بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
معظم سكان العالم يتكلمون لغات نشأت بفضل الأبجدية الأوغاريتية
  13/02/2010

معظم سكان العالم يتكلمون لغات نشأت بفضل الأبجدية الأوغاريتية
أوغاريت نموذج رائع للتعايش السلمي بين مختلف القوميات والأديان
بقلم: همام كدر


يتحدث كتاب "أوغاريت "الصادر عن الهيئة السورية للكتاب عام 2008، لمؤلفه قصي عبد الرحمن، عن مدينة أوغاريت الأثرية والعالم الذي خرجت منه كما يتطرق لتاريخ عمليات التنقيب وما تم اكتشافه حتى الآن.
لا يمكن تصنيف كتاب "أوغاريت "بالكتاب التوثيقي فحسب، لأنه يحوي على ترجمات كاملة لما عثر عليه من ألواح الملاحم الأوغاريتية الكبيرة، مثل "بعل وعناة "، بل يتخطى ذلك ليتحدث عن أوغاريت التجارية والثقافية واللغة والدين فيها. ولمزيد من الضوء على هذا الكتاب التقينا الكاتب قصي عبد الرحمن وكان هذا الحوار:
٭ مالذي دعاك بعد كل هذه الفترة لتأليف كتاب عن أوغاريت؟
- أعترف أن السبب المباشر لكتابة الكتاب، كان جملة قرأتها في مقدمة أحد الكتب، تتحدث عن تاريخ مدينة أوغاريت والتي كانت: «من يبحث عن تاريخ أوغاريت سيجد أمامه عشرات الآلاف من الكتب التي تتناول الموضوع. هذه الجملة كانت مفاجأة بالنسبة لي لأنني عندما بحثت لأعرف مدى صدق هذه الجملة وجدت أنها لا تعبر حقيقة عن الواقع لأن الواقع أضخم من ذلك. وكما أن الحديث يدور بين الخبراء «عن علم المصريات» و"علم السومريات" يوجد أيضاً «علم الأوغاريتيات». إذ يصدر عن الاختصاصيين كتاب سنوي عن آخر الأبحاث في مجال الأوغاريتيات وكذلك تصدر في فرنسا مجلة غير دورية شبه شهرية باسم "أوغاريت» تعنى بآخر الاكتشافات في أوغاريت. للملاحظة إن هذه الإصدارات بأكملها باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية واليابانية والروسية وغيرها من اللغات العالمية ما عدا اللغة العربية، حيث لا نعثر إلا على القليل من المراجع التي تهتم بتاريخ أوغاريت بشكل خاص وبتاريخ سورية القديم بشكل عام. تسبب عدم معرفتنا في سورية لتاريخنا إحساسي بالألم، بالرغم أنني بحكم معرفتي باللغة الألمانية أستطيع الحصول على الكثير من الكتب والمعلومات. لذلك قررت القيام بخطوة صغيرة من أجل التعريف بوطننا وبتاريخنا القديم.
٭ ترى ما أهمية ومكانة أوغاريت على لائحة التراث العالمي؟
- تحتل أوغاريت مكانة مرموقة في لائحة التراث العالمي، لأنها كانت نقلة نوعية في الحضارة البشرية، ولأن حضارتها كانت ترتكز على التجارة والثقافة، لا على الجيش وقوة السلاح. إضافة إلى ذلك فإن تأثير أوغاريت الديني مهم جدا لأن فهم اللغة الأوغاريتية والدين الأوغاريتي لا يزالان يلعبان دورا مهما في فهم الدين اليهودي الذي كان بداية الأديان الإبراهيمية. تمتاز الألواح المكتوبة التي تم العثور عليها في أوغاريت في باحتوائها على الكثير من المعاهدات والمراسلات الدولية، مما يعطينا لمحة جيدة عن الحياة الدبلوماسية والسياسية في تلك الفترة، تبعا لماهية أوغاريت بكونها مدينة تجارية فإن الكثير من الألواح هي معاهدات اتفاقيات اقتصادية.
٭ اهتماماتك الأولى بمسألة الآثار والبحث فيها ودراساتك للديانات القديمة من أين جاءت؟
- جاء اهتمامي بالآثار وبالتاريخ القديم من اهتمامي بالأديان القديمة، نشأتها وتطورها وتأثيرها عن الأديان التي نعرفها حالياً. لن يستطيع المرء فهم نشوء الدين اليهودي، على سبيل المثال، بدون أن يفهم الأديان التي كانت سائدة في ذلك العصر والأديان التي سبقته بكامل ملامحها العامة وأساطيرها وبنيتها وهيكلتها. إضافة إلى ذلك فإن اهتمامي بالتاريخ قديم جداً ويعود إلى أيام الصبا، حيث كنت ومازلت أفهم التاريخ بوصفه سلسلة طويلة من التطورات والأحداث المتتالية التي تتبع نهجا وتطورا منطقيا محكوماً بقوانين الطبيعة بشكل أساسي.
٭ لماذا برأيك تأخرت التنقيبات في سورية عشرات السنين عنها في فلسطين؟
- كانت ولا تزال فلسطين منطقة تنقيبات مهمة بسبب التنقيبات الدينية (اليهودية والمسيحية) ومحاولة العثور على آثار تثبت صحة ما ورد في العهدين القديم والجديد. لا تزال المؤسسات الدينية وبشكل خاص المحافظة منها تنقب في فلسطين وتحاول العثور على ما يثبت صحة الروايات الدينية المختلفة التي يعتقد المحافظون الدينيون أنها تعطيهم الحق في تلك الأرض. يتناسى الكثير أن الرواية الدينية تتحدث عن أصل واحد للبشر بغض النظر عن قومياتهم ولغاتهم ومكان سكنهم.
٭هناك متعة خاصة بالبحث والكتابة عن الآثار أليس كذلك ؟ وكم استغرقت من الوقت بتأليف هذا الكتاب؟
- الغوص في مجاهل التاريخ له متعة لا تجاريها متعة أخرى، خاصة عندما يرى المرء أن الحضارة البشرية هي سلسلة تطورية بدأت مع الإنسان الذي قدح حجر الصوان (ربما مصادفة) وحصل على النار وستنتهي بنهاية الجنس البشري. للأسف تقتصر إمكانياتي في مجال التاريخ القديم على دراسة النتائج التي وصل إليها الكثير من الباحثين والمنقبين وعلى محاولة فهم التطور التاريخي بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. ليس مهماً إن كنت قد قضيت عاماً أو عامين في العمل لإنجاز هذا الكتاب الذي يتحدث عن أوغاريت وليس مهما إن كان يوم عملي يمتد حتى 81 ساعة يومياً في هذه الفترة وليس مهما إن كنت لم أر غير أوغاريت في المنام وفي اليقظة. الشيء المهم الوحيد بالنسبة لي هو أنني حققت هذه المهمة التي وضعتها لنفسي، وأنني قد أكون بذلك قد ساهمت ولو بجزء بسيط في تعريف أبناء وطني بحضارة رائعة.
٭هل أهمية أوغاريت تكمن فقط باكتشاف أقدم أبجدية كاملة فيها،.. أو أن هناك أشياء أخرى؟
- اللغة الأوغاريتية هي لغة سامية شمالية غربية أي أنها كانت إحدى اللغات السامية الكثيرة التي كانت منتشرة والتي اندثر أغلبها فيما بعد. لا تكمن القضية فقط في اختراع الأوغاريتيين لأقدم أبجدية معروفة حتى الآن، إنما تكمن أيضاً في نتائج هذا الاختراع العظيم، فالأبجدية الأوغاريتية هي الأساس الذي قامت عليه الأبجدية الفينيقية التي كانت بدورها الأساس الذي قامت عليه اللغات الآرامية واليونانية القديمة، أي أنها كانت الأساس الذي قامت عليه اللغات اللاتينية و الكريلية. أي أن جميع سكان العالم (ما عدا المتكلمين باللغات الآسيوية الشرقية) يتكلمون لغات نشأت وتأسست بفضل الأبجدية الأوغاريتية. هذا لا يعني أنه بدون أوغاريت لكان العالم الحالي بدون لغات ولكن هذا يعني أن أوغاريت حلقة مهمة جدا ساهمت في بناء الحضارة البشرية الجديدة وهذا يعني أن أوغاريت كانت النقلة الثقافية النوعية في التطور المدني الحديث. لم تقدم أوغاريت للحضارة البشرية الأبجدية فقط، إنما كماً هائلاً من التطورات الثقافية والتجارية والدينية والمعمارية وغيرها. كانت المعرفة قبل أوغاريت حكرا على طبقات الحكام والكهنة بينما كان الوضع في أوغاريت مختلفاً، حيث عثر على عدد من المكتبات الخاصة لبعض سكان المدينة. كانت أوغاريت النموذج الرائع لمشاريع البنية التحتية التي يستفيد منها جميع السكان. كانت أوغاريت النموذج الرائع للتعايش السلمي بين مختلف القوميات والأديان حيث كان يعيش فيها عدد من الجاليات الأجنبية.
٭قلت في كتابك أن كثافة السكان شمال وشرق سورية كانت أكثر قبل آلاف السنين، هل السبب يكمن في التغيرات المناخية فقط؟.
- لم تكن التغيرات المناخية هي السبب فقط إنما تغير طرق التجارة والمراكز التجارية أيضاً. بعد انهيار أوغاريت بعدة قرون وإثر نشوء الحضارة الفينيقية تحولت مراكز التجارة البحرية من شمال الساحل السوري إلى وسطه وجنوبه، الأمر الذي أدى إلى تحول طرق القوافل البرية المتجهة إلى الشرق من شمال سورية إلى وسطها، بشكل أساسي عبر تدمر إلى الرقة. إضافة إلى ذلك فإن شمال سورية كان الطريق الطبيعي للغزاة القادمين من الشمال والهدف الأساسي لبقية الغزاة الذين دخلوا سورية عبر تاريخها الطويل.
٭ شمل بحثك التطور الثقافي ولم يكتف بالكشف عن التنقيبات والآثار بل تعدى ذلك إلى مدلولاتها، ماذا تقول بهذا الشأن؟
أعتقد أن التطور الثقافي الذي حدث في أوغاريت أكثر أهمية من الأمور الأخرى، خاصة وأن التطور الثقافي هو الذي يميز الإنسان عن الكائنات الحية الأخرى. لا تزال أوغاريت حية في داخلنا، ولا تزال أوغاريت حية في اللغة العربية الفصحى والمحكية التي يمكننا العثور على الكثير من مفرداتها في اللغة الأوغاريتية. لا تزال أوغاريت حية لدى كل فلاح يعتمد في زراعته على المطر ويقول إنه يزرع "أرض بعل".

المصدر - العروبة

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

سوري

 

بتاريخ :

14/02/2010 17:52:48

 

النص :

سوريا مهد الحضارة ورحم الحرف