بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
عبد الناصر وأردوجان وملحمة يونيو
  09/06/2010

عبد الناصر وأردوجان وملحمة يونيو


جهان مصطفى -

 رغم أن يونيو يرتبط في أذهان العرب بالنكسة وما ترتب عليها من كارثة احتلال إسرائيل للضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية ، إلا أن هذا لا ينفي أن هذا الشهر سطر أيضا نقاط تحول مضيئة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي والمقصود هنا شجاعة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان .
ففي 9 يونيو / حزيران 1967 وبعد أربعة أيام من النكسة ، خرج عبد الناصر على الملأ وفي شجاعة منقطعة النظير ليعلن تحمله مسئولية ما حدث وأنه بناء على هذا قرر التنحي من منصبه ليعود فردا مصريا عاديا يقاتل العدو ، إلا أن الجماهير خرجت في مظاهرات حاشدة في 10 يونيو تطالبه بالبقاء والاستعداد للحرب .
وكان من أبرز الهتافات في تلك المظاهرات " نريد ناصر لننتصر " ، وبالفعل رضخ عبد الناصر لرغبة الجماهير واستمر في منصبه ، وعلى الفور ، شرع في إجراء تغييرات في القيادات العسكرية ، حيث أقال المشير عبد الحكيم عامر من قيادة الجيش وعينه نائبا له ، كما قام بتعيين الفريق أول محمد فوزى قائد عاما للقوات المسلحة بدلا من عامر والفريق عبد المنعم رياض رئيسا للأركان فى 11 يونيو 1967 .
وفي 21 يونيو 1967 ، لجأ عبد الناصر للاتحاد السوفيتى لإعادة تسليحه ، ووقعت بالفعل صفقات السلاح بين البلدين ووصل خبراء سوفييت لتدريب الجيش المصرى على السلاح الروسى ، وفي مارس 1969 ، انطلقت حرب الاستنزاف والتي أكدت لإسرائيل أن الجيش المصري لم يصبح جثة هامدة مثلما كانت تزعم ليل نهار بل ومهدت أيضا للنصر العظيم في حرب 6 أكتوبر 1973 .
ورغم مرور 43 عاما على ما حدث 9 يونيو وفي ذروة يأس كثيرين في العالم العربي تجاه تمادي بلطجة إسرائيل في المنطقة بدعم أمريكي ، خرج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان على الملأ في 5 يونيو 2010 وفي موقف شجاع لا يختلف كثيرا عما فعله عبد الناصر ليكسر حاجز الصمت العالمي تجاه جريمة الحصار على قطاع غزة عقب المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل ضد أسطول الحرية .
مصير القدس واسطنبول
ورغم أن تعاطف أردوجان مع معاناة سكان غزة كان بدأ مع الحرب الإسرائيلية على القطاع اواخر 2008 وبداية 2009 ، إلا أن الجديد هو أنه ترجم هذا التعاطف لخطوات عملية عبر تسيير أسطول الحرية ، بل وتحدى أمريكا والغرب عندما أكد أنه لن يلتزم الصمت تجاه هذا الحصار الظالم .
ففي كلمة ألقاها خلال تشييع عدد من الشهداء الأتراك الذين سقطوا في الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية ، أكد أردوجان أن قدر غزة ليس منفصلا عن قدر أنقرة ، مشيرا إلى أنه أبلغ الولايات المتحدة بأنه لا يقبل تصنيف حركة حماس على أنها "منظمة إرهابية".
وأضاف أن حماس حركة مقاومة تقاتل للدفاع عن أرضها وأن الكثير من أعضائها معتقلون في السجون الإسرائيلية مع أنهم فازوا في انتخابات ديمقراطية وحرموا من حقهم في الحكم .
وتابع أردوجان أن الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية في المياه الدولية بالبحر الأبيض المتوسط "يظهر حالة الارتياب والصدمة" التي تمر بها الحكومة الإسرائيلية ، مؤكدا أنه إذا أدار العالم ظهره لفلسطين فإن تركيا لن تدير ظهرها للقدس والشعب الفلسطيني أبدا .
واستطرد " قدر الشعب الفلسطيني ليس منفصلا عن قدر تركيا وقدر غزة ليس منفصلا عن قدر أنقرة ومصير القدس مرتبط بمصير اسطنبول ، رام الله ونابلس ورفح وخان يونس وبيت لحم وجنين كلها مدن ليست منفصلة عن قونيا".
وأضاف "إذا صمت العالم فنحن لن نصمت، وإذا غض العالم الطرف عن تلك المذبحة فنحن لن نغض الطرف، وإذا بقي العالم متفرجا على حمام الدم فإننا لن نظل مكتوفي الأيدي ونترك ذلك الدم يجري، لأن ذلك لا يليق بالشعب التركي والأمة التركية".
ولم يقف الأمر عند ما سبق ، حيث كشفت مصادر في المنظمة التركية للإغاثة الإنسانية أن رئيس الوزراء التركى سيطلق الأسطول الأكبر والأضخم من تركيا إلى غزة خلال الأسابيع القادمة وسيحظى بمرافقة السفن الحربية التركية لمنع أية هجمات قاتلة ، فيما ذكرت شبكة "سي إن إن" الناطقة بالتركية أن أردوجان يفكر في التوجه بنفسه إلى غزة لكسر الحصار الإسرائيلي .
ووفقا لمصادر مقربة من رئيس الوزراء التركي ، فإنه في إطار المواجهة المفتوحة بين تركيا وإسرائيل عقب هجوم إسرائيل على أسطول الحرية فإن أردوجان يفكر في التوجه بنفسه إلى غزة لكسر الحصار وأنه طرح هذه الفكرة على الدوائر الرسمية القريبة منه ، كما أبلغ الإدارة الأمريكية بأنه ينوي الطلب من سلاح البحرية التركية مواكبة أسطول جديد لسفن الإغاثة يجرى الإعداد له للتوجه إلى غزة ، لكن المسئولين الأمريكيين طلبوا منه التريث لدراسة الموضوع.
وبالنظر إلى أن ما فعله أردوجان يبدو غريبا على عالم اليوم الذي لا يعرف سوى المعايير المزدوجة والتغطية المعتادة على جرائم إسرائيل ، فقد توجهت الأنظار جميعها إلى تركيا لمعرفة ما ستتخذه من خطوات لعقاب إسرائيل وإنهاء معاناة سكان غزة خاصة وأنها وضعت ثلاثة شروط لتجنب قطع العلاقات نهائيا مع تل أبيب وهي تقديم اعتذار رسمي لأسر ضحايا مجزرة أسطول الحرية والقبول بتحقيق دولي مستقل ورفع الحصار عن القطاع .
دروس وتساؤلات
ورغم أن البعض قد يستغرب الربط بين ما فعله عبد الناصر وما أقدم عليه أردوجان ، إلا أن الحقيقة أن هناك أوجه تشابه كثيرة بينهما وحتى في النتائج أيضا .

فالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لم يلتزم الصمت تجاه هزيمة 5 يونيو ولم يخجل من الاعتراف بالمسئولية وسارع لتصحيح الأخطاء ، الأمر الذي قاد فيما بعد لنصر أكتوبر العظيم والقضاء على أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر وهو ما اعتبر حينها نقطة تحول جوهرية في الصراع العربي الإسرائيلي.
أيضا ، فإن أردوجان لم يأبه برد الفعل الأمريكي ورفض في السابق استخدام الأراضي التركية في غزو العراق كما تحدى إسرائيل صراحة وفضحها على الملأ في منتدى دافوس ومجزرة أسطول الحرية وهو الأمر الذي أجبر الغرب على التحرك باتجاه رفع الحصار عن غزة بعد أربع سنوات من الصمت المخزي ، بل وتم تعرية الوجه القبيح لإسرائيل أمام الجميع وباتت في مواجهة مع الأحرار في كل مكان حتى في الدول التي طالما غطت على جرائمها ، وهو ما اعتبر أيضا نقطة تحول جوهري في الصراع العربي الإسرائيلي .
ما سبق يؤكد عدة أمور من أبرزها أنه لو أخذت موازين القوى في الاعتبار ما كان عبد الناصر سارع لتحرير الأرض المحتلة بعد نكسة 5 يونيو خاصة وأن إسرائيل كانت تردد حينها ليل نهار أن جيشها لا يقهر ، فهو كان يمتلك الإرادة ويثق في قدرات المصريين والعرب ولذا خرج العرب من كبوتهم سريعا واحتشدوا خلف مصر وسوريا وكان لهم ما أرادوا .
ورغم تراجع العمل العربي المشترك في السنوات الأخيرة ، إلا أن الحقيقة التي لاجدال فيها أن الوضع الحالي برغم أنه يبعث على الحزن إلا أنه في كافة الأحوال ليس أسوأ مما كان عليه في فترة النكسة ، بل إن هناك متغيرات جعلت صورة أمريكا وإسرائيل تهتز كثيرا ، فالولايات المتحدة تعاني من تداعيات الأزمة المالية كما أنها غارقة في العراق وأفغاستان وعجزت عن تحقيق أي إنجاز أمام المقاومة المتصاعدة هناك ، وبالنسبة لإسرائيل ، فإنها تلقت الهزيمة تلو الأخرى في السنوات الأخيرة على يد المقاومة في لبنان وفلسطين ، ولذا يتساءل كثيرون " لماذا تخشى بعض الدول العربية أمريكا وإسرائيل ؟ ولماذا وقف أردوجان بكل شجاعة ليتحدى الغرب غير عابيء بالغضب الأمريكي ، وهل لو عبد الناصر مازال على قيد الحياة كان سيسمح لزعيم غير عربي بتبني القضية الفلسطينية في ظل الصمت الرسمي العربي غير المبرر وغير المفهوم ؟".
وبانتظار الحصول على إجابات واضحة للتساؤلات السابقة ، فإن الأمر الذي لن يستطيع أحد التغطية عليه هو أن التاريخ لا يخلد سوى أصحاب المواقف الشجاعة أما السلطة فهي إلى زوال ، ولذا لا بديل أمام العرب سوى استعادة روح الفترة بين النكسة وحرب أكتوبر والثقة بالنفس ، فالوضع الحالي لا يليق بتاريخهم وحضارتهم ، كما أن غضب أمريكا لم يستطع تركيع كوبا رغم الحصار الخانق المفروض عليها منذ عام 1959 ، بل إنها نجحت في تكوين جبهة قوية مناوئة لنفوذ واشنطن في أمريكا اللاتينية .
وبالنسبة لتركيا ورغم أن البعض قد يشكك في نواياها الحقيقية ويؤكد أنها تتنافس مع إيران وإسرائيل على النفوذ في الشرق الأوسط بعد فشلها في الانضمام للاتحاد الأوروبي ، إلا أن الحقيقة التى لا جدال فيها هي أن الأمن القومي العربي مرتبط بعلاقات جيدة مع دول الجوار وخاصة تركيا ، الدولة المسلمة ، والتي يربطها تاريخ مشترك مع العرب ، بل إنه بعد سقوط الشهداء الأتراك التسعة في مجزرة أسطول الحرية توحد الدم العربي والتركي في الدفاع عن فلسطين ، قضية العرب والمسلمين الأولى .
والخلاصة أن العلاقات بين تركيا من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى كانت دوما وثيقة واستراتيجية ورغم ذلك فإن أردوجان لم يلتزم الصمت تجاه مأساة غزة ، فهل تتحرك الحكومات العربية في هذا الاتجاه قبل فوات الأوان ؟

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات