بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
علي سالم البيض.. من الكفاح المسلح إلى المناشدات السلمية
  26/05/2009

علي سالم البيض.. من الكفاح المسلح إلى المناشدات السلمية

علي عبد الجليل/صنعاء


لم يظهر أي ارتباك أو تردد في ملامح وصوت علي سالم البيض يوم إعلان الوحدة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي ( 22 إيار / مايو 1990) ، فقد صرّح، وهو يتخلّى عن منصب السلطة الأول في دولة ما كان يسمى بجمهورية اليمن الديمقراطية، أن كل شيء يهون، المنصب والروح والدم، من أجل اليمن. وكان موقفه قد بدا واضحاً منذ أن وقع عن دولة الجنوب اتفاقية الوحدة في 30 نوفمير1989 مع رئيس اليمن الشمالي علي عبدالله صالح، حتى أن الأخير لم يتراجع بعد أن صار رئيسا للدولة الموحدة عن القول أن "لولا البيض لما تحققت الوحدة". لكن الدولة الموحدة التي أصبح البيض فيها نائباً لرئيس مجلس الرئاسة دخلت منذ الأشهر الأولى في إشكالية بناء الدولة الحديثة من خلال الاستفتاء على الدستور الموحد وبناء المؤسسات الحكومية وتقاسم إداراتها بين مسؤولي الدولتين السابقتين، إلى جانب إعلان الديمقراطية والتعددية الحزبية.
بدأ الجو ينحو إلى الشك والريبة بين شريكي الوحدة (الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام) مع حدوث بعض الاغتيالات السياسية لقيادات اشتراكية جنوبية، وتناقلت أوساط سياسية وإعلامية عن استهداف البيض نفسه وقيادات جنوبية ضمن موجة الاغتيالات، وجاءت الانتخابات البرلمانية (27 إبريل 2003) لتقلص دور الحزب الاشتراكي اليمني في السلطة أكثر مما مضى وإذْ احتفظ البيض بمنصبه صار عليه أن يقبل شريكا ثالثا بالحكم له وجهة إسلامية هو التجمع اليمني للإصلاح جاءت به نتائج الانتخابات المشكك بنزاهتها من قبل الاشتراكيين.
ومع تصاعد الأزمة السجالية عبر وسائل الإعلام المنتمية لشركاء الحكم أتخذ البيض موقفاً واضحاً في نقده لآلية عمل مؤسسات الدولة معلناً أن الحكم يدار عبر متنفذين في السلطة وأن أي مبادرات أو مقترحات تقابل بالرفض، وصاحب هذا النقد اعتكاف البيض في منزله ونزوله إلى عدن لتتصاعد المشكلة بين طرفي الحكم في الشهور الأولى من عام 1994 وفي ظل توتر أمني وبوادر اشتباكات مسلحة وقّعت في عمّان يوم 20 فبراير 1994 وثيقة صلح سمّيت "وثيقة العهد والاتفاق" صاغتها مختلف القوى السياسية برعاية أردنية؛ إلاّ أن التوتر الأمني لم ينته، وعاد البيض بعد توقيع الاتفاقية مباشرة إلى عدن بدلاً من صنعاء، ولم تنفع الوساطات المحلية والعربية في إيقاف التوتر، والذي تحول إلى اشتباكات مسلحة مع نهاية إبريل 1994 لتندلع الحرب بين الطرفين وفي أجوائها يعلن البيض في 21مايو 1994 من عدن فك الارتباط عن دولة الوحدة واستعادة جمهورية اليمن الديمقراطية، لكن هذا المطمح لم ينجح مع حجم الجيش ودعم القبائل في الشمال الذي يفوق عدد سكانه عن الجنوب بأربعة أضعاف، لينحسر مشروع الانفصال مع استيلاء الجيش على كل معاقل قوات الجنوب في 7يوليو1994، ولجأ أثرها البيض إلى عُمان ليلتزم الصمت طيلة خمسة عشر عاماً حتى ظهر نهاية الأسبوع الماضي معلناً مجدّدا انفصال جنوب اليمن عن شماله.
علي سالم البيض المولود في إحدى قرى حضرموت عام 1939 حفلت حياته بالكثير من المواقف السياسية الصاخبة فقد التحق مبكراً بحركة القوميين العرب التي باتت تعرف في اليمن بعد ذلك بالجبهة القومية وهي التي قادت ثورة استقلال جنوب اليمن عن بريطانيا حتى تحقق ذلك في 30 نوفمبر1967 وشغل منصب أول وزير دفاع في حكومة الاستقلال، وظل البيض أحد القيادات الرئيسة المؤثرة في التحولات السياسية التي شابها الكثير من الخلافات والتوترات بدأ ذلك مع حركة 22يونيو 1969 التصحيحية ثم مع تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني كامتداد لتيّار اليسار الماركسي في الجبهة القومية والصراعات الحزبية بينه وبين عبدالفتاح إسماعيل التي أطاحت بمناصب البيض الحزبية والحكومية (1979- 1980) بحجة مخالفته لوائح الحزب وقانون الأحوال الشخصية بالجمع بين زوجتين، وإذ عاد إلى الواجهة، أثناء قيادة علي ناصر محمد للحزب، وتسلّمه وزارة الحكم المحلي فإنه لم تمر سنوات طويلة حتى يتحالف البيض مع من أختلف معه بالأمس عبد الفتاح إسماعيل، وأدت جملة من التناقضات الواقعية إلى انفجار حرب أهلية في 13 يناير 1986 بين أطراف الحكم. وكان البيض من ضمن الأشخاص الذين قرر جناح علي ناصر إعدامهم إلاّ أنه نجا بأعجوبة اثر هروبه بسيارة عسكرية، فيما فُقد عبدالفتاح إسماعيل في ظروف غامضة. وإذْ هرب علي ناصر لاجئاً إلى الشمال فقد صار البيض هو الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني وهو المنصب الرئيسي في الدولة حينها حتى عام 1990 حيث تحول شكل النظام في دولة الوحدة، وقبل البيض أن يصبح نائباً لرئيسها، وإن كان قد بقي محتفظا بمنصب أمين عام الحزب الاشتراكي إلا أن حزبه لم يعد الحاكم الوحيد للدولة.
لم يظهر أي خبر عن البيض طوال سنوات منفاه في عُمان سوى ما نقل عن حضوره في آذار/ مارس 2007حفل زفاف ابنته (تمامي) على الفنان اللبناني ملحم زين.
وخلال السنوات الأخيرة تردد اسم البيض من قبل بعض المنتمين للحراك الجنوبي الذين ظلوا يطالبونه بإعلان موقف واضح مما يجري من احتجاجات في الجنوب ضد السلطة اليمنية.
وهكذا، خرج البيض من عُمان إلى النمسا ليعلن أنه يقف مع التوجهات التي تدعو لانفصال جنوب اليمن عن شماله وإعادة الصفة الدولية لجمهورية اليمن الديمقراطية التي ظهر علمها مجددا مع ظهور البيض.
في مؤتمره الصحافي الأخير من النمسا، لم يخرج البيض عن سيرته السياسية الأولى، فالأعداء صاروا حلفاء، كما في حال علي ناصر محمد وطارق الفضلي أحد أبناء السلاطين الغير مرغوب بهم خلال حكم الحزب الاشتراكي في الجنوب.
البيض في ظهوره الجديد أعلن اعتذاره بوضوح عن المضي بالجنوب إلى الوحدة التي أعتبرها فاشلة كوحدة سوريا ومصر، وتحدّث لأول مرة عن شعبين، في الشمال والجنوب، وليس عن شعب يمني واحد، وهي اللازمة التي رددها اليمنيون طوال العقود الماضية.
يبدو البيض، وكأنه قد أتخذ قراراً لا رجعة فيه بقيادة الحركة الانفصالية، وكما عمل حين أندفع نحو الوحدة متخليّاً عن منصبه الرئيسي، ها هو يقول أنه لا يسعى إلى الحكم وأن دوره سوف يقتصر فقط على ما يسميه "مرحلة التحرير والاستقلال"، على أن يقوم "بتسليم الراية بعد ذلك للأجيال الجنوبية الشابة، عائدا إلى صفوف الجماهير ناصحاً ومقدما المشورة والعون عد الحاجة".
بدأ البيض في ظهوره الجديد، غير ما كان عليه كرجل كفاح مسلح ضد الاستعمار البريطاني في ستينيات القرن الماضي، فهو مع ما يعتبره احتلالا للجنوب من قبل سلطة اليمن الشمالية، يناشد قادة الدول العربية والعالم ليخاطبوا صنعاء بتحكيم "صوت العقل والمنطق الداعي إلى سحب القوات العسكرية من الجنوب" وتسليم البلاد "لأهلها بصورة سلمية وأخوية.. حقناً للدماء وحفاظاً على أواصر المحبّة والإخاء ما بين شعبنا في الجنوب وأشقائنا في الجمهورية العربية اليمنية".
والسؤال هل سيمضي البيض بدوره الجديد إلى النجاح، أم أنه سيضيف محاولة أخرى إلى جانب محاولة صيف 1994 التي أدى فشلها إلى صمته خمسة عشر عاماً؟.
وجهة مستقلة
يقول سامي غالب رئيس تحرير صحيفة (النداء المستقلة) لـ (إيلاف) أن "ظهور البيض يعني أولا دخول الحراك السلمي الجنوبي مرحلة جديدة, إذ يوفر للحراك غطاء سياسي, ويحول دون أي تنافس بين مكونات الحراك على احتكار التمثيل كما حدث خلال العامين الماضيين، وبذلك فإن البيض يتقدم ليكون الممثل الشرعي الوحيد للقضية الجنوبية. وأكثر من ذلك فإن ظهوره يعزز جنوبية الحراك, ويؤكد الفرز الحاصل في النظام السياسي على أساس جنوب وشمال. ويتيح البيض للحراك طرح مطالب جديدة ارتكازا على القرارات الدولية الصادرة خلال حرب 1994, وتقديم حيثيات قوية لمكونات الحراك على المستوى الدولي. وأخيرا فإن عودة البيض تفرض على أطراف العملية السياسية في اليمن, سلطة ومعارضة, إعادة صوغ رؤاها ومشاريعها وتكتيكاتها حيال مختلف القضايا والأزمات, وفي المقدمة تصوراتها لأجندة الحوار الوطني والإصلاحات السياسية".
ويضيق سامي غالب: " أظن أن البيض حرص في خطابه على تقديم نفسه باعتباره الزعيم الذي يستجيب لمطالب فئات واسعة في الجنوب, وهو مال إلى عدم استفزاز مشاعر اليمنيين من سكان المحافظات الشمالية, إذ طالبهم بتنظيم حراك سلمي مماثل للحراك الجنوبي, محددا مسؤولية التدهور في الأوضاع في شخص الرئيس ومعاونيه, أي أنه لم ينجرف, كما يفعل بعض الناشطين في الحراك, نحو تحميل الشمال كله مسؤولية معاناة الجنوب".

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات