بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
عن تجربة السجناء السياسيين وعائلاتهم (2)
  27/04/2011

فصل عنصري باسم القانون يحدث في إسرائيل
عن تجربة السجناء السياسيين وعائلاتهم (2)


جنان عبده


جدار فصل زجاجي للسجين السياسي الفلسطيني
ان الخط الفاصل بين ما هو عربي وما هو يهودي والانقسام الاستعاري في الجهاز القضائي بين ما هو عربي وما هو يهودي، بين من يُجرِم بمخالفة جنائية وبين من يجرم بمخالفة أمنية، يستمر داخل السجون ويتحول الى انقسام عملي لا استعاري. ويتحول الحاجز غير المرئي الى حاجز مرئي ومحسوس وقائم.
وفق القانون الإسرائيلي تصب المخالفات السياسية والتي يسميها القانون «أمنية»، وغالبيتها العظمى هي ضد عرب، ضمن مجموعة المخالفات الجنائـية، الا ان التطبيقات من قبل مصلحة السجون تتعامل بشكل مختلف مع «السجناء الأمنيين»!. وتضع تعليمات خاصة حول كيفية التعامل معهم بمفهوم التضييق عليهم ترسِّخ التمييز البنيوي ضدهم.
وترفض إدارة السجون والمحاكم استعمال مصطلح «سجين سياسيّ»، وبالتالي فهي تنكر عليهم كونهم مناضلين لأجل الحرية، يقاومون نظامًا أجنبيا أو نظامًا مستبدّا. وعليه فإنّ معارضة تصنيفهم على هذا النحو هي تنكّر عميق ـ عادة ما يكون مؤسسيًّا ـ لعدالة نضالهم وعليه فالذي يقف خلف التسمية «الأمنية» هو، «قبل كلّ شيء، الرغبة في محو المعنى السياسي، ومن الواضح أنّه لا يوجد أمر سياسيّ أكثر من الرغبة في محو السياسة» كما تؤكد د. عنات مطر.
بناءً على ما تقدّم، تؤكد مطر أنّ التسمية «الأمنية» تدمج فائدتين معًا: فهي تسمح بسلب السجناء السياسيين حقوقهم الأساسية كأفراد يختلف أحدهم عن الآخر، وفي الوقت نفسه تتيح ممارسة اللا-تسييس لأفعالهم، وطمس مطامحهم السياسية. وما يجمع هاتين الفائدتين معًا هو سلب الفردانيّة من السجناء ـ سواء كأشخاص فرديين يستحقّون التعاطي الفردي، أو كلاعبين عقلانيين، أحرارٍ بجوهرهم، ويسعون لتحقيق حرّيتهم. إنّ المصطلح «الأمنيّ» يمحو كونهم أفرادًا ويجعلهم أغراضًا: غرض ـ كحائط منهار، كسطح مشتعل، كحجر مقلاع أو سكّين أو أظفار ـ من شأنه تشكيل خطر أمني، يجب الاحتراس منه حفاظًا على أنفسنا. في المقابل، فالذات، هي سياسية، سياسية على الدّوام. إنّ سلب الخانة السياسية من هؤلاء السجناء وتسميتهم «أمنيين» بشكل جماعيّ يشكّلان، إذًا، سلبًا لإنسانيّتهم على الصعيدين المذكورين: سلب فردانيّتهم وسلب كينونتهم السياسية.
وعليه فإن تطبيق القانون بعد الحكم وإثناءه للمعتقل والموقوف، يبين وجود مسارين أيضا، مسار «للأمني» وآخر للجنائي. والأمني بهذه الحالة عربي وهو من قام حسب الادانه او الاتهام بمخالفة ضد ما يسمى «امن الدولة». وكما عرفناه بقاموسنا السجين السياسي والجنائي بهذه الحالة هو السارق والقاتل والمغتصب. وهناك تعليمات لمصلحة السجون وفق أنظمة مصلحة السجون - تعرف من هو السجين الأمني بشكل منفصل وكيف يجب التعامل معه. وتتحدث عن المسموحات والممنوعات وعن التضييقات وهي الغالبة في هذه الحال. ونجد أن نظام السجن ومبناه وهدفه للسجين الجنائي بعد الحكم، هو التقبل والتأهيل ومساعدة السجين على العودة للحياة خارج السجن، ويضمن له عدم الانقطاع عن العالم الخارجي بما فيه التواصل المباشر مع عائلته، مهما بلغت خطورته ونوعية إجرامه. اما بالنسبة للسجين السياسي/ «الأمني» فإن السجن يهدف الى القمع وتضييق الحريات، والسجن هو حيز للإقصاء والإلغاء والتضييق، تضييق كل إمكانيات التواصل الطبيعي مع الخارج وضمنه العائلة. هدف السجن بهذه الحالة هو العقاب والنيل من السجين قدر الإمكان. ومحو ذاكرته، ذاكرة المكان خارج السجن وخنق أمله بالحرية والتحرر. وأيضا الأهم وفق مفاهيم الأمن الإسرائيلي - ضمان ان يكون الحكم - العقاب والسجن رادعا لغيره.
في حالة السجين الجنائي فهو يلتقي عائلته بشكل حر مباشر في غرفة اللقاء داخل السجن، وله الحق بمكالمات هاتفية للخارج - لخارج السجن وله حق في عطل، واحتمالات ان يحصل على تخفيض مدة المحكومية الى الثلث، واردة وعالية، ان هو أبدى سلوكا حسنا، ويحق له الحصول على كتب وهدايا من عائلته. وبإمكانه بعد فترة من المحكومية العمل خارج جدران السجن.
اما السجين «الأمني»- العربي، فكل القيود مفروضة عليه. فاللقاء هو من خلف فاصل زجاجي يعمل عمل جدار الفصل تماما، فهو يمنع كل إمكانية تواصل مباشر، فالحديث من خلال سماعة هاتف. هذا الحاجز يلغي حاستين من حواس الإنسان الطبيعية: الشم واللمس، والسمع مشوش جراء التشويشات في سماعات الهواتف.
والحديث واللقاء مسموح لأفراد العائلة من درجة أولى فقط، والخصوصية ملغية تماما فالمكالمات مُسَجَّلة ، البريد يُقرأ بتفاصيله. عدا عن أن اللقاء محدد لمدة 45 دقيقة فقط مرة كل أسبوعين. أي بالمجمل كل السنة لا تصل ساعات اللقاء الى أكثر من 18 ساعة مجتمعة أي اقل من يوم في السنة. وكون اللقاء يشارك فيه أربعة أشخاص من الأقارب إضافة للسجين نفسه، فمعنى ذلك ان كل شخص منهم خلال المحادثة لا يحظى بأكثر من سبع دقائق للحديث. ولا يراعي في هذه الحالة جيل الأطفال، بل على العكس يميز ضدهم باسم القانون.
القانون الدولي والمعاهدات الدولية، وأيضا القانون الإسرائيلي، يُعَرَف الطفل على انه من هو دون الثامنة عشرة، لكن إجراءات السجن تميز بين طفل وآخر على أساس الجيل، فقد قررت سلطات السجون، بحالة الأسرى «الأمنيين»، ان من هو فوق الثامنة من الأطفال ممنوع من التواصل المباشر مع والده او أمه من السجناء «الأمنيين»، وله إمكانية لقاء من خلف الزجاج. بالتالي فإن القانون ميز بين طفل وآخر، وألغى حقه الشرعي والقانوني الذي أعطاه إياه القانون، عندما عرفه طفولته بأنها تمتد الى جيل الثامنة عشرة. الا أن المشرع الإسرائيلي لا يعترض على هذا الإجراء وهذا التمييز، رغم انه يتحدث عن مساواة الجميع أمام القانون! لكن في هذه الحالة يتم التمييز ضد السجين الأمني ويتم التمييز ضد أطفاله باسم القانون.
ومع ان اللقاء يتم من خلف زجاج وإمكانية التواصل المباشرة معدومة تماما، الا ان سلطات السجون لم تعف العائلات من التفتيش الأمني الدقيق والذي يتحول الى تفتيش مهين وجسدي في كثير من الحالات، ويمر أفراد العائلة بمسار تفتيش أولا من خلال بوابة إنذار، ومن ثم تفتيش جسدي وبعدها يتم تجميعهم بغرف انتظار مكتظة خانقة تغلق أبوابها وشبابيكها من كافة الجهات ويتحول من داخلها الى مساجين لدى السجانين لغاية فتح الباب لبلوغ غرفة اللقاء. ولا يمكن ان يكون هدف هذا التفتيش منع تسريب أي مواد للسجين من خلال العائلة، لان إمكانية اللمس كما نوهت ممنوعة، وبالتالي فيبقى الهدف من هذا التفتيش هو التضييق والإزعاج. حيث يمكن ان يصل أفراد العائلة الى اللقاء مع السجين بحالة نفسية وجسدية متعبة جراء التفتيش المهين، وبعد طول انتظار في المحطات المختلفة المتتالية من خارج السجن الى داخله. فينعكس الأمر على السجين ونفسيته.
والسجين «الأمني الفلسطيني» محروم داخل السجون الإسرائيلية من الكتب ومن الصحف العربية الصادرة في الداخل، والمسوق يهودي ويعرقل وصول الكتب للسجناء. مؤخرا وبعد نضال طويل، سمحت سلطات السجون بإدخال كتابين للسجين الأمني من خلال العائلة على الا يراكم السجين أكثر من ثلاثة كتب في غرفته ويكون عليه الاستغناء عما لديه. وقد سُمح مؤخرا أيضا بعد نضال ومواصلة عمل مع الصحف ومن خلال مساعدة مؤسسات حقوقية مثل عدالة، بدخول بعض الصحف العربية بينما منعت أخرى حزبية بدعوى انها تحريضية.
أما قائمة الطعام فهزيلة تنقصها مركبات أساسية يحتاجها الجسم كالفيتامينات. والعلاج الصحي محدود وفيه نواقص كثيرة، ويمنع السجناء الأمنيون من الخروج لعلاجات تطلب صورا وفحوصات في المستشفيات كعلاجات الأسنان. ويتم رفض إدخال أطباء مستقلين مختصين لمراجعتهم، من دون توضيح أسباب الرفض، بينما يعطي القانون الحق لأي إنسان، وإن كان سجينا، من مراجعة أي طبيب يختاره. ولا تراعى النظافة في عيادات السجون، فالأدوية توزع بيد مكشوفة وكرسي طبيب الأسنان مكشوفة لا غطاء عليها، إضافة للمماطلة بإجراء فحوصات.
وأما الحيز فضيق جدا، بعض السجون يتم حصر 8 سجناء في غرفة يتقاسمون حيزا - هو اللاحيز. داخل الغرفة طاولة واحدة بلاستيكية لكل الأهداف، للأكل والشرب والقراءة وتحضير الطعام. حيز الحراك غير موجود، حيث يضطر السجين ان يقضي ساعات النهار والليل الباقية جالسا على السرير.
ان الجدار الزجاجي وكل الممارسات المذكورة والتضييقات والتقييدات على السجناء السياسيين من تسميهم دولة إسرائيل أمنيين، هو فقط تأكيد على ان جدار الفصل العنصري قائم بوضوح بين كل ما هو عربي وما هو يهودي بهذه البلاد، وإن لم يكن مصنوعا من الاسمنت. ومن هنا تكمن أهمية ووجوب وضرورة مقاومته ومقاومة السياسات التي تؤدي اليه وفضحها محليا ودوليا، لإلغاء نظام الفصل العنصري الذي يقوم عليه.

([) باحثة وناشطة فلسطينية مقيمة في حيفا، وزوجة المعتقل السياسي أمير مخول
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات