بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
سَنَعُودُ يَا حَيْفَا وَتَحْتَفِلُ
  18/04/2010

 سَنَعُودُ يَا حَيْفَا وَتَحْتَفِلُ
د. خالد تركي - حيفا
لا يمكن لهذه السّنين السِّتِين أو يزيد أن تمرّ على هذه المدينة السَّاحليَّة الجميلة حيفا، عروس الكرمل، دون أن تنادي أهلها الذين تركوها ليعودوا إليها، إلى حضنها الدَّافئ الذي طالما تعوَّدوا عليه وأحبُّوه، مهما طال البُعاد. تناديهم حيفا كلَّ يوم من الغسق إلى الشَّفق.
لأنّ مناجاة حيفا تحمي وتين قلوبنا.
فمنذ أن نعقت الغربان المهاجرة في سمائها، وقطعت حبل وريدها وأرْهبت حتّى حمامها ويمامها ونوارسها ونسورها الذين فرُّوا، قسرًا، إلى ما وراء الحدود التي رسمها الدَّيناصور في لندن وباريس، بعد أن فتكت وهلكت زُغب الحواصل وهي في أعشاشها بعد أن فرَّختها "في الأراك" أو "في فروع السّاق" وهي تعيد قول الشَّاعر العراقيّ المنازي البندبيجي:
بِي مَا بِكِ يَا حَمَامَةُ فَاسْأَلِي مَنْ فَكَّ أَسْرَكِ أَنْ يَحُلَّ وِثَاقِي
كانت نكبة حيفا في شهر نيسان، حيث أَسقَطََت حيفا إلى الهاوية وأهلكت قاطنيها وأودَعُوهم في صناديق تعوم على مياه البحر التي اتَّخذت شمالاً نحو شواطئ بلاد الشَّام الشَّمالِيَّة الشَّقيقة ولَم يجدوا في طريقهم آسيا بنت مزاحم زوجة فرعون لتحضنهم وتخلِّصهم من عذابهم، ولَم يجدوا ذلك النَّبِيَّ الكليم الذي ذاق الأمرَّين من الفراعنة ليمنع عنهم التيه في الصّحراء وشظف العيش ويخرجهم منه بعد أن يشقَّ من حوله مياه البحر العميقة ويفتح طريق عودتهم، بل تركهم ليتيهوا في رمل وصحراء الوطن العربي حيث وجدوا درب آلامهم في شواطئه الكبيرة والواسعة، وفي فيافيه وبياديه وروابيه التي لَم تسعهم، أو لَم تقوَ على اتّساعهم وإيوائهم وحمايتهم وإسكان معظمهم بشرف وكرامة وشهامة عربيَّة كريمة، لأنَّ تلك البلاد، وإن كانت لذوي القربى، مهما كانت كبيرة وواسعة وعزيزة، لن تكون كمدينتهم حيفا أو كوطنهم فلسطين. فكان الحيفويُّ كغيره من بني كنعان الفلسطينيِّ جميل في المنفى وقتيل في روما..
وكانت سيوف جيش الإنقاذ وحكّام البلاد العربيّة والغربيّة وسيوف صهيون على
رقاب شعبنا أمّا قلوب شعوب وطننا العربي فكانت معنا، لكنّ القلب وحده لَم يستطع النّيل من سيوفهم..
وحين سكن المهاجرون حيفا بعد أن رحَّلوا أهلها الأصليِّين لَم يرفّ لهم جفن ولم
يخفق لهم قلب ولو بنبضة واحدة، ولم يسألوا أنفسهم السُّؤال الذي سأله رفيقنا نمر
مرقس، أبو نرجس، في كتابه أقوى من النّسيان ص 146:"..ألا يتساءل السُّكَّانُ الجدد عندما يرون هذه الكروم من هم غارسوها؟ وماذا حدث لهم حتَّى تركوها؟ ألا يتساءل من سكن منهم بيوتًا في تلك القرى أو في عكّا وحيفا..من كان بُنَاتها وآهِلوهَا قبل مجيئهم إليها وسُكّناهم فيها؟.."
لكنَّ الصّوت الوطنيّ الحرّ والشّريف في حيفا كغيرها من مدن وقرى البلاد لَم يتركها ولَم يجافيها بل بقي على العهد ينادي بحقِّ العودة الذي لا عودة عنه في كلِّ مناسبة ومظاهرة ومسيرة، ولا يسعني في هذا السِّياق إلا أن اقتبس بيتين من شعر المناضل داود تركي الذي لَم يترك حيفا بعد أن تحرّر من الأسر، بل اشترط عمليَّة تحريره ببقائه في حيفا وبقيَ في حيفا:
سَنَعُودُ يَا حَيْفَا وَتَحْتَفِلُ بِجُمُوعِنَا الوِدْيَانُ وَالجَبَلُ
وَتَضُمُّنَا الأحْضَانُ شَافِيَةً شَوْقًا بِهِ الأنْفَاسُ تَشْتَعِلُ
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات