بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
بين سليمان الحلبي والمعلم يعقوب
  24/03/2010

بين سليمان الحلبي والمعلم يعقوب


(إذا أردت أن يكون قرارك من رأسك, فلابد أن يكون رغيفك من فأسك).. طلعت حرب

فيصل جلول*

 كان الفتى سليمان الحلبي في مطلع العشرينيات من عمره عندما أرسله والده من قرية "عفرين" الواقعة شمال غرب "حلب" في أقصى الشمال السوري إلى "القاهرة" لتلقي العلوم الإسلامية في جامعة الأزهر الشهيرة عام 1797م، وقد فاجأته حملة "نابليون بونابرت" العسكرية على مصر عام 1798م كغيره من المصريين والعرب المقيمين.
وكان سليمان محبا للشيخ أحمد الشرقاوي قائد انتفاضة "القاهرة" الأولى ضد الغزاة في أكتوبر/تشرين الأول 1798م والتي انتهت بدخول الخيالة الفرنسيين إلى الأزهر وتدمير محتوياته ومن ثم اعتقال الشيخ الشرقاوي وقطع رأسه، فأصيب الحلبي بصدمة كبيرة وغادر مصر إلى "حلب"، لكنه رجع إلى "القاهرة" مجددا عام 1800م بعدما عرج على "القدس" ثم على "غزة" حيث التقى ياسين آغا الذي أعطاه أربعين قرشا هي كلفة السفر إلى مصر، فاشترى خنجرا من متجر غزاوي وتوجه إلى الأزهر ومنه انطلق لاغتيال الجنرال" كليبير" قائد الحملة العسكرية المعين بعد رحيل "بونابرت" خفية إلى فرنسا.
نجح الحلبي في طعن "كليبير" ست طعنات قاتلة، وقد ألقي القبض عليه وأعدم بواسطة الخازوق وتركت جثته معلقة أياما في" تل العقارب" لتنهشها الطيور الكاسرة، ومن ثم جمعت عظامه وأرسلت إلى فرنسا حيث ما زالت حتى اليوم محفوظة في أحد متاحفها.
يمكن اعتبار الحلبي دون تردد مقاوما بارزا إن لم يكن الأبرز في أول صدام بين العرب والغرب في العصر الحديث، ذلك أن ما فعله ليس أقل من تغيير وجه الغزوة العسكرية الفرنسية لمصر. فقد تسلم الحملة بعد "كليبير" الجنرال "جاك (عبد الله) مينو" الذي أخفق في الاحتفاظ بمصر تحت سيطرة الفرنسيين، وعنه قال بونابرت "لو تسلم قيادة الحملة جنرال آخر غير مينو لربما بقيت مصر حتى اليوم ضمن الممتلكات الفرنسية".
سيسير على رسم الحلبي آخرون في عالمنا العربي الواسع وسيلعبون أدوارا باهرة في طرد المستعمرين من بلداننا، فبعد مضي عقود قليلة سيقاتل الأمير عبد القادر الجزائري القوات الفرنسية المحتلة ببسالة ولسنوات طويلة مستندا إلى أهله ومخذولا من العثمانيين حلفاء فرنسا في حينه، وسيلتقط الراية آخرون من بعد حتى تحطيم أسطورة الجزائر الفرنسية وإعادتها إلى أهلها العرب والمسلمين بعد قرن وثلث القرن من الاستعمار الاستيطاني، وستظهر من بعده أعلام في المقاومة الجزائرية من طراز ديدوش مراد والعربي بن مهيدي وجميلة بوحيرد وآخرون، وكان كلما سقط عدد منهم تزغرد نساء الجزائر يوم دفنه.
وفي شمال أفريقيا أيضا سيقاتل الشيخ الليبي الكهل عمر المختار(73 عاما) حتى الرمق الأخير، وهو يقول للمستعمر الإيطالي الذي دعاه للاستسلام "نحن لن نستسلم.. ننتصر.. أو نموت".
وسيقاتل شبان يمنيون الجيش البريطاني في عدن حتى فوزهم بالاستقلال عام 1967 بعد استعمار طال أكثر من قرن وثلث القرن، وسيقاتل مقاومون في سوريا ومصر وفلسطين في القرن العشرين حتى تحرير بلدانهم من الاستعمار، وسيسير على خطى سليمان الحلبي مواطنه السوري الأرثوذكسي "جول جمال" في غزو السويس عام 1956 عندما هاجم المدمرة جان دارك بطراد صغير، وكان والد "جمال" الطبيب البيطري يحفظ القرآن غيبا مع التمسك الصارم بإنجيله.
وحتى اليوم يواصل فلسطينيون وعرب القتال والمقاومة في حركة متواصلة ومتوارثة منذ أواخر القرن الثامن عشر وصولا إلى مقاومي غزة ولبنان والعراق الذين سطروا صفحات مشرفة في المقاومة والنضال ضد الاحتلال الصهيوني والأميركي، وهم اليوم -كما الحلبي بالأمس- الأكثر شعبية والأكثر مدعاة للفخر بين أهاليهم، في حين تنطوي ذليلة صفحة المتخاذلين والمتعاونين مع المحتلين الأجانب المتعددي الجنسيات.
المعلم يعقوب
في سياق المقاومة المستمرة للمحتلين الأجانب كانت تتشكل في بلداننا مجموعات موالية لهم تؤيدهم أو تقاتل معهم، ومثلما كان الحلبي رمزا للمقاومة في الحملة الفرنسية كان "المعلم يعقوب" رمزا للتعاون والقتال مع المحتلين.
وعنه يقول الجنرال "جاك (عبد الله) مينو" في رسالة إلى بونابرت "إني وجدت رجلا ذا دراية ومعرفة واسعة اسمه المعلم يعقوب، وهو يؤدي لنا خدمات باهرة منها تعزيز قوة الجيش الفرنسي بجنود إضافيين من القبط لمساعدتنا". وقد تولى يعقوب وظائف عديدة في خدمة المحتل، من بينها جمع الضرائب لمصلحة الفرنسيين بأبشع الوسائل من المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وكان أهالي الصعيد يسمون جيش الحملة الفرنسية على أراضيهم جيش "المعلم يعقوب" الذي كوفئ على خدماته بأن عين جنرالا على رأس فرقة من المتعاملين الأقباط يختلف المؤرخون في تقدير حجمها بين ألف وألفي مقاتل.
وعندما هزم البريطانيون والعثمانيون الحملة الفرنسية عام 1801م، اختار "المعلم يعقوب" السفر مع المحتلين وركب إحدى البواخر الإنجليزية لهذه الغاية، لكنه أصيب بالحمى ومات بعد يومين من الإبحار، وقد أوصى بأن ينقل إلى فرنسا ويدفن إلى جوار صديقه الجنرال "ديزيه". غير أن بعض المؤرخين يرجحون أن تكون جثته قد ألقيت في البحر ولم تصل إلى البر الفرنسي، في حين يرى آخرون أن جثته حفظت في برميل من النبيذ ودفنت في مرسيليا وسط احتفال رسمي تنفيذا لوصيته.
وعلى الرغم من انتمائه المسيحي وتشكيل مليشيا قبطية موالية للمحتل، فإن "المعلم يعقوب" لا يعكس موقف غالبية الأقباط من الحملة الفرنسية، فهم قاوموا المحتل إلى جانب المسلمين فضلا عن تبرؤ الكنيسة القبطية منه والحكم عليه "بالحرمان" الديني.
ونجد أمثال "المعلم يعقوب" في كافة الحملات الأجنبية على بلداننا، ففي الجزائر قاتل جيش من الحركيين المسلمين إلى جانب المحتل الفرنسي وخرجوا معه، وفي عدن هرب الموالون للمحتل مع الجنود البريطانيين، وصولا إلى لبنان عام 2000 حيث شهدنا بأم العين هروب "جيش لبنان الجنوبي" وأنصاره إلى إسرائيل مع المحتل الصهيوني الذي لم يتجشم عناء إخطارهم بموعد انسحابه إمعانا في إهانتهم والعبث بمصيرهم.
عناصر الخضوع والمقاومة
تحيل ثنائية المقاومة والتعاون مع المحتلين الأجانب في مثالي الحلبي والمعلم يعقوب إلى عناصر الممانعة والخضوع في ثقافتنا السياسية العربية الحديثة منذ الصدام الأول مع الغرب الذي أخذ يسود العالم مع انطلاق الثورة الصناعية بأوروبا في القرن السابع عشر.
وهنا لابد من التمييز بين الحملات العسكرية الغربية الحديثة على بلداننا ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر وبين الحملات الصليبية التي بدأت أواخر القرن الحادي عشر واستمرت إلى أواخر الثالث عشر، وقد تمت في ظل سيادة العرب والمسلمين بينما تمت الثانية في سياق خضوعهم وتراجع سيادتهم على القسم الأكبر من أراضيهم وانحسار تأثيرهم على المسرح الدولي.
وإذ نصنف عناصر المقاومة والخضوع في سيرتنا السياسية الحديثة فإننا لا نعتبرها اختصاصا عربيا حصريا، ذلك أن مجمل الشعوب والحضارات عرفت خلال تاريخها الطويل ما يشبه هذه العناصر، ولعل حضارات انهارت وذوت بفعل تغلب عناصر الخضوع في ثقافتها السياسية، في حين صمدت حضارات أخرى ودامت بفعل غلبة عناصر الممانعة والمقاومة في ثقافتها. وإذ تنهض الحضارة العربية والإسلامية أو تسعى للنهوض، فإنها تدين بذلك إلى انحسار تيار الخضوع في ثقافتها لصالح تيار الممانعة والمقاومة، ولعلنا اليوم نعيش لحظة باهرة في هذه السيرورة مع انتصارات المقاومة وتنامي قوتها في المشرق العربي.
أما عناصر الخضوع فيمكن الإشارة إلى بعض مظاهرها وتشخيصها من خلال أحكام استصغارية مهينة نرددها عن أنفسنا أو يرددها الآخرون عنا ونأخذ بها ونتبناها في لحظة غضب مثل "العرب جرب" أو "اتفق العرب على ألا يتفقوا" أو ".. العرب يدمرون العمران". وقد نسمع أيضا ونردد أحكاما من غير العرب لا تقل استخفافا بهم من نوع "العرب يهربون لحظة إطلاق الرصاصة الأولى في الحرب مع أعدائهم" أو "لسنا كالعرب حتى نهرب قبل بدء المعركة" أو ".. العرب لا يفهمون إلا لغة العصا" كما يردد المستشرق برنار لويس، أو "العرب كالصراصير يجب التصدي لهم بالمبيدات" بحسب حاخام صهيوني، أو "يتوجب منع الرقص الشرقي العربي لأنه ينتمي إلى ثقافة منحطة" بحسب حاخام آخر هو موشيه عامي، أو "العرب ينتمون إلى حضارة متخلفة" بحسب سيلفيو برلسكوني ..إلخ.
عندما ترد هذه الأقوال على لسان العرب وعلى ألسنة غيرهم فإنها تعكس قدرا مهولا من السذاجة والاستخفاف بالذات العربية، وتقديرا بائسا يملي رؤوسا مطأطئة يسهل تحريكها في الاتجاهات الهابطة وحمل أصحابها على الرضا بمرتبة دونية بين البشر، وبالتالي الخضوع لمشيئة الأجنبي القوي المسيطر والمتحكم عن بعد أو المحتل مباشرة كما هي حال الصهاينة في فلسطين والولايات المتحدة في العراق.
ولعل هذا النوع من الأحكام الاستصغارية التي نستنبطها ونرددها هو الذي يعين تيار الخضوع في صفوفنا على تولي زمام الأمور في القسم الأكبر من بلداننا تحت سقف السيطرة الأجنبية، فعندما نرى أن العرب لا يتفقون وأن خلافاتهم أبدية وبالتالي لا يعول عليهم، فهذا يعني أنهم جديرون بالخضوع لمشيئة الأجنبي الغالب وللرسم الذي يرسمه لهم وبالتالي الانتظام في هرمية يحددها الغالب الأجنبي للمغلوب العربي، والاستجابة لما تمليه هذه الهرمية من قناعات وحجج سياسية غالبا ما تستخدم لشيطنة التيار المقاوم والممانع والنيل من عزمه والحد من انتشاره.
بالمقابل، ما انفك التيار المقاوم يدافع عن خطاب سياسي رافض للخضوع وباحث عن نهضة تسترجع الحلقة المفقودة بين ماضي العرب المجيد وحاضرهم ومستقبلهم الذي يرونه في الشراكة مع الأمم المسيطرة على عالمنا وليس عبر التبعية لها، وهنا نتوقف مع نموذج للخطاب المقاوم لدى الأمير النهضوي شكيب أرسلان، وهو خطاب يختصر إلى هذا الحد أو ذاك قيم الممانعة التي يعتمدها عرب المقاومة منذ المجابهة الأولى مع الحملة الفرنسية الغربية في القرن التاسع عشر.
شكيب أرسلان وطلعت حرب
في العام 1930 تلقى العلامة النهضوي محمد رشيد رضا رسالة يقترح صاحبها أن يرد الأمير النهضوي أيضا شكيب أرسلان في مجلة "المنار" على سؤال مصيري: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ مختصر الرد الأرسلاني أن المسلمين تقدموا بواسطة الإسلام وتخلفوا عندما أهملوا واسطة تقدمهم.
هذا الإهمال ماثل في وجوه عديدة من بينها أن رهطا من نخب المسلمين وحداثييهم بخاصة كانوا وما زالوا يعتبرون التخلي عن الإسلام شرطا للتقدم. لدحض هذا الاعتقاد يبرهن الأمير الدرزي اللبناني على أن كل المتقدمين في الغرب لم يتخلوا قيد أنملة عن أديانهم ومعتقداتهم التي شكلت خلفية لهذا التقدم، ويقارن حضور الإسلام بين المسلمين -كوسيلة حضارية وليس كواجبات دينية فحسب- بعجز شعري لطرفة بن العبد ".. كباقي الوشم في ظاهر اليد"، وذلك للقول إن ضعف الحضور الإسلامي في ثقافة العرب والمسلمين يفسر منطقيا تخلفهم عن غيرهم، طالما أن الإسلام نفسه يقدم تفسيرا لتقدمهم على غيرهم خلال قرون طويلة.
كان العرب في عصر الأمير الأرسلاني يكافحون من أجل البقاء، حيث تتعرض أراضيهم للاستيطان الأجنبي والتنصير في الجزائر بخاصة وشمال أفريقيا عموما والتهويد في فلسطين، وكان مصيرهم في عرف المستوطنين محكوما بمصير الهنود الحمر من سكان أميركا الأصليين، وكان لا بد من مواجهة هذا المصير بنهضة جديدة كانت دفاعية.
ورأى أرسلان بشائرها في مشروع سكة الحديد بين الشام والحجاز وفي النظام الأمني الذي أقامه الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية وفي مبادرة بنك مصر والمشاريع الرائدة التي أطلقها طلعت حرب في القاهرة وامتدت إلى سوريا ولبنان وفلسطين والحجاز، فضلا عن مبادرات أخرى مماثلة.
وعلى الرغم من أهمية الأمثلة النهضوية التي يشير إليها فإن التجربة المصرية تستحق وقفة قصيرة لما تسلطه من أضواء على واقعنا الراهن
في أصول الخطاب السياسي
نحو التحرر من خطاب الغلبة

كان طلعت حرب نموذجا للنهضوي الذي يتطلع إليه الأمير اللبناني، فهو حافظ للقرآن ومتمسك بالتقاليد الإسلامية ويتمتع بوعي تاريخي وإدراك عميق لعناصر القوة والضعف في عصره، ومسكون بإرادة قوية لامتلاك ناصية التقدم المفيد لمصر وللأمة العربية. ونقف على ملخص لتفكيره النهضوي في ويكيبيديا مقال كتبه عام 1907 على صفحات "الجريدة" قال فيه "نطلب الاستقلال العام ونطلب أن تكون مصر للمصريين وهذه أمنية كل مصري، ولكن ما لنا لا نعمل للوصول إليها؟ وهل يمكننا أن نصل إلى ذلك إلا إذا زاحم طبيبنا الطبيب الأوروبي ومهندسنا المهندس الأوروبي والتاجر منا التاجر الأجنبي والصانع منا الصانع الأوروبي؟ وماذا يكون حالنا ولا (كبريته) يمكننا صنعها نوقد بها نارنا، ولا إبرة لنخيط بها ملبسنا، ولا فابريقة (تعني باللاتينية المحترف أو المصنع الصغير) ننسج بها غزلنا، ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا من البلاد الأجنبية، فما بالنا عن كل ذلك لاهون ولا نفكر فيما يجب علينا عمله تمهيدا لاستقلالنا إن كنا له حقيقة طالبين وفيه راغبين، وأرى البنوك ومحلات التجارة والشركات ملأى بالأجانب وشبابنا إن لم يستخدموا في الحكومة لا يبرحون القهاوي والمحلات العامة، وأرى المصري هنا أبعد ما يكون عن تأسيس شركات زراعية وصناعية وغيرها، وأرى المصري يقترض المال بالربا ولا يرغب في تأسيس بنك يفك مضايقته ومضايقة أخيه وقت الحاجة، فالمال هو (أس) كل الأعمال في هذا العصر وتوأم كل ملك".
في ضوء هذه القناعة حول طلعت حرب رأس المال إلى وسيلة إنتاج قومي حين كان غيره ينظر إليه بوصفه وسيلة تراكم ريعي شخصي عابر للمكان والزمان، ولعل مصر تدين لهذا الاقتصادي النهضوي حتى اليوم بالسينما الوحيدة في العالم العربي وبالكثير من المنجزات الصناعية الأساسية فضلا عن بنك مصر بطبيعة الحال.
لم يكن بوسع طلعت حرب أن يصنع منفردا ربيع العرب والمسلمين، فكان أن قهرته ثقافة الخضوع المتراكمة كما ستقهر من بعد المشروع النهضوي الناصري.
المؤسف أن تجربة طلعت حرب لم تتحول إلى ظاهرة عامة بل ظلت مثالا فرديا يحاكي أمثلة مشابهة في التاريخ العربي منذ العصر العباسي، وهي أشبه بتجربة الخليفة المأمون صاحب مشروع المناظير الفلكية الشهيرة، فمنذ هذه التجربة كانت شخصيات عربية مسلمة تلمع منفردة دون أن تتحول إلى مدرسة جديرة بالانتشار كما يلاحظ المستشرق المنصف لويس يونغ في كتابه الشهير "العرب وأوروبا"، ما يعني أن شرط النهضة يكمن ليس في تكوين حفنة من النهضويين المعزولين وإنما في ثقافة نهضوية عامة محمولة من سلطة سياسية تضع حدا لقرون من ثقافة الخضوع والتقوقع العربية.
في أصول الخضوع السياسي
إذا كان من السهل الربط بين ثقافتنا العربية الإسلامية وظواهر المقاومة التي لم تنقطع على امتداد تاريخنا الحديث، فإن تفسير انتشار تيار الخضوع في صفوفنا يحتاج إلى وقفة أطول ألخصها في الخطوط العريضة التالية:
أولا- الخلفية العقيدية للخضوع تعود إلى زمن طويل بدأ في القرنين العاشر والحادي عشر حين اندلع سجال بين المفكرين العرب المسلمين حول العلاقة بين علوم العرب الدينية وعلوم الأجانب الفلسفية، وقد حسم السجال لصالح الفصل بين علوم العرب وعلوم الأجانب وبالتالي تحريم الاتصال فيما بينها، وكان أن هزمت دعوة ابن رشد الرامية إلى تحقيق الاتصال وانتصرت دعوة أبي حامد الغزالي التي تقول بوجوب الفصل. وترتب على ذلك أن صارت علوم الأجانب في خانة الكفر وصارت العلوم الدينية الإسلامية المفصولة عن كل علم أجنبي هي المرجع الحصري لكل أشكال الحياة، وبهذه القطيعة تصرف العرب والمسلمون كمن يطلق النار على أهم عناصر نهضتهم القائمة أصلا على دمج علوم الأجانب في الحضارة العربية الإسلامية وترجمتها والإفادة من عناصر التقدم فيها، واستخدامها في بناء حضارة الأندلس التي تسطع حتى اليوم في سماء الغرب والعالم بأسره.
وإذ يعيد العرب والمسلمون اليوم الاتصال بعلوم الأجانب دون مراجعة خطئهم التاريخي، فإنهم يحتاجون إلى جهود جبارة لتجسير الهوة الزمنية الساحقة التي امتدت لأكثر من سبعة قرون بين علومهم وعلوم الأجانب.
ثانيا- أدى الفصل بين علوم العرب وعلوم الأجانب إلى التخندق في موقع دفاعي رأينا أنه لم يكن كافيا للحؤول دون سقوط الأندلس بل وسقوط كل بلاد العرب والمسلمين من بعدُ تحت السيطرة الأجنبية ابتداء من القرن التاسع عشر وحتى أواسط ستينيات القرن العشرين.
ثالثا- لم تتخذ حروب السيطرة على بلداننا أشكالا حربية بحتة، فقد عمد المحتلون الأجانب إلى اختراق دفاعاتنا العقيدية عندما نجحوا في تفكيك سيرتنا الحضارية وجعلوها عابرة بين حضارات فرعونية وفينيقية وسبئية وبابلية وآشورية وكلدانية مبجلة في نظرهم، وبين حضارة غربية ظافرة ومحمودة، وصرنا وما زلنا نستبطن هذه السيرة الحضارية، والدليل أننا في مجال الآثار نبجل ونصرف ميزانيات ضخمة لترميم الآثار الرومانية ونهمل الآثار الإسلامية بل نجعلها تنهار أمام أعيننا، وهو ما يحصل في مصر على سبيل المثال حيث تهمل الآثار الإسلامية وتبجل الآثار الفرعونية، وفي لبنان وسوريا تصح المقارنة بين قلعة طرابلس وأسواقها الإسلامية القديمة ودمشق القديمة وقلعة بعلبك الرومانية والآثار الرومانية السورية.

لقد أدت هذه النظرة المستبطنة إلى حصر الحضارة العربية الإسلامية بين هلالين وبالتالي ترتيب العرب والمسلمين في سياق هرمي يهمل وسيلة تقدمهم ونهوضهم على ما يلاحظ الأمير شكيب أرسلان، ويربط تقدمهم باتباع النمط الغربي، علما بأن هذا الاتباع التافه وغير الإبداعي هو بالضبط ما فعلوه منذ أكثر من قرنين، وهو ما يضمن موقعهم الدوني في الهرمية الحضارية المعاصرة.
رابعا- على الرغم من نجاح العرب في تسطير صفحات رائعة في مجال المقاومة والممانعة فإن الأمر كان وما زال محصورا في الجوانب الحربية والتضحيات الإنسانية، ولم يرتسم على هامش هذه الانتصارات تحول عقيدي فارق يعيد الربط المنشود بين علوم العرب وعلوم الأجانب، لذا كانت الانتصارات تدوم لبعض الوقت ثم تذوي كما هي حال التجربة الناصرية التي لمعت في سماء العرب لمدة 15 عاما وقلبت أوضاعهم رأسا على عقب وتمت تصفيتها في بلد المنشأ خلال خمسة أعوام مضت على رحيل مؤسسها في سبتمبر/أيلول 1970.
نحو التحرر من خطاب الغلبة

استمعت ذات مساء في العام 2007 إلى نادل تركي في إسطنبول يشرح لي كيف أن العرب ليس لديهم "ناموس" أو بلغته "عرب ناموس يوق"، فهو يقول إن العرب يقدرون بنحو 300 مليون نسمة بينما عدد سكان إسرائيل لا يتعدى الخمسة ملايين، ويرى أنه لو اجتمع كل العرب على حدود إسرائيل ورموها بالحجارة الصغيرة لربما تزول الدولة العبرية التي تهينهم وتنتصر عليهم في حروب خاطفة. ولعل أقوال النادل التركي نرددها أحيانا في أحاديثنا مشفوعة بعبارات التأسف والحسرة على تشتت العرب وانقساماتهم العبثية التي لا تنتهي.
من سوء الحظ أن مشاعر الأسف لا تكفي لرسم تصور مختلف لمصير التيار المقاوم عن مصائر المقاومات السابقة، وفي ظني أن الأمر يحتاج إلى تأمل في كيفية تحويل المقاومة إلى قاطرة ليس فقط من أجل إزالة الاحتلال وتحرير الأراضي المحتلة، وإنما كي تكون منطلقا لنهضة متدحرجة تبدأ بقهر المحتل وتنتهي بموقع الشريك في النظام الدولي، وكي يتم لنا هذا لا بد من التركيز على المنطلقات التالية:
أولا- الانتباه إلى أن الانتصار على أعدائنا يحرر قرارنا السياسي من التبعية ويضعنا في موقع السيد الحقيقي على كافة الشؤون، ويملي علينا التفكير بعقل السيد وليس التابع، والسيد هو من يسود نفسه في كل المجالات وليس في مجال واحد.
ثانيا- التغطية السياسية الحقيقية التي توفرها المقاومة والممانعة تتيح الانكباب على مشاريع الإنتاج الوطني الحقيقية التي توفر لنا قاعدة صلبة تدعم انتصارنا السياسي والعسكري وتمنحه الأبعاد الضرورية التي يحتاجها كي يترسخ ويصبح مرجعا للنظر في مجمل مصيرنا.
ثالثا- عقيدتنا الإسلامية تتيح لنا الاتصال بعلوم الأجانب أي بالحضارة الغربية الحديثة التي تملك مفاتيح الحياة العصرية دون الحاجة إلى الانفصال العلماني بين الدين والدولة الحديثة، لأنه ما من حضارة تقدمت على هذه القاعدة، والفصل العلماني بين الدين والدولة تم في الغرب بعد النهضة وليس قبلها.
لقد نهضنا في الأندلس على قاعدة الربط وليس الفصل بين الدولة والدين، ونهضنا في العهد العباسي على قاعدة الربط أيضا، وفي الحالتين ما كنا نحرم الاتصال بعلوم الأجانب، ما يعني أن الربط الميسر بين الدين والدولة معطوفا على الاتصال بعلوم الأجانب ومحميا بشرعية المقاومة، من شأنه أن يضعنا في سياق قطيعة ضرورية مع كل نمط ثقافتنا السياسية السابقة، وينقلنا إلى ثقافة جديدة هي المقدمة الضرورية لانطلاقة نهضوية حقيقية لطالما انتظرتها نخبنا منذ قرنين.
رابعا- يقولون في العلوم العسكرية إن حماية الأمصار لا تبدأ من حدودها المباشرة وإنما من مسافات بعيدة عن هذه الحدود، وعليه فإن انتصار المقاومة لا يكفي لحمايتنا على المدى الإستراتيجي البعيد وحتى يصبح مصيرنا مضمونا لآماد بعيدة، لا بد من تشكيل كتلة تاريخية شاملة لكل الميادين وتحمل مشروعا نهضويا مترابطا مع المقاومة، بحيث يغدو التعرض لها كأنه تعرض لأمة بكل مكوناتها وبالتالي من الصعب قهرها.
وهنا لابد أن نتذكر أن النصر الباهر الذي حققه صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين اقتصر على الجانب العسكري والدفاعي البحت ولم يعصم هؤلاء بعد ثمانية قرون عن غزو بلداننا والقول لصلاح الدين أمام قبره "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وحتى لا يأتي من يقول لنا ها قد عدنا لاحتلال أراضيكم، علينا أن ننتقل من موقع المنتصر مؤقتا إلى موقع المنتصر بنهضته الشاملة التاريخية، وعليه يجدر بروح المقاومة أن تنتج في صفوفنا طلعت حرب وليس صلاح عز الدين أو عثمان أحمد عثمان، وأن تنتج شكيب أرسلان وليس مداحين متحمسين على شاشات التلفزة، أي أنها تحتاج إلى أن نفتح ورشة إستراتيجية في كافة الميادين يكون فيها المقاتل الرائع ليس أقل أهمية من الباحث المقاوم والاقتصادي المقاوم والأستاذ الجامعي المقاوم ..إلخ، كل في مجاله.
إن انتشار روح المقاومة الشاملة في كل قطاعات الحياة هي الشرط الوحيد بل التاريخي لكي تكون مقاومتنا فرصة ليس فقط لطرد المحتل وقهره وإنما من أجل تحول مصيري ناهض مرة واحدة وإلى الأبد، فهل نحن فاعلون؟ هذا السؤال يسمى بلغة المسابقات التلفزيونية سؤال المليون، وكل سؤال آخر يبقى في الهامش ولا يعول عليه.

ـــــــــــ
ملاحظة: استندت في هذه الدراسة إلى كتابي "مصر في عيون الفرنسيس.. بحث في أصول الثقافة السياسية العربية" الصادر عن الدار العربية للعلوم في بيروت عام 2007، فضلا عن رسائل نابليون بونابرت المنشورة في مواقع عديدة على الشبكة العنكبوتية.

فيصل جلول ، هو باحث وكاتب لبناني مقيم في باريس ، له العديد من الكتب والمؤلفات والمشاركات الحوارية. عمل في جريدة السفير اللبنانية. وله العديد من الكتب والمؤلفات والمشاركات الحوارية. وهو من الخبراء بالشأن العربي المعاصر ومن القلة المتابعة عن كثب للشأن اليمني المعاصر.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات