بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
تحيا سورية»... بالحرية والمقاومة
  21/04/2011

تحيا سورية»... بالحرية والمقاومة

بقلم /نصري الصايغ المصدر: السفير


Iـ أين أقف... هنا أم هناك؟
إنها ساعات للقلق والحيرة. لا شيء يطمئن. سوريا على مفترق خطر: النجاة بكلفة باهظة، او الفوضى بكلفة دامية مستدامة.
إنها ساعات للقلق والحيرة، فأين تقف، وفي أي اتجاه تسير؟ كيف توفق بين قيادة في سوريا، دعمت المقاومة، وصمدت في مواجهة الحصار ونجت من هول التهديد، وبين تظاهرات شعبية تطالب القيادة الراهنة، بالحرية والديموقراطية؟ كيف توفق وبين الطرفين دم يسفك؟

خشيتي على المقاومة تدفعني الى الوقوف مع هذه القيادة لسوريا، وايماني بالحرية والديموقراطية يلزمني بالوقوف الى جانب القوى التي ترفع لواءيهما... حاولت ترتيب الموقف، وفق منطق الأولويات: أيّهما أهم: المقاومة، أم الديموقراطية؟ وخرجت باستنتاج بديهي وصعب. إنهما معاً في مرتبة الأولوية. ليست المقاومة أولاً والديموقراطية ثانياً. الاثنتان توأمان، بحاجة إليهما سوريا، والأمة كذلك. لذلك افتيت لنفسي بالموقف التالي: «كن مع المقاومة ومع الحرية. وبالقدر الذي تقف فيه داعماً للديموقراطية، قف مع المقاومة».
خالجني اطمئنان مؤقت. لم تحل مشكلتي. فالمقاومة في طرف والديموقراطية في طرف، وبينهما تسفك دماء، كأننا ذاهبون الى الهاوية.
إذا ملت الى القيادة في سوريا، خفت على الديموقراطية والديموقراطيين، وان ملت الى حركة الميادين والساحات، خفت على المقاومة. يخالجني شك، ان «المعركة» بين الطرفين قد تسفر عن ضياع المقاومة ونحر الديموقراطية وفوز الفتنة وانتشار الفوضى، إذا افلتت الغرائز الطائفية والمذهبية والأقوامية واستحضرت شياطين الاستباحة... او إذا قررت السلطة، ان تقترف التطرف، وتصبح اسيرة اللجوء الى الأمن، بحجة الدفاع عن...
لا حصانة في العنف السائد راهنا، لا للمقاومة ولا للديموقراطية.
...فأين أقف، ولا وسط بين الطرفين. لا منزلة فضلى بين المنزلتين والمنازلتين. لا قدرة للوقوف مع هنا ضد هناك، او العكس، فهل أبقى عرضة للدوران بين دوّامتين؟

IIـ مع سوريا... ولكن

سوريا الراهنة، ليست من طائفة الدول التي استبسلت في ممارسة العجز. سوريا كانت وحيدة في معركة الأمة. دعمت المقاومة في لبنان وفلسطين بكلفة باهظة، ولم تتراجع. كانت باسلة جداً، الى حد المغامرة. التهديد كان بليغاً، الشروط إملائية، العقوبات على الباب، حصاراً ونبذاً ومطاردة. (لبنان نموذجاً كساحة مواجهة مع سوريا). لقد نالت سوريا جراء دعمها للمقاومة حصة الأسد، وكان حسابها الدولي عسيراً، وحسابها العربي نبذاً.

ودعم سوريا للمقاومة لم يكن كلامياً، ولا كان سياسياً فقط. كان دعماً أملته قواعد الاشتباك وقواعد القتال وقواعد الحروب. كان دعماً بالعتاد (وما أدراك ما العتاد)، إنه عصب المقاومة وأحد شروط الانتصار. من دونه تصير المقاومة نشيداً لا طلقة، شعاراً لا قذيفة، خطاباً لا معركة، موقعة لا انتصاراً... لولا سوريا لكانت المقاومة في خطر، فالسلاح زينة القتال، لا زينة الرجال.
لم توفر سوريا جهداً او ذكاء او حيلة او تدخلاً، لحماية ظهر المقاومة في لبنان، من خصوم محتملين معروفين، غير معلنين عن أنفسهم، ولكن من أفعالهم تدرك نواياهم. لقد جنبت المقاومة في لبنان، طعنات في الظهر. ولما انسحبت سوريا من لبنان، انكشف ظهر المقاومة، ولا يزال، وكلفة حمايتها، انقسام البلد... ولا يزال.
الكلام على دعم سوريا للمقاومة، ليس كالكلام الذي يُقال عن دعمها «لحلفائها» السياسيين، حلفاء المناصب والمغانم والصفقات. دعمها للمقاومة أنتج أعظم الانتصارات، بعد قرن من الانكسارات: طردت إسرائيل من لبنان. هزمت مشروع شارون/ الجميل (بشير). أطاحت مشروع الدولة البديل. افشلت عدوان تموز الإسرائيلي المدعوم أميركياً والمؤيد دولياً والمزكى عربياً.
حدث كل ذلك، بقوة المقاومة المدعومة من سوريا التي وفرت للجانب الإيراني ممرات آمنة وعبوراً متدفقاً لأدوات المواجهة والصمود. وهكذا، هزمت حفنة من الرجال، دولة من العتاد. لقد هزمت المقاومة، إسرائيل مرتين، وتستعد للثالثة... والثالثة، بحاجة الى سوريا. فمن حقي أن أقلق على سوريا هذه. لأنها كانت الوحيدة بين العرب، بعروبة نضالية.
من حقي أن أقف معها هنا، انما، ليس من حقي ان اقف معها، حيث أخفقت مراراً. اخفقت في الإصلاح، وجعلت السياسة من الممنوعات. ولا حياة لأمة ومجتمع، بلا سياسة.
IIIـ عودة الروح... إلى الحرية
لا مفر من تونس. منها كانت البداية. وكما كانت المقاومة في لبنان، بداية زمن الانتصارات، وتأسيساً استراتيجياً لرسم ملامح المنطقة في علاقتها مع الاحتلال والقوى العظمى الامبريالية، كذلك مع تونس والبو عزيزي، بدأ زمن عربي جديد، لا مفر منه. انه عصر الديموقراطية العربية.
لقد وصل بو عزيزي الى البلاد العربية كافة. إليه ينتمي جيل جديد من شباب العرب. لهب الثورة ينتقل بسرعة اللمح من المحيط الى الخليج، وفق روزنامة جديدة: أكثر من حدث في اسبوع واحد. ثم، أكثر من حدث في يوم واحد. ثم أكثر من حدث في ساعة واحدة. تعداد الأماكن مفيد، ومراقبة الشاشات دليل. لا استراحة للثورة الديموقراطية. لا محطة تترجّل فيها. عدوا الدول العربية كافة، تجدوا بو عزيزي والملايين التي تشبهه في الشارع، أو على أهبة الاستعداد لحمل مشعل الحرية وبيرق الديموقراطية.
المقاومة، أسست لعصر عربي جديد، خلخل انظمة عربية شديدة الوطأة، فارتمت في حضن «حاميها حراميها»، وثورة تونس وبعدها مصر، أسست لعصر عربي، تأخر حضوره قرناً من الزمن. انه عصر الثورة الديموقراطية.
استبعدت الأنظمة العربية بلوغ بو عزيزي مجالها السياسي. حصنت نفسها بالخصوصية. رأت ان لكل نظام طبيعته ولكل مجتمع ظروفه وقواه، ولكل بيئة مخاطرها ومنزلقاتها او حتى... مناعتها. غاب عن هذه الأنظمة، انها متشابهة، ووجه الشبه الأكيد، ان عمودها الفقري، هو جهاز الأمن، وان شعوبها متعطشة للحرية والديموقراطية والتغيير. فات هذه الانظمة ان ما بينها قرابة في جعل الاستقرار شعاراً دائماً، مهما كان الثمن. والتجربة تفيد، ان لا اصلاح مع الاستقرار، ولا مكافحة فساد مع الاستقرار، ولا تنمية مع الاستقرار... الاستقرار حامي التكلس والتصحر والعدوانية والجشع والبلطجة. الاستقرار حامي الطفيليين من رجال الأعمال الى سماسرة الصفقات. الاستقرار، ابن العتمة السياسية والظلام الحقوقي.
وجه الشبه الكبير والفاقع بين الأنظمة العربية، هو في كون الأمن، الألف والياء، هو البداية والنهاية. وهو، كجهاز فاعل، ينمو ويعظم ويتضخم وينتشر ويتداخل ويتدخل بالسياسي ويتفوق عليه، وبالاقتصادي فيشاركه ويشترك فيه، وبالمال فيتقاسمه قسمة ضيزى، ثم يتفوق على المجتمع والهيئات والمؤسسات، ويتحوّل الى قطب، لا حياة من دونه، او من الدوران معه او خلفه.
هذا الأمن، مرعي من السلطات كافة، لأنه يريحها. يشطب السياسة ويلغي السياسيين، يكنس القضايا واصحابها. يسخف الشعارات وحامليها... لقد كانت هذه الخصوصية الفظة، بطاقة دعوة ملحة لجماهير بو عزيزي كي يحضروا على وجه السرعة... فانتشرت الانتفاضات بأسرع من اللمح، وقاسمها المشترك: لا مفر من الحرية والديموقراطية، مهما كان الثمن.
ما كان منقطعاً بين رواد النهضة والأحزاب النهضوية التي كان على عاتقها إحداث التغيير وبناء الدولة الديموقراطية المدنية الحديثة، عاد واتصل برواد الساحات والشوارع. اليوم، يعود مع هؤلاء، جيل من الرواد يعود عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وفرح انطون وبطرس البستاني وعلي عبد الرازق وطه حسين وشبلي الشميّل... تعود قوافل النهضويين الذين رفعوا لواء العلمنة والحرية والدستور وبناء الدولة. كل هؤلاء، عادوا، وهم الذين يحتلون المدى المرئي من التظاهرات.
أما من يريد ألا يرى سوى شذاذ ومندسّين، فمشكلته بسبب النظارات التي يرى فيها. وهي نظارات عمياء، وغير صادقة بالمرة.
IVـ ولاة الشياطين والملائكة
عندما تخفّ وطأة الأمن، او عندما تنكسر حلقة هيبتها، يفتح المجتمع السفلي المضغوط أبوابه، ويخرج من نظام التقية والممالأة.
سطوة الأمن، يصاحبها تراجع للقيم الاجتماعية ولشفافية الاخلاق. يتخلق الناس بأخلاق ذميمة، اقرب الى اخلاق البلطجة، التي تعكس صورة رجل الأمن. كما يصاحب سطوة الأمن، استدعاء الفتاوى وعودة الوعاظ ليكونوا أداة التثقيف والتدجين والسلفية. كما يصاحب سطوة الأمن، توحش رأسمالي سلطوي، يتغوّل معه الواقع برمّته.
الأمن يحافظ على الاستقرار، ولكنه، يصيب المجتمع بتشوهات لا عدّ لها.
تواجه السلطات العربية اليوم أمواجاً متتالية من المطالب، اخطرها الحرية. والحرية ليست مجاملة سياسية، تقدم على ممارستها السلطة. الحرية شطح وبلوغ. كل مسّ بجوهرها عسف وقهر. الحرية المحدودة المختصرة مضجرة وكسولة. انها حرية بشعة جداً. الحرية الممنوحة، هدية مسمومة. لقد خرجت الجماهير من أجل حرية حقيقية، وليس من أجل حفنة من «الحريات» الصغيرة، التي تعبر عن خبث وكذب وكلام معسول.
الحرية كي توجد كما ينبغي، يجب ان تصان عبر مؤسسات مؤمنة بالحرية.
ان تراجع الأمن يعجل بانفجار المكبوت والمسكوت عنه. يعجل بانكشاف ما كان مختبئاً، وهو مرعب حقاً، وجميل حقاً. مع تراجع الأمن، يكتشف المجتمع شياطينه وملائكته، ويسمع ما يقال، وخصوصاً، ما لا يقال.
تراجع الأمن، يتيح لأناس ان يصعدوا الى السطح. ان يحتلوا قسماً من المشهد. ان يقولوا نصاً مختلفاً ونظيفاً وان يمثلوا جمهوراً كان في غيبوبة قسرية.
إننا اذن امام تاريخ جديد: تاريخ الحرية.
لقد أخرجنا التاريخ منا، بسبب الاحتلال والتخلف والسلطة. المقاومة أعادتنا الى صناعة تاريخنا والمساهمة بتاريخ الآخرين. والحرية، أعادتنا الى صناعة تاريخنا امام دهشة العالم وذهوله. العالم، لم يكن يتوقع اننا أحياء جداً في أقبية المجهول السياسي والمجاهيل الأمنية.
هذا هو التحدي الاستراتيجي والذي يتطلب أجوبة استراتيجية وإصلاحات استراتيجية، لضمان مسيرة الحرية البناءة، كبديل عن «الفوضى البناءة» و«الأمن البناء».
Vـ تغيير النظام وبقاء السلطة
أين أقف. مع قيادة سوريا أم مع الشارع السوري؟
لا حل عندي. الحل سيكون نتاج سلوك السلطة وحكمتها، ونضج المعارضة وعقلانيتها. ما أقدمت عليه السلطة ما زال دون الحدّ المقبول. الجرأة مطلوبة والتخطي مطلوب وتجاوز الذات مطلوب. وعليه، لا بد من طرح أسئلة حاسمة.
أ ـ هل باستطاعة القيادة في سوريا، أن تغيّر النظام؟
إن اعلان رفع حالة الطوارئ. بداية لتغيير آليات العمل في النظام الطوارئ، ألغت الحياة الدستورية، شوهت القوانين، استباحت قوى وأحزاباً وهيئات، أمنت سلطة الحرب اعلان رفع حالة الطوارئ وإلغاء المحاكم العرفية، خطوة في اتجاه صيانة الحرية. فماذا عن مأسستها؟
ب ـ هل بمقدور القيادة اعلان حالة طوارئ دستورية سريعة، تفضي الى تخلي عن امرة الحزب الحاكم والقائد، وفتح الممرات للحياة السياسية كي تمارسها أحزاب سياسية وعقائدية؟
ج ـ هل بمقدور القيادة، اعادة الشرعية الى الشعب، كمصدر للسلطة. عبر إقرار قانون انتخابي عادل ويوفر الضمانات القصوى لممارسة حق الاقتراع وحق الترشح، على قدم مساواة، تحت سلطة القانون.
إن مثل هذه الإجراءات، تغيّر النظام الراهن، وتبقي على السلطة. على ان مثل هذه الإجراءات، إذا أقرّت، بحاجة الى ثقة متبادلة. المعارضة بحاجة الى ما يقنعها، بغير الكلام. لعل الحوار السياسي التشاركي، (لا فوقية لأحد فيه)، يوفر فرصة لاستعادة الثقة. ولعل السلطة الراهنة، تقدم على صيانة إصلاحاتها وجديتها، بانتقال سريع الى إشراك الجميع (باستثناء من حمل السلاح) في المرحلة الانتقالية، التي تهيئ المناخ لقيام سلطة يفرزها تطبيق النظام السياسي الجديد.
لقد فات عهد الإصلاحات الجزئية. فات زمن الرشوة بإصلاحات مؤجلة أو مبهمة. إما إصلاح بفتح الطريق الى الديموقراطية وإما عناد متبادل، يطيح الجميع.
أخشى أن يكون الزمن قد فات. وباتت سوريا على وشك الدخول في الفوضى الهدامة.
أخيراً: ثلاثة مبادئ ترجح النجاة والنجاح وبها تحيا سوريا:
أ ـ المقاومة، على أن تضمنها المعارضة.
ب ـ الحرية، على أن تقتنع بها السلطة.
ج ـ الوحدة الوطنية، على أن يصونها الطرفان.
وحذار من الجهنم الليبي، والتمذهب العراقي، والعبث اللبناني...



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات