهم. وعملاً بهذه التقاليد الموروثة وجّه سماحة شيخنا الجليل الشيخ محمد عبد الصمد الى مشايخ الدين في مختلف انحاء الجمهورية اللبنانية الدعوة لمؤتمر ديني عام عقدوه في المقام الشريف السيد عبدالله التنوخي في عبيه نهار الجمعة الواقع فيه 29 نيسان سنة 1949، لانتخاب خلف المرحوم الشيخ حسين طليع المتوفى، فحضر جمهور كبير من المشايخ الاجلاء.
وبعد المذاكرة في الأمر تمَّ بالاجماع اختيار حضرة الفاضل المؤمن الشيخ محمد داود ابي شقرا شيخاً للعقل. ومنحوه الثقة التامة وأولوه السلطة اللازمة لما استيقنوه من كفاءته وجدارته وقدرته على القيام بأعباء هذا المنصب الرفيع، ضارعين الى الله ان يمد بعونه الرئيسين الدينيين الجليلين (المحمدين) لاعزاز الدين واهله وتأييد كلمة الحق. إنه ولي الاجابة...
الفقراء إليه تعالى – التواقيع"
البيعة والتأييد
في صباح الخامس من شهر حزيران 1949، وهو الموعد المعين لانتقال الشيخ محمد أبي شقرا من دمشق الى الشوف، وصل رتل كبير من السيارات اللبنانية يقل سماحته وعدداً كبيراً من شيوخ الدروز المرافقين.
تحرّك الموكب في صبيحة ذلك النهار المبارك مهللاً مرحباً بهذا اليوم. وعند وصوله الى الاراضي اللبنانية، وفي المديرج بضهر البيدر، البقاع، وجد جمهوراً كبيراً من اهالي الجرد في استقباله ومعظمهم من اهالي مجدل بعنا في الجرد. وتحرّك الموكب في اتجاه بلدة عين دارة، فتوقف فيها قليلاً، ثم تابع سيره الى بلدة عين زحلتا ثم الى كفرنبرخ. ثم قصد الموكب بلدة المختارة حيث وجدت الوفود من مختلف المناطق اللبنانية ومن قرى الشوف المجاورة. وبعد استراحة قصيرة، أُلقيت الخطب مبايعة ومؤيدة، مستبشرة بالخير والعهد الجديد الميمون المبارك. وكان ان القى كمال جنبلاط خطاباً أعلن فيه تأييده الكامل لانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ محمد ابو شقرا، وقد وردت هذه الفقرة في خطابه إذ قال: "إنه ليس من واحد في لبنان له على الشيخ محمد ابو شقرا اي فضل في انتخابه، بل مؤهلاته هي التي جعلت هذا المنصب يطلبه ويسعى اليه".
ثم وقف الشيخ محمد ابو شقرا وألقى خطاباً تاريخياً بعد تسلّمه هذا المنصب، معلناً الابتعاد عن الحزبيات والحساسيات وانه للجميع، معتبراً نفسه لكل فرد من أبناء عشيرته على حد سواء.
وكان ان ارسل الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية على الفور برقية عاجلة يهنئه فيها بهذا المنصب واجماع الاكثرية من ابناء الطائفة شيوخاً واعياناً على هذا الاختيار المناسب في محله.
وهذا هو نص البرقية كما وردت: "تلقينا بسرور وارتياح نبأ اختياركم لمنصب شيخ عقل الطائفة الدرزية الكريمة، خلفاً للمرحوم الشيخ حسين طليع، وانه لدليل ساطع على ما تتمتعون به من ثقة واحترام عند الطائفة الدرزية الكريمة، اجماع الاكثرية من ابنائها شيوخاً واعياناً على اختياركم لهذا المنصب الرفيع.
وإننا نغتنم هذه الفرصة لنبث سماحتكم والطائفة الدرزية الكريمة أطيب التهاني والتمنيات.
وتفضلوا يا صاحب السماحة بقبول فائق احترامنا.
بيروت في 17 تموز سنة 1949
الامضاء: بشارة خليل الخوري"
وكان ان قام فخامة الرئيس بشارة خليل الخوري بزيارة سماحته في بيته في عماطور. وقد ارتجل سماحة الشيخ محمد ابو شقرا كلمة جاء فيها:
"يا صاحب الفخامة،
تهنئتكم باسناد منصب مشيخة العقل اليّ كان لها أطيب الاثر في نفسي. انني اقابل ثقة الناس بالحمد لله وتهنئتكم بالشكر لكم واستعين بالله تعالى في ما اراده لي من خدمة قومي ووطني. وكنت اود ألا يتأخر اتصالي بفخامتكم وألا يرجأ شكري الى هذا الوقت. ولعل ذلك يرد الى سببين: حسن نيتكم في العواقب وانتظار الوقت المناسب.
يا صاحب الفخامة
هذا الوطن العزيز امانة غالية بين ايدينا، والواجب يقتضي بأن نحافظ على كرامته ونعمل على استمرار النهضة فيه كي يظل منيعاً قوياً عزيزاً، وهذا لا يتم ولا يتحقق الا بالتعاون والتناصر بين ابنائه جميعاً.
واذا كانت رسالتنا، نحن رؤساء الاديان، الدعوة لتوحيد الكلمة، وبث روح الالفة والمحبة والوطنية، فإن رسالتكم اعظم وابعد امتداداً لانكم بمثابة القلب النابض في الجسم، فإن صلح القلب وقام بتوزيع الدم في شرايين الجسم توزيعاً عادلاً صح الجسم بجميع اعضائه واستقام.
ولنا الأمل الكبير أن قلبكم ينبض في جسم لبنان لخير لبنان ولخير ابناء لبنان ولخير مناطق لبنان على السواء.
واختم بالدعاء لكم بالتوفيق والتسديد الى كل ما فيه خير لبنان ومصلحة اللبنانيين.
الفقير لله تعالى: محمد ابو شقرا"
أعمال ومواقف
شارك الشيخ ابو شقرا في كل القمم الروحية التي عُقدت في لبنان، حيث كان له دور مميز في توطيد العلاقات بين الطوائف الروحية في مناطق لبنان. وكانت له انجازات مهمة في حيز الطائفة التي تولى رئاستها الروحية، من ذلك انه أنشأ داراً للطائفة الدرزية في بيروت جعلها مقرّاً لمشيخة العقل، ومكاناً لائقاً لعقد المؤتمرات والاجتماعات والتعازي في جميع المناسبات، وذلك بعد عناء وجهد مستمرين استغرقا وقتاً طويلاً، جرى فيه جمع التبرعات والهبات والاعانات من ابناء الطائفة في الداخل وفي المغتربات، بالتعاون مع جميع الخيرين واصحاب الهمم المتحفزة للعمل.
وسعى الى بناء "المعروفية" في خراج عين عنوب لايواء مهاجري جبل الدروز. كما سعى لإسكان بعض افراد الطائفة في وطى المصيطبة ببيروت بعد ازمة اشتدت مع الحكومة والحكام. وانشأ المجلس المذهبي للطائفة الدرزية عام 1962، وتولى رئاسته. وانشأ مديرية عامة للاوقاف الدرزية اسوة ببقية الطوائف اللبنانية وعلى مسافة واحدة من الجميع.
كما انشأ المحكمة الدرزية العليا عام 1968 التي أُسندت رئاستها الى المغفور له الشيخ حليم تقي الدين، واصبحت جزءاً من تنظيمات الدولة اللبنانية. وأنشأ المؤسسة الصحية في عين وزين قضاء الشوف عام 1983، بعد ان قام بحملة تبرعات لدعم هذه المؤسسة الفريدة في الشوف في اجمل منطقة من لبنان، وتقوية جهاز الاطباء وإنشاء مبان حديثة حولها. وجدّد مباني عدد من المقامات الدينية أخصها مقام النبي ايوب والمقام الشريف في شمليخ. وأعاد بناء مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي في عبيه، بعدما هُدمت اجزاء منه بفعل الحرب اللبنانية.
ومن اعماله انه بحكمته ودرايته ساعد على توحيد الصف الاسلامي، وثبّت وحدة الطائفة الدرزية ووطّد علاقاتها الجيدة مع الطوائف اللبنانية الأخرى، وساند الحركات الوطنية الشعبية المحقة التي كانت تقوم في البلاد بين فترة واخرى، وايّد مواقف الزعيم العربي الرئيس جمال عبد الناصر. ووقف بثبات وحزم مع الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه واستعادة حقوقه المغتصبة في فلسطين. وايّد المواقف القومية والوطنية والعربية التي كانت تتخذها سوريا وبقية البلدان العربية، وشجب بعنف محاولات اسرائيل ضم هضبة الجولان.
وبارك مواقف الزعيم وليد جنبلاط، وكان بجانبه في نضاله خلال حرب الجبل. وحفظ وحدة ابنائه وتضامنهم مع بعضهم بعضاً لصدّ كل عدوان وإبطال محاولات التفريق والانقسام والتجزئة بينهم. وساند المقاومة الوطنية اللبنانية داعياً الى تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي. وكان يشدد خلال الحوادث اللبنانية على ضرورة الوحدة الوطنية وتماسك الطوائف في ما بينها، والتسامح، والسلام، والتضامن، ونبذ العنف والاقتتال واستعمال السلاح في مكانه الطبيعي ضد الاحتلال الاسرائيلي، واعتماد الحوار البناء لحل جميع المشاكل العالقة. كما دعا الى محاربة الفساد والتمسك بأهداب الدين والاخلاق الفاضلة والقيم العليا، وإنشاء الدولة القوية العادلة التي ترتكز على الحق والحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة، والى التمسك بالفضيلة والقيم الاخلاقية والانسانية والاجتماعية.
اشارة الى ان الشيخ ابو شقرا ثقّف نفسه بنفسه واهتم بالمطالعة واكتساب العلوم على انواعها. وكان يستقدم استاذاً لتعليمه اللغة الانلكيزية، وآخر لتعلم اللغة الفرنسية. وانكبّ على القراءة والتحصيل لأنه احبّ العلم والمعرفة. لم يحصل سماحته في حياته على شهادات جامعية عالية ولكنه بفضل ذكائه وعصاميته وقوة ارادته تمكّن من الإحاطة ببعض من حقول المعرفة والفقه والثقافة والعلوم والفنون.
درس وحصل من علوم العربية واللغة والأدب وعلوم الدين والشريعة ومن الثقافة العامة قدراً جعله يتميز عن كثيرين من اصحاب الشهادات والكفاءة الجامعية والدراسات الاكاديمية. وحفظ كتاب "المعلوم" – كتاب الحكمة الديني – والقرآن، وكان على معرفة ببعض تعاليم الاديان الاخرى، فأصبح أديباً وكاتباً وخطيباً وعارفاً في شؤون الدين والدنيا على حد سواء. وكان ان الّف كتاباً اسماه "لباب العلوم" ضمنه افكاره وتطلعاته في أمور الدين ومسلك التوحيد الديني الدرزي، إلى غيرها من المعارف. صدر عن مكتب مشيخة العقل الدرزي، في بيروت، عام 1980.
وفاته

صباح الرابع والعشرين من شهر تشرين الأول 1991، رحل شيخ العقل محمد أبو شقرا عن هذه الدنيا، إذ انتقل الى الدار الآخرة. رحل الرجل الكبير الذي كان ملء العين والسمع في حياته عن واحد وثمانين عاماً امضاها في العمل والعطاء والمحبة والخير والسلام. وكان دأبه السهر على مصالح الطائفة الدرزية والعمل على وحدتها وبقائها وتماسكها بعيداً عن كل ما يضيرها.
برحيل الشيخ الجليل المهاب، انطوى علم من الأعلام الخفاقة، وانهدّ ركن من اركان العروبة والوطنية والاسلام. هذا الرجل كان قمة في الشجاعة والجرأة والاقدام والعلم وصواب الرأي.
اشتدَّ المرض عليه فانكفأ في منزله الريفي الذي بناه في بعذران الشوف، فوق بلدة عماطور، مسقط رأسه، الى حين سلّم الخالق وديعته. وكانت لوفاته مناحة كبرى إذ تقاطرت الوفود من كل مكان، فجاءت مشايخ الطائفة وابناؤها والوفود الشعبية والسياسية والحزبية والاجتماعية والنقابية الى منزل الفقيد الكريم لتقديم واجب التعزية. في حين أصدرت مرجعيات الطوائف الإسلامية الثلاث خبر نعي مشترك ظهر يوم الوفاة.
الوصية الاخيرة
وجه الفقيد الكريم رسالته الأخيرة الى أبناء طائفته وأبناء الوطن جميعاً، بعدما شعر بدو اجله، وقد اعتبرت آخر ما كتبه الرجل في حياته، وهي رسالة نصح وارشاد وموعظة وتوجهات اخلاقية ووطنية ومبادئ إنسانية للتعلق بالقيم الروحية والوعي والادراك. بل هي وصية، بل قل هي التزام بمبادئ اساسية لبناء هذا الوطن العزيز الغالي، نقتطف منها ما يأتي:
"اخواني وابنائي،
لم أشأ أن أغادر هذه الفانية لملاقاة وجه ربي دون أن أبلغكم بعض هواجسي التي لم تغب عن تفكيري وتوجهاتي طوال حياتي. وقد رأيت أن أوجز تلك الهواجس في هذه الرسالة التي وددت أن تحمل معنى "الوصية" لما اعلقه على استيعابها والأخذ بها من أهمية قصوى في الحاضر والمستقبل بالنسبة الى طائفتنا الدرزية الكريمة عامة، والى كلّ فرد من أفرادها بصورة خاصة. وعليه فإني أناشدكم بحق ما عرفتم به من إباء وشمم ووعي ومروءة:
- ان يتذكر كل فرد منكم دائماً أصله، وجذوره، وتراث الطائفة الدرزية وتاريخها، وامجادها، وان يروي ذلك لاحفاده واولاده، ويزرع في أفكارهم ونفوسهم فضيلة التمسك بالقواعد المسلكية والاخلاقية التي كانت وراء تلك الامجاد الباهرة، والتاريخ المضيء، وان تحافظوا على تماسككم ووحدة صفّكم في السراء والضراء على حد سواء.
- ان تعملوا دائماً على بقاء قيادتكم واحدة موحدة في الظروف كلها، لأن التجارب الكثيرة التي مرّت بها الامم والشعوب قد أكدت ان لا منعة لأية أمة، ولا رفعة، ولا تقدّم، ولا طمأنينة، ولا إستقرار، ولا كرامة إذا إبتليت بالتخاصم والتفرّق.
- احذركم من الهجرة المتمادية التي تحمل في طياتها بذور التفتت والتفكك الموّلدين للضعف العام على المدى الطويل مع ما ينشأ عن ذلك – في كثير من الأحيان – من فقدان لهوية وطنكم التي وفّرت وتوفر لكم كل عوامل المهابة والاحترام والاستقرار.
- احذركم الزواج بالاجانب لما في ذلك من تنكّر لمبادئ العقيدة التوحيدية وخروج عن كل تقاليدها وعاداتها الشريفة، فضلاّ عمّا يتولد عن ذلك من طمس لهذه العادات والتقاليد، ووأدٍ لكل ما يتصل بها – مما نفخر به – من تاريخ وتراث، لا تقتصر نتائجه عليكم، بل تتعداكم الى أبنائكم الذين يصبحون في غربة تامة عن كل تلك القواعد الصلبة التي ساعدت آباءكم وأجدادكم على النهوض بأشق المسؤوليات ومواجهة أفدح الأخطار وإحتلال المركز المرموق خلال تاريخهم الحافل بالمآثر والمروءات.
- احذركم من السقوط في حَمْأة المخدرات وتعاطيها، والمسكرات، وممارسة العاب القمار، والتدخين – ليس لأنها من المحرمات فحسب – بل لأنها تفقد الصحة والمال والرجولة والكرامة ايضاً في أحيان كثيرة.
- أحثكم على الإقبال على تحصيل العلوم التطبيقية وعدم الاكتفاء بالعلوم النظرية، كما احثكم على إيلاء النشاطات التجارية والصناعية والفنية المحترمة قسطاً وافراً من جهدكم، وذلك لكي لا يسبقكم الزمن فتظلوا على صلة وثيقة بما هو مألوف في العصر الذي تعيشون فيه والمليء بالتحديات القائمة بين الافراد والجماعات.
هذه هي رسالتي بل وصيتي لكم ايها الأخوان والأبناء الموحدون، وإني لآمل ان تتأملوا في مضامينها، وتدققوا في أبعادها، وتعملوا افراداً وجماعات لأني مؤمن بأن في التزامها صوناً لوجودكم الكريم، وتحصيناً لهذا الوجود في الوطن وخارج حدود الوطن على مدى الأيام والدهور والله المستعان على ما فيه خيركم وعزتكم وسعادتكم
".
•••
لقد كان شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ محمد أبو شقرا رجلا كفوءاً جديراً بهذا المنصب، ذا ارادة قوية وعزيمة صلبة. عاش حياة الجماعة وخالطها وعرف مكانها واسرارها وقضاياها. وهي مخالطة ذات ثوابت ومقومات وتوجهات ومرتكزات اساسية جامعة شاملة تشد الجماعة الى رحاب الوطن والى رؤية ثاقبة بصيرة تحفزها المشاركة الفعالة والديموقراطية الحقة، والحرية الملتزمة المتجذرة في التاريخ، وتطلعات عالية حريصة على المصالح العليا التي تجد تحقيقها في اطار إنساني منفتح يتجاوز عناصر التمييز والتفرقة، يسودها منطق التسامح والعدل والمساواة والديموقراطية. وان هذه الجماعات تؤمن بالعيش الحقيقي ووحدة المصير ووحدة الاهداف، والتعلق بالوطن وحريته واستقلاله.
بفقد هذا الرجل العظيم تكون الطائفة الدرزية قد فقدت ركناً من اركانها، ورجلا من رجالاتها، وفرداً دينياً في المقام الأول، وإنساناً صاحب مبادئ عامة وأخلاق قويمة ومزايا فاضلة.
ملأ دنياه عن جدارة واستحقاق وعلم وشجاعة. اهتم بشؤون الطائفة الدرزية التوحيدية بكثير من العناية والرعاية والاهتمام والعطف والجدية. وارسى منطق التاريخ بين مؤسسات في كل الميادين العملية والانمائية والأدبية والثقافية والعمرانية وأعلى شأنها.


نجيب البعيني
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات