بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
عن تجربة السجناء السياسيين وعائلاتهم (1
  23/04/2011

فصل عنصري باسم القانون يحدث في إسرائيل
عن تجربة السجناء السياسيين وعائلاتهم (1)


جنان عبده


تتبع دولة إسرائيل نظام فصل عنصري يمتد بشكل طولي تاريخي من تأسيسها وتعريفها لذاتها كـ«دولة اليهود»، وبشكل عرضي بكافة المجالات الحياتية واليومية، بين كل ما ومن هو فلسطيني، وما ومن هو يهودي في هذه البلاد. جدار الفصل العنصري قائم، وان لم يكن مرئيا دائما، وان لم يكن ملموسا او مصنوعا من الاسمنت. سياساتها وتعاملها مع الفلسطينيين يتحدد تباعا لذلك. ينعكس الأمر في السياسات التي تطبق على أرض الواقع والقوانين التي تسن في البرلمان، والقرارات والأحكام التي تتخذها المحاكم ضد الفلسطينيين، وفي اللغة التي تتحدثها هذه القوانين والممارسات والتي تتغذى من الأجواء العنصرية سواء في البرلمان ام في الشارع الإسرائيلي. حيث تؤكد إسرائيل مرة تلو الأخرى ان اللغة التي تستعملها في تعاملها مع الفلسطينيين ليست حيادية ولا ساذجة، بل تأتي لترسم معالم سياسات عنصرية تبغي «تطهير المكان والزمان» من كل ما هو فلسطيني وتعمل على تهويده وتلغي أوتوماتيكيا كل من هو ليس كذلك وتميز ضده.
أركز في هذه الورقة في قضية السجناء السياسيين، سجناء الحرية الفلسطينيين الذين تسميهم إسرائيل سجناء أمنيين، وأحاول أن أبين كيف أنها تعمل من خلال ذلك على تجريد النضال الفلسطيني نحو الحرية من بعده السياسي ودمغه بدمغة أمنية. إضافة للتمييز ضد هذه المجموعة على أساس قومي جماعي وفردي وكيف أنها بتعريفها هذا تمييز ضدهم مرتين، مرة على أساس فردي ومرة على أساس جماعي.
إن لغة القانون والمصطلحات القانونية المستعملة في إسرائيل، تعكس هويات وسياسات تطبق على أرض الواقع في هذه الحالة ضد السجناء السياسيين من الفلسطينيين أيضا. يتحدث فانون في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» عن العلاقة بين اللغة والكولونيالية، وعن قدرة اللغة، لغة المحتل، على القمع من جهة، وعلى قدرتها على التحرير، لو ملكها الإنسان الواقع تحت الاحتلال وسخرها لنفسه من الجهة الأخرى.
اللغة السائدة في الشارع الإسرائيلي هي لغة عنصرية، كذلك الأمر في البرلمان والقانون. والأمر لم يكن أبدا غير ذلك، الفرق الأساس هو في تكثيف اللغة العنصرية والحالة العنصرية وتلاشي الروادع الأخلاقية او القانونية التي من الممكن أن تحدها، خاصة أنها أصبحت عنصرية علنية مكشوفة، تنعكس في الشارع كما في البرلمان1. فالدولة منذ أن عرفت نفسها قانونيا على أنها دولة اليهود، تحاول أن تفرض اليهودية بالقوة على كل شي. فهي بذلك تنفي مباشرة الوجود والتعريف والحق الفلسطيني في هذه البلاد، والانتماء التاريخي اليها ويتحول كل من هو خارج هذا النطاق - التعريف الى «عدو داخلي» يهدد «يهوديتها» إن هو طالب بتغيير هذا التعريف وهذا الطابع للدولة، وتعتبره خطراً امنياً يجب مقاومته.
تحاول الدولة أيضا ان تلغي فلسطينية الفلسطيني الباقي على أرضه في حدود 48، التي حولتها الدولة الى إسرائيل، وتبغي أن تلغي هويته الوطنية وانتماؤه القومي أيضا، من خلال فرضها مصطلح «عربي إسرائيلي» واستعمالها لهذا المصطلح في أدبياتها، وهو نوع من الكيان المشوه، فليس هناك شيء اسمه عربي إسرائيلي على ارض الواقع الا في قاموس مصطلحات الدولة، وهي بذلك تحاول ان تلغي انتماءه القومي وجذوره التاريخية كجزء من شعب عريق. فالفلسطيني وفق التعريف الإسرائيلي هو ساكن الضفة والقطاع في غزة فقط.
وتستعمل التقارير الرسمية والصادرة من البرلمان الإسرائيلي ومن مؤسسات رسمية مصطلحات «اليهود» و«غير اليهود» للتميز بين اليهود والفلسطينيين، حيث يصبح اليهودي وفق هذا المفهوم وهذه السياسية هو القاعدة والأساس وكل ما هو ليس كذلك.
ان سياسة «تطهير المكان من العرب» مستمرة منذ قيام الدولة، ينعكس الأمر بمصادرة الأراضي مباشرة أو بوضع خطط لتهويد البلدات، والذي يأخذ أيضا إشكالا متعددة كخطط علنية لتهويد الجليل والنقب وتجميع العرب بمجمعات سكانية مسيطر عليها خارج التواجد اليهودي وفصلها عن المفارق والشوارع الرئيسية وإخفاؤها عن مستوى النظر، او بتغيير أسماء البلدات العربية وأسماء الشوارع وتغيير التوازن السكاني فيها لصالح اليهود بالتضييق على العرب وعدم إعطاؤهم إمكانيات بناء او بالهدم المباشر او بتفعيل برامج ما يسمى التطوير والتحديث. او بالدعوة المباشرة لطرد العرب وعدم السماح لهم بالسكن بين اليهود الأمر الذي دعت اليه مؤخرا بشكل علني عشرات من رجال الدين اليهود (الحاخامات) وهم موظفو دولة وذلك من خلال إطلاق فتوى دينية تحرم تأجير مساكن للعمال والطلاب العرب، كما حدث في مدينة صفد الجليل. بينما قام تنظيم يسمى «لاهف» بتوزيع شهادات طهارة / صلاحية «كشروت»، على الأماكن التي لا تشغل عربا. يضاف إلى الدعوة العلنية لطهارة المكان، الدعوة لطهارة العرق التي تطلق بين الحين والآخر هنا وهناك، وفقط مؤخرا قامت عشرات من زوجات الحاخامات بإطلاق التظاهر في عدد من المدن اليهودية داعيات هن ومؤيديهن الفتيات اليهوديات لعدم إقامة علاقات مع شباب عرب.
ويشهد البرلمان الإسرائيلي موجه من مقترحات القوانين العنصرية، بعضها قد أقر، التي تبغي تحديد المواطنة بالولاء وتوسيع هذا الاشتراط الي مساحات إضافية، وتضيق الخناق على المنظمات التي تفضح الممارسات العنصرية للدولة. هذه الأجواء تجد انعكاسها أيضا في المحاكم وفي الإجراءات القانونية التي تسبق إصدار الأحكام.
لغة المحاكم والتحقيق ـ مسارات مختلفة للعرب واليهود
يمتد الخط الفاصل بين ما هو يهودي وبين ما هو عربي الى أروقة المحاكم الإسرائيلية. فنجد ان القانون والمحاكم أيضا، فيها هويات وسياسات، كما لو أن الجهاز ينقسم استعاريًا الى جهازين مختلفين. هناك رسائل سياسية توجّه عبر قنوات القانون والقضاء، تشدد على هوية الدولة اليهودية وتجرم كل من يحاول ان يمس بذلك، وتتعامل بمعيارين مع من هو عربي ومن هو غير عربي. حيث نجد أن نسبة إدانة العرب أعلى بما لا يقارن من نسبة إدانة اليهود في البلاد ، في كل خانة ذات خلفية جنائية وفي جميع أنواع المخالفات وفي جميع الأجيال.2
تؤكد المحامية عبير بكر على وجود سياسة انتقائية تنتهجها سلطات تطبيق القانون في الدولة حين تقوم بتقديم لوائح اتّهام، وإجراء تحقيقات متعلقة بالاعتداء والقتل. وتشير أن هناك سياسة للعرب، وسياسة لليهود. وتصل الى استنتاج أن « إنّ سلطات تطبيق القانون التي ترى أن دورها كمَن يقوم بحماية المصلحة العامّة فقط عندما يكون العربيّ مشتبهًا فيه، بينما تتجاهل دورها عندما يكون الأخير ضحيّة، هي سلطات لا يُمكن أن تحظى قراراتها بالشرعيّة».3
تدل الإحصائيات الرسمية الإسرائيلية على أن نسبة الإدانة في القضايا الجنائية تصل الى 96%. وهي نسبة يعتبرها محامون وحقوقيون عالية جدًا، بل تخرج حتى عن إطار المعقول. للمقارنة، فإن نسبة الإدانة الموازية في ولاية نيويورك الأميركية تبلغ 50% فقط. أما في القضايا المسماة أمنية، يمكن القول بتأكيد أننا لا نسمع عن اي حالة تبرئة بهذا المجال! هذا الوضع، وفقًا لمختصين، هو ما يفسّر الى حد كبير تفضيل الكثير من المتهمين في قضايا أمنية أن يوقعوا على صفقات ادعاء مع النيابة.4
وقبل الإدانة هناك المسار القضائي، أي المحاكمة، والذي يتأثر بالأجواء السياسية السائدة، حيث لا قضاء منفصلاً عن الجو السياسي كما يتضح في الحالة الإسرائيلية. وقبله مسار التحقيق غير المنفصل عن الأجواء التحريضية العنصرية، وعن كون المحققين بأنفسهم جزء لا يتجزأ من هذا الجهاز. فهم أيضا ينظرون للعربي المتهم بتهم «أمنية» كقنبلة موقوته وعدو داخلي يجب استخراج اعترافات منه حتى بالقوة والتهديد والتعذيب. هو ليس اليهودي إبن المجموعة القومية الواحدة، بل إنه العدو / الآخر وفق هذا المنطق.
والتحقيق مع من اتهم بتهم «أمنية» ممكن أن يشرَّع وفق القانون وبحماية القانون كل أساليب التحقيق معه، وتطلق المحاكم الإسرائيلية يد أجهزة الأمن ـ ولرجالاتها، للاعتقال والتحقيق المتواصل لساعات مكثفة تصل أياما متواصلة، واستعمال أساليب تعذيب وضغط نفسي، ابتزاز وإرهاق جسدي كالمنع المتواصل للنوم، ومنع الحمام، وتقييد الأرجل والأيدي وعصب العينين. بل ويضاف الى ذلك إقرار أوامر منع نشر ومنع لقاء مع محام، لاستخراج اعترافات من المتهمين، كل ذلك بتغطية قانونية، بل وباسم القانون.
دل تقرير أصدرته مؤسسات إسرائيلية ـ بتسليم وهموكيد ـ على استعمال هذه الأساليب وعلى التغطية القانونية التي يحظى بها المحققون، وعلى عدم إدانة المحكمة لأي محقق تم تقديم شكوى ضده لاستعماله هذه الإجراءات.5
وفي المحكمة هناك الأدلة السرية التي تعتمدها النيابة والتي لا يكون بإمكان محامو الدفاع الإطلاع عليها ولا على مضمونها. فبالتالي ممكن تجريم المتهم بتهم أمنية ـ حسب القاموس الإسرائيلي ـ بناء على أدلة سرية!!
نجد أن التعريفات المستعملة في أروقة المحاكم غير حيادية هي أيضا. إن تعريف المخالفات الأمنية في قانون العقوبات فضفاض جدًا، ويمكن بموجبه اعتبار كل تصرّف بمثابة مس بالأمن»... فممكن ان يحمل تعبير مثل «نقل معلومات خطيرة « مضامين ومعلومات في متناول يد كل إنسان عادي معلومات لا تمتّ للسريّة بصلة، ولكن يجري تعريفها رسميًا كمعلومات سرية خطيرة! وممكن ان يحمل تعريف قانوني كلقاء مع عميل أجنبي، مضمونا مفاده لقاء بين فلسطيني من الداخل وعربي من إحدى الدول العربية. وبذلك تخدم المصطلحات القانونية سياسات وهويات تبغي تجريم اللقاء والتواصل العربي ـ العربي والذي لا يدخل من بوابة التطبيع بل يناهضها... التعريف بهذه الحالة هو جزء من القضية ويخدم سياسات عنصرية. وبالتالي فان قرار التوصل الى صفقة ادعاء يكون بمثابة أهون الشرور أو على سبيل مكره أخاك لا بطل، حيث يكون البديل حكما سنوات طويلة، يمكن ان تصل إلى السجن المؤبد، على تهم مضامينها مفرغة من السرية والخطورة، غُلِّفت بتعريفات أمنية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات