بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
وجوه معارضة من دمشق غاضبة وعقلانية.. خوفاً عليها
  18/04/2011

وجوه معارضة من دمشق غاضبة وعقلانية.. خوفاً عليها

لافتة في دمشق: إحذروا الفتنة، حاصروهم («السفير»)


غدي فرنسيس
دمشـق :


لدمشق قاموس خاص، يوسّع رداء المعارضة ليضمّ تحته مختلف وجهات النظر وطرق التعبير. فالمعارضة تتراوح وتمتد من طالب الجامعة الذي لا يثق بأي تغيير يأتي على يد هذا النظام، إلى المثقف الحموي الذي لا يرى مخرجاً لائقاً للبلاد سوى بتغيير حقيقي يقوده الرئيس بشار الأسد. ولا أحد يستطيع أن يطبع جبين أحد ويصنّفه معارضاً أو موالياً، فيومياً، تتعدل وجهات النظر، أو تتبدل. طاولات المقاهي والبيوت والمكاتب خير شاهدٍ على الحراك الفكري والنقاش المفتوح الآخذ بالتوسع.
لا حزب يجمعهم ولا اجتماع ولا جمعية، بل رفض مشترك لواقع مفروض منذ 50 سنة. هي وجوه تخبر عن دمشق التي تتخبط بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها. من شوارعها وبائعي خضارها وسائقي سياراتها الصفراء، تعرف المدينة أنها تشارف زمناً جديداً. تعرف أنها تقلب صفحة، وتكتب صفحة جديدة في كتاب زمانها. وتستفيق الكلمة السحرية من حرفين: «لا» بأشكال وأنواع مختلفة، بعد هدنتها الطويلة.
مدينة قضت عقوداً بلباس واحد، وحزب واحد، ونمط تفكير شمولي واحد. ذراع الأحزاب قطعت منذ استحداث «الجبهة الوطنية التقدمية» في العام 1972، المجتمع المدني مغيّب عن العمل السياسي. المدينة التي تريد أن تصنع وجهاً جديداً، تبحث عن أدوات العمل السياسي اليوم، وتصرخ، في كل ضربة طاولة، وكل وجه محتقن يحمر غضباً أثناء الحوار، وكل مشاجرة بين صديقين، وكل فرز جديد في الدوائر التي تعيد ترتيب نفسها بعد الشهر العاصف الذي مضى. تصرخ من كل الوجوه: أعطني حريّتي لأبني وطني بأفكاري، أعطني رقعة أعمل عليها.
ابن السويداء الجامعي الثائر
شادي يمارس لعبة «اللقيطة» مع قوات الأمن منذ العام 2007. زار السجن للمرة الأولى بعمر العشرين على خلفية اعتصامه أمام قصر العدل ضد حالة الطوارئ. لم يكف، إلى أن أصبح في دفتر مذكراته النضالية اليوم، 8 اعتقالات تتراوح بين يومين وأسبوع، مرة بسبب بيان ومرة بسبب اجتماع، ومرة بناءً على تقرير مخابراتي.
عيون العشريني يلفها إرهاق بفعل ساعات السهر أمام الحواسيب، يتكلّم بنبرة واضحة قاسية من قلب دمشق، وعلى مسمع الجميع: أريد كرامتي، أريد أن يجرّد الأمن من أخذني إلى السجن اعتباطياً كلما أراد، بسبب وبغير سبب. يهزّ رأسه عند السؤال عن الحكومة الجديدة رافضاً: لا أصدقهم، الإصلاح الحقيقي المنشود سيؤدي حتماً إلى تداول السلطة، وإلا فلا يُسمّى إصلاحاً.
بالامس، شارك شادي في احتفال عيد الجلاء في السويداء حيث رفعت شعارات: لا للفساد، لا للتسلط الأمني، واحد واحد واحد الشعب السوري واحد.
المرأة الحموية العلمانية
«لا» رلى ركبي، ليست جديدة. أربعينية عصرية مكحّلة العينين تدير فندقاً في وسط المدينة، جعلت منه خلية نحل ثقافية، ورش عمل وأمسيات شعرية ونشاطاً علمانياً مدنياً. منذ ثلاث سنوات، حاولت مع مجموعة من العقول المثقفة إنشاء جمعية علمانية تكون إطاراً لنشاطهم، فرفض الطلب. وحتى اليوم، لم تعط الجمعية العلمانية ترخيصاً.
تعليقاً على آلية التفكير الجماعي الضروري اليوم ترد رلى: «لا وجود لمجتمع مدني سياسي في سوريا، فالجمعيات التي تعطى ترخيصاً، تكون إما خيرية أو بيئية، أما تلك التي تطلب تحريك العقل سياسياً، فمؤجلة دائماً».
رغم رفضها لخطاب الرئيس الأول في مجلس الشعب، شكلاً ومضموناً، وضعها الخطاب الثاني في حالة انتظار وترقب: ما قاله في مجلس الوزراء مساء السبت جيد، رغم أنه متأخر، ونحن الآن بالانتظار، هل ستلغى حالة الطوارئ كما وعد؟ ولمَ الوعد؟ لم لا يقول هكذا وبسهولة «أنا أرفع حالة الطوارئ اليوم، لمَ التأجيل والدرس؟ أمضينا 11 سنة ونحن «ندرس الإمكانية»، اليوم حان وقت التطبيق. نحن في تخبّط وانتظار بين أسئلة كثيرة. هل حقاً ترفع القبضة الأمنية، هل تلغى المادة الثامنة من الدستور التي تقضي بحكم الحزب الواحد؟ هل وهل وهل... الأسبوع المقبل يبشرنا، فلنرضَ اليوم بالانتظار.
وتعليقاً على الشكل الإسلامي الذي تتخذه «الانتفاضة السورية» تقول: لا أريد ثورة من الجامع، لكنه المكان الوحيد الذي يسمح فيه بتجمّع.
لو قال «أرفع حالة الطوارئ»، لكان أسكت المطالب وامتص الغضب، وتختم الثائرة السافرة القوية بجرأة مشهودة لأولاد حماه، «أليست المماطلة تشويشاً؟».
دكتور الفلسفة المتنوّر
يكفي أن تسأله «أنت معارض؟» ليجيب: مَن هو الموالي؟ الموالاة إهانة. قبل الشروع في رفض منطق القمع السائد منذ 50 سنة، يعرض مخاوفه. «تلاميذي فلاسفة صغار، رأيتهم ينقسمون إبان الأحداث على أساس طائفي، فجننت. لا يختصر المشهد السوري بكلمة أو جملة أو موقف. هذا مجتمع حقيقي وهذه حركة شعبية أشعلها قمع دام سنوات. ابتدأت في المناطق البعيدة حيث المحافظ المستبدّ والأمن الخانق».
اليوم يرى دكتور الجامعة، الذي فضّل عدم ذكر اسمه تفادياً للمشاكل، أن «أحداً لا يستطيع أن يقف في وجه التاريخ». مطالبه نموذجية: الإفراج عن السجناء السياسيين، تنفيذ المطالب التي وعد بتنفيذها، عدم الاكتفاء برفع حالة الطوارئ بل اتساع ذلك ليشمل إلغاء القوانين التي استحدثت بسبب الطوارئ، كالمحاكم العسكرية ومحاكم الأمن والمصادرات بما فيه ضمانة لتغيير سلوك الأمن مع الشعب. يراهن على الحوار المجتمعي واستفاقة سوريا الطارئة. «إذا وجد حوار حقيقي بتقنياته المتعددة وكان النظام أحد أطرافه، يمكن الوصول إلى صيغة تفاهم ما موقتة تمهّد السبيل لصيغة نهائية».
يريد تغيير النظام، ولكن بتعقل ومنطق تسلسلي يشرحه باختصار: «قانون الأحزاب سيؤدي حتماً إلى إلغاء المادة الثامنة من الدستور. إلغاء المادة الثامنة بدوره سيفرض نمطاً جديداً من الانتخابات. وقانون الانتخابات الحديث المرجوّ، سيؤدي إلى تغيير النظام».
سائق أجرة حمصي
ومزارع من درعا

على ضفاف الجلسات الخاصة وحلقات النقاش الكثيفة والكثيرة، يكتشف المواطن السوري اليوم شخصيته السياسية الجديدة. من يومياته ومطالبه الصغرى، بدأت نهضته التي فرضت نفسها تغييراً في منطق تعامل النظام مع الشعب. اليوم في سيارة الأجرة، هناك من يعبّر عن الحرية التي يريدها بأبسط المطالب. فإبن حمص الثلاثيني لم يتخصص في قانون الطوارئ ولا يملك رأياً واضحاً حول قانون الأحزاب. إبن حمص العامل يرفع يده باتجاه سيارة أمن تمر على يساره. «هذا يحق له أن يركن أينما يشاء، بينما نحن سائقي الأجرة، نغذّي مدخول الدولة يومياً بسبب عقوبات مخالفاتنا».
أما إبن درعا الذي أطلق الشرارة الأولى، فيقول «قد لا أعرف الحرية التي أريدها، لكنني أعرف أنني لست حرّاً». كان يتحكّم بالري والبناء والزراعة، محافظ فاسد مستبدّ، لولا دمويته ربما لما توسّعت الانتفاضة. كان يتحكّم بحياتنا رجل يذلّنا باسم سلطته. نحن بدأنا بمطالب محقة، ولم نرفع صورة الرئيس يوماً ولا هتفنا بأي شيء سوى «الحرية»، و«الشعب السوري واحد»، و«الشعب السوري ما بينذلّ» ورفعنا 14 مطلباً للرئيس ومنها قانون الطوارئ والأحزاب. ربما لم نبدأ بحركة واعية لها إطار جامع، لأننا بدأنا من غضب، لكننا يوماً بعد يوم، نعي حرّيتنا أكثر بالحوار، وبوأد الفتنة وحفظ الأرواح. ولا مكان للمؤامرة بيننا، نحن شعــب يملك ما يكفي من الوعي لقصف الفتنة حيثما وجدت، فقط نريد الحرية، لنتشارك في بناء وطن.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات