بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
الحرية تدفع ثمنها برأسك أما العبودية فمجانا: ميدان التحرير.. الكعكةً ا
  05/02/2011

الحرية تدفع ثمنها برأسك أما العبودية فمجانا: ميدان التحرير.. الكعكةً التي يُراق على جوانبها الدمُ
 

 صرتُ أصدِّق الآن أن الشعوبَ العربيَّة يُمكن أن تُسلِّفَ بعضها الدماء، ويمكن،إذا ساعدتها الظروف، أن تُغنِّي وترقص لبعضها، في العرس الذي لم تعرف البشرية أفدحَ منه، أومن كعكته الملتهبة.
صرتُ أصدِّق أن الشعوب ـ مثل أمهاتنا الحزينات ـ تتبادل الملابس والأوعية والثوراتِ نفسها، كلما استطاعتْ إلى ذلك سبيلاً، دون أن تتبادل كعكة الحرية، التي لا تحظى بهذا الاسم أبداً، قبل أن يسيلَ 'على جوانبِه الدمُ'.
الطريقُ إلى هذه الكعكة تقريباً واحدة، القلةُ تنفق بعضَ ما لديها لتحطيم إرادة الكثرة، التي تعود بعد أقل من ثلاثين عاماً غاضبةً، لتنهش حقها في الوجود، ولو لمرَّة واحدة. كتبُ التاريخ المصري تعجُّ بقصص تدفنُ الأملَ عن المُحتكرين، عن سارقي الأقوات والأحلام وناهشي البطون الجائعة، لا أعرف كيف لم ترَ الأنظمة العربية الدماء التي سالت من صفحات ' ابن إياس' و' المقريزي'، كيف لم ترَ مذابحَ التاريخ، وهي تتمسرح على أرضها، فريسةً فريسةً، ومجزرة تلو مجزرة، كأنَّ الدماء التي تسيل تحت أقدامهم تتخفى، لتنهشَهم في لحظة ما، فجأةً، من القاع، دون أن ينتبهوا لحماية مؤخراتهم.
حتى تميمةُ هذه الثورة في مصر كان شاباً بسيطاً ـ تقريباً لا يعمل ـ اسمه ' خالد سعيد'، سالت دماؤه في الشارع، تحت ضربات اثنين من الشرطة، مثلما أحرق ' التونسي' البوعزيزي نفسه بعد صفعة مثلها، تلك التي عمَّمتها بعض الأنظمة العربية على وجوه وأقفية الفقراء العرب، الذين انفجروا في وجه الظلم. كأنَّ الدمَ صار لغةً بمفرده، عندما يتعلق الأمر بالسياسة، يتكلم حين تُجبر الدولة الأطباء والمهندسين والمعلمين ورجال الدين والإعلام على الصمت، دمُ الفقراء صار لهجةً تصلح للتعاطي مع بعضِ الرؤساء، أخيراً، دمُ الفقراء ليس رخيصاً.
حتى ' غروب كلنا خالد سعيد' على الموقع الاجتماعي الشهير ' الفيس بوك' هو الذي حرَّك الشرارة الأولى لانتفاضة هذا الميدان، كأنَّ الدماء تحب أن تنادي بعضها ألكترونياً أحياناً، مثلما تنادت صفحات ألكترونية كثيرة دفاعاً عن البوعزيزي، وقضيته وشعبه. صورتا البوعزيزي وخالد سعيد تجاورتا سريعاً، في قلوب عشَّاق الانترنت حول العالم. هذه أول توأمةٍ تحدث في التاريخ بين ' شهيديْن' للحريات العربية. للثورة هنا طعم آخر، أعرف، ولها عصر تستحقه، شبابي وجميل ومُنغـّم، لا يخلو من النضارة أبداً. الثورة حُمرة الخد على وجه فتاة تلسعها حرارة الحرية، ابتسامة امرأةٍ تعاند أعوامها الستين بالخطو في حديقة الحرية، حنجرةُ شاب أراد أن يحصل على عمل، فجلس يغني للأمل. الثورة المصرية صارت شبحاً يُخيِّم على العرب، مثلما كان كارل ماركس يحب أن يتحدث عن الثورة العمالية، حين قال إنها ' شبح يخيم على أوروبا' لم يكن يتوقع أبداً أن يتوالد هذا الشبح خفية بعد أكثر من قرن ونصف قرن، في بلاد العرب، في جسد عربي بوجهين، محروق ومحطم، مطوَّق بسلسلة كُتبت عليه عبارة ' نمط الإنتاج الآسيوي'. الجميعُ يتجول فوق هذه الكعكة بحرية، الكلامُ والشبابُ واللافتات والأمل، خليط من الناس يذوبون جميعاً على هذه الأرض، الشجاعة والعبقرية يمشيان على سجيَّتهما، رافعين إصبعيْن للانتصار، قبل أن يتكسرا مثل أصابع خالد سعيد في الإسكندرية، أو يحترقا مثل جسد محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد، الحريَّة عجوز تعلم أحفادَها تذوق الأمل، حين تمنحُهم ـ بعد يوم من الهتاف ـ ' تمر' التغيير.
نعم، ما كان لهذه الكعكة أن تكتمل، قبل أن يصرفَ لها التاريخ ما يكفي من الدماء. هنا تساقطت الدماء من بين فخذي فتاة في المظاهرة، كانت تُريد أن تحرِّر بلادَها من الطغاة، فاكتشفت فجأةً، في هذا الميدان الواسع، أن الحريَّة في بلادها ـ عذراء مثلها ـ قد تسيلُ من بين فخذيها، على الأرض، إذا حاصرها الجلادون. ذات مرة كتب الشاعر التركي أورخان وولي، وكان جائعاً ومفلساً ـ يقول ما يمكن أن ينطق به العشرات في ميدان التحرير: ' نحن نعيشُ مجاناً الوديان والجبالُ مجاناً المطرُ والوحول مجاناً، السيارات في الخارج وشبابيك السينما مجاناً ليس الخبز ولا الجبن بل الماء المُر مجاناً، الحريةُ تدفع ثمنها برأسكَ أما العبوديَّة فمجاناً نحن نعيشُ مجاناً'.
القاهرة ـ محمود خيرالله:

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات