بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
حكاية عربي.. أغنى أغنياء العالم
  12/03/2010

حكاية عربي.. أغنى أغنياء العالم

تحكي الأسطورة اليونانية القديمة أن الملك ميداس رضيت عنه الآلهة الإغريقية فمنحته نعمة تحويل كل ما تلمسه يداه إلى ذهب، إلا أن نهاية القصة لم تكن سعيدة، إذ كاد الملك يموت جوعا وعطشا بسبب تلك النعمة التي تحولت إلى نقمة. غير أن الأمر في حال كارلوس سليم نحا نحوا مغايرا، إذ إن كل ما تلمسه يداه لا يعينه فقط على الأخذ بأسباب الحياة من مأكل ومشرب، بل بات يتحول إلى لغة العصر، مترجما في أسهم وسندات وأوراق بنكنوت خضراء وصفراء، وبثروة بلغت 53.5 مليار دولار، وفقاً للتقرير السنوي الذي أصدرته أمس مجلة فوربس، المتخصصة في مجال المال والأعمال، وهذه هي المرة الأولى التي لا يتربع فيها أميركي على قائمة أثرياء العالم منذ العام 1994، عندما اعتلى القائمة رجل الأعمال الياباني، كينغبين يوشياكي تسوتسومي، الذي اختفى من القائمة منذ ذلك الحين.
على أن الفارق بين ثروة سليم وغيتس ليس كبيراً، على الأقل وفق معايير الأثرياء، إذ لا يتقدم عليه سوى بمبلغ 500 مليون دولار فقط. ويمكن لغيتس، الذي بلغت ثروته 53 مليار دولار، أن يستعيد الصدارة إذا ازداد سعر سهم مايكروسوفت بمقدار دولار واحد.
صعود كارلوس
وفي كل الأحوال تبقى قصة صعود كارلوس سليم ليست إلا عنوانا للعبقرية العربية الساكنة تحت الجلد، والتي هي في حاجة فقط إلى من يفجّرها ويمنحها الفرصة للانطلاق، ويطلق طاقتها المختزنة عبر آلاف السنين من عمر الحضارة العربية.
من هو كارلوس سليم، وكيف استطاع تحقيق تلك المعجزة الاقتصادية، متحولا من ابن مهاجر فقير إلى بليونير العالم الأول؟
المهاجر.. وبدايات النجاح
لا يعرف الكثير عن كارلوس سليم في مرحلة البدايات، والتي يعود الأصل فيها إلى والده المنتمي إلى عائلة حداد، والذي وصل إلى المكسيك في بدايات القرن العشرين (1902 تقريبا) كواحد من ذلك الجيل اللبناني الذي عرف الهجرة مبكرا، وكان ميلاده في العام 1940، وهناك في الأراضي المكسيكية افتتح الوالد محلا صغيرا للبقالة، أضاف إليه لاحقا متجرا آخر لأدوات الحياكة اسماه «نجمة الشرق».
عرف عن كارلوس منذ صباه ولعه بأعمال التجارة والبيع والشراء، فكان بمجرد انتهاء اليوم الدراسي، يسارع إلى متجر والده يراقب العملاء وحركة البيع والشراء، وهو ما لفت إليه أنظار الجميع في ذلك الوقت المبكر، وقد توفي والده يوسف سليم وهو في الثانية عشرة من عمره، غير انه بإصرار عجيب مضى قُدما في إكمال مسيرة والده في المتجر، لينمو باطراد واسع.
وبرغم مشقة العمل المبكر فإن ذلك لم يحُل دونه ودون التفوق الدراسي، إذ التحق بكلية الهندسة ليتفوق فيها، وليبدأ بعد الدراسة طريق النجاح من خلال شرائه شركة «سيتاغام» الناشطة في صناعة التبغ والسجائر، ثم لاحقا يؤسس شركة مقاولات، ومن نجاح إلى نجاح حتى يصبح رئيسا لأكبر شركة تأمين في المكسيك، ونائبا لرئيس البورصة، وبعدها أنشا شركة كبرى للعقارات أسهمت كثيرا في نمو أعماله.
كانت فكرة كارلوس، التي جلبت له آلاف الملايين، هي شراء الشركات التي تعاني من صعوبات مالية بأسعار منخفضة، ومساعدتها على الصعود، وفي التسعينيات انصرف سليم إلى الاستثمار في مجالات الاتصالات، وذلك كي يستفيد من النمو في قطاع الاتصالات الخليوية.
أما الصفقة التي قذفته إلى داخل قائمة أغنى أغنياء العالم فكانت شرائه الشركة الوطنية للاتصالات في المكسيك «تليمكس»، وذلك بسعر قيل حينها إنه أقل من مستوى السوق.
وخلال هذه الفترة اتهمه خصومه بالتواطؤ مع الرئيس المكسيكي كارلوس ساليناس، الذي اعتُبر وقتها رمزا للفساد في البلاد. أما المنافسون في الخارج فلم يتوقفوا عن التذمر من حالة شبه الاحتكار التي تمتعت بها تليمكس في المكسيك.
شركاته
ويرأس سليم مجالس الإدارة في شركات امتلكها على مراحل، وأهمها شركة كارلوس للمشاريع والالتزامات العقارية المرتبطة بشقيقتها «إينبورسا» للسمسرة والاستثمار في الحقل العقاري بالبورصات.
وفي الفترة من 1981 إلى 1986 نشط كارلوس فاشترى 9 شركات متنوعة من النشاطات سواها، ومن بينها شركة «سيغوروس دي مكسيكو» المعتبرة الأكبر في المكسيك بين شركات التأمين.
بليونير ضد الهيمنة الأميركية
ويمثّل سليم نموذجا من رجال أعمال أميركا اللاتينية الذين يأبون أن يخضعوا للهيمنة الأميركية شكلا وموضوعا، إذ يتحاشى التحدث بالإنجليزية في المناسبات العامة، برغم أنه يتقنها ويقول عنه المقربون منه إنه يمزج بين ذكاء لامع ومعرفة دقيقة بقوانين اللعبة وأعصاب فولاذية، يبيع أكثر من ألف كمبيوتر يوميا، ومازال يلجأ إلينا بواسطة الهاتف، إذا كان يحتاج إلى معلومة يجهلها، كما يقول أحد معاونيه، ولا يخشى اللجوء إلى نوع من الشوفينية التي تحتقر مقلّدي الأميركيين وحتى إلى نوع من العائلية عندما تقتضي الحاجة.
يتحاشى كارلوس السياسة، ويساير أسيادها، إلا أنه في السنوات الأخيرة اقترب من حاكم مدينة مكسيكو اليساري «لوبيز اوبرادو» وأخذ يوجه انتقادات لاذعة لسياسة الرئيس فوكس الاقتصادية، وينظم دعوات يدعو إليها رجال الأعمال لانتقاد سياسات صندوق النقد الدولي، التي أوصلت أميركا اللاتينية إلى ما يراه إفلاس، مقترحا نموذجا بديلا قائما على النمو وخلق فرص العمل.
وعلى الرغم من شكوك البعض، ينفي سليم أن يكون لديه مشروع سياسي خاص، وأي توجّه لأن يكون «برلسكوني» أو «الحريري» المكسيكي، مبررا ما يقوم به بأنه مجرد حبه للبلد وخوفه عليه.
وبرغم رفض سليم للهيمنة الأميركية وسياساتها التوسعية والإمبراطورية في بلاده فإن هذا لم يمنعه من البحث عن أفضل سبل استثمار المال في أميركا، وهذا ما حدث عندما تمكّن من الحصول على أكبر قدر من أسهم شكة «MSI» وشركة فيليب موريس لإنتاج السجائر، كما أسس شركة موجهة للجمهور اللاتيني بالاشتراك مع بيل غيتس. وبرغم نفيه المستمر لفكرة دخوله معترك العمل السياسي فإن منتقديه يرون أنه واقع بالفعل في براثن وأحضان السياسيين، حيث إن المال من دون نفوذ سياسي يحميه لا قيمة له، ويدللون على صدق حديثهم هذا بما تردد عن صفقة «تليمكس للاتصالات» عندما كانت المكسيك غارقة حتى أذنيها في صفقات الخصخصة. كان ذلك في عهد الرئيس المكسيكي ساليناس، عندما فاز سليم بالصفقة بمبلغ 76 مليار دولار، برغم أن قيمة أملاك شركته في السوق كانت فقط 25 بليون دولار. وقد أثار ذلك اتهامات لسليم بأنه واجهة للرئيس المكسيكي في هذه الصفقة، خاصة أن الأول حصل على تسهيلات في عملية السداد. ولكن ثبت في ما بعد براءة أغنى أغنياء العالم الآن من تلك الاتهامات، عندما تم الكشف عن قيمة العروض التي قدمها المنافسون، حيث تبيّن أن عرضه لشراء الشركة هو أكبر العروض المقدّمة.
كارلوس.. صانع الخير للفقراء
ومن بين الجوانب المختلفة للحلو يأتي الجانب الاجتماعي والإنساني فأمام النقد الموجه له، وعد كارلوس بتقديم 10 مليارات دولار لخدمات الصحة والتعليم في المكسيك، خلال السنوات الأربع المقبلة، كما انشأ مؤسسة لتقديم خدمات الاجتماعية والتعليمية موّلها بمبلغ ملياري دولار.
غير أن للحلو وجهة نظر في مجال محاربة الفقر من خلال التبرعات، فقال ذات مرة معلّقا على تبرّع بيل غيتس الضخم للأعمال الخيرية إن مشكلة الفقر لا تُحلّ بالتبرعات، مضيفا أن التوسع في قطاع الأعمال يخدم المجتمع أكثر من القيام بدور بابا نويل.
ويقوم سليم أيضا بنشاط اجتماعي، فهو يساهم في مشاريع مساعدة الخارجين من السجون على الانخراط مجددا في المجتمع، كما انطلق مؤخرا في مشروع واسع جدا لإعادة تأهيل وترميم الوسط التاريخي لمكسيكو من أجل إعادة الحياة إليه.
ومع تزايُد ثروته بشكل متسارع، كان الرجل يسرع أيضا من وتيرة عمله الاجتماعي، ففي العالم 2003 كان يحتل المركز الخامس والثلاثين بين أثرياء العالم وبثروة قدرها سبعة مليارات ونصف المليار دولار، وقد قفز الرقم في العام 2004 إلى المرتبة الـ 17، وارتفعت ثروته إلى نحو 14 مليار دولار، ثم إلى المرتبة الرابعة العام 2005، لتبلغ ثروته 24 مليارا، ولتصل مؤخرا إلى ما وصلت إليه، ومع أنه يحلم بأميركا لاتينية مزدهرة، يكون للجميع هواتفهم النقالة، يريد كارلوس سليم القيام بنشاط آخر ومواجهة تحديات أخرى في مجال العمل الاجتماعي، والدخول إلى الصناعة النفطية.
كارلوس والنجاح... ابحث عن المرأة!
ويبدو أن كارلوس كان ولايزال يحمل الجينات العربية في دمه، إذ اعتبر على الدوام أن عائلته هي حصن الأمان بالنسبة إليه، وقد كانت زوجته هي حائط الصد الأول الذي يلجأ إليه في وقت الضيق، وضد تجارب الزمان الغادرة، لكن من أسف كان الزمن خصمه، وقد صرعه في زوجته صرعة جعلت طعم الحياة بالنسبة إليه مرّا.
لم تكن «سمية ضومط» مجرد زوجة، كانت صديقة ورفيقة رحلة كفاح ودرب جهاد، ومنها أنجب ستة أبناء.
من بين المواقف التي لا ينساها سليم في مسيرة أعماله مع زوجته وأولاده أنه عشية فض عروض مناقصة «تليمكس»، تلك الصفقة التي كانت بمنزلة نقلة غير مسبوقة للحلو، أن جمع زوجته وأولادهما وأقسموا معا على أنهم إن وفّقوا في مسعاهم، فلن يبيعوا أسهمهم قبل جيلين، وأعطى الشركة الأم في الكونسورتيوم اسم «كارسو» الذي هو مزيج من كارلوس وسمية.
كانت فلسفة كارلوس العائلية تحتّم عليه قضاء كثير من الوقت مع زوجته وأولاده، ولم يكن الأمر يكلفه سوى أن يغلق هواتفه المحمولة، ويوكل مساعديه في إدارة بلايينه، غير أن القدر اختطف منه سمية في العام 1999، كانت تجلس بجواره في المقعد المجاور على متن طائرتهما الخاصة تذكّره بذكريات سعادتهما الطويلة، وفجأة سكتت بين يديه عن الكلام، في بادئ الأمر خيّل إليه أنها نائمة، إلا أن رقادها طال، وهنا أدرك أن رفيقة الدرب ذهبت بعيدا، وهنا يقول البعض إنه إذا كان سليم قد بكى لدى سماعه أنه أصبح أغنى أغنياء العالم، فإن دموعه تنبع أصلا من غياب ذلك الطرف، الذي لولاه لما قدّر له أن يمضي في مسيرته هذه إلى منتهاها بهذا النجاح.
ولايزال سليم يذكر تلك الليلة عشية إجرائه عملية قلب مفتوح قبيل وفاتها، عندما أدارت له أغنية لمواطنته في بلاد الأجداد «ماجدة الرومي» تسأل فيها المطربة «أغدا عندما يدخلون قلبك الجريح.. أتراهم يقرؤون فيه اسمي؟»، وكان بالكلمات القليلة التي يدركها من اللغة العربية يجيب زوجته والدموع تنهمر من عينيه... نعم سيقرؤونه، ولن يقرؤوا غيره في قلبي، وانهمرا في البكاء، وليبق سليم في ما بعد يبكيها بمفرده.
وتخليدا لذكرى سمية فقد جمع كافة الأعمال الفنية، التي كان مولعا بها منذ حداثته في متحف بناه باسم «سمية» في وسط المراكز التجارية في مكسيكو سيتي، وفيه نحو 120 منحوتة للفنان الفرنسي العالمي أوغست رودان، من بينها واحدة برونزية لتمثال المفكر ولوحات لرسامين كبار، أمثال رونوار وآل غريكو، وكأني به يؤكد على الدوام أن العائلة تأتي أولا، وأن المال الكثير لا يتعارض مع الحياة الشخصية والعائلية.
إمبراطورية سليم.. إلى أين؟
ويبقى دائما التساؤل عن مصير تلك الإمبراطوريات المالية التي نجح الجيل الثالث من المهاجرين العرب في تكوينها في بلاد المهجر، بعد عقود طويلة من الكد والعرق والجهد الجهيد.. وفي حال امبرطورية كارلوس سليم، الواضح أن الرجل بدأ يشعر بأنه قد حان الأوان لأخذ قسط من الراحة بعد سنوات العناء، وقد كان يود لو كانت سمية إلى جواره. ويشير مؤخرا إلى أنه كان من المفترض أن يصبح الآن متقاعدا، وقد بدا واضحا أنه يوكل، ولو بصورة تدريجية، إدارة إمبراطوريته الاقتصادية إلى أبنائه الثلاثة كارلوس وماركو انطونيو وباتريسو، الذين يمثلون الجيل الرابع من عائلة حداد، وبجانب أبنائه يقف زوج ابنته ذو الأصول العربية اللبنانية كذلك «دانيال أبومراد»، لكن الجيل الرابع لا يستغني أبدا عن خبرة وحنكة الأب، الذي لم يتخل تماما عن أعماله، وإنما يحاول التخفيف عن كاهله من أعباء الإمبراطورية المتوسعة يوما بعد يوم.
ولعل جزءا من سر النجاح العبقري للحلو يكمن في الطريقة العلمية المتبعة للوصول إلى النجاح، وهي الاستعانة بأهل الخبرة والعلم، لا بأهل الحظوة، وهذا ما يؤكده معاونوه، إذ يقولون إن الرجل يقرّ ويتعرف دائما بأن رجل الأعمال يجب أن يكون مطيعا لمستشاريه في ما لا يملك خبرة كافية فيه، وهو وفق العاملين معه لا يستنكف عن الاتصال هاتفيا بهم في أي وقت لسؤالهم عن معلومة مهما بدت تافهة، كما أنه يحرص على الاستفادة من خبرات العاملين معه مهما صغرت مراكزهم، وهذه هي روح النجاح التي قادته ليتربع على قمة هرم الأثرياء في العالم

انفورمرسيريا
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات