بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
الفلسطينيون في سورية: قلب على فلسطين وقلب على سورية
  02/05/2011

الفلسطينيون في سورية: قلب على فلسطين وقلب على سورية

من الضروري في ظل التطورات الجارية في سورية التي نأمل أن تنتهي فصولها سريعاً بسلامة سورية وشعبها وأرضها، واستمرار موقفها السياسي والقومي المساند للشعب الفلسطيني، التطرق لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين فيها والمقيمين منذ عام النكبة إلى جانب أعداد إضافية منهم استقرت في سورية خلال العقود الثلاثة الماضية من الزمن.
سورية الوطن الثاني
في البداية لابد من القول بأن الفلسطينيين في سورية، واللاجئون منهم على وجه التحديد، وجدوا فيها وطنهم الثاني بعيد نكبة فلسطين، التي وصلوها من مناطق شمال فلسطين في الجليل ومن مناطق الساحل الشمالي والوسط، على دفعات متتالية وأقاموا بشكل رئيسي في دمشق ومناطقها إضافة لبعض المحافظات السورية البعيدة عن المركز، ومن حينها كانت سورية ومازالت بالنسبة للفلسطينيين وطناً عزيزاً كريماً، احتضنتهم بكل محبة، واستتبعت سورية ذلك بصدور سلسلة من التشريعات الرسمية التي ساوت بينهم وبين المواطن السوري في كل الحقوق والواجبات، وانتهت تلك التشريعات بمرسوم رئاسي أقره البرلمان السوري ووقع عليه الرئيس الراحل شكري القوتلي، وهو ما أسبغ الصدقية التامة على الموقف السوري القومي، وعلى موقف الشعب السوري الذي احتضن بكل مودة ومحبة أبناء الإقليم الجنوبي من سورية الطبيعية والمسمى فلسطين.
والآن تقدر أعداد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فوق أراضي الجمهورية العربية السورية، وفق بيانات وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بنحو (495) ألف لاجئ نهاية العام 2010، يضاف إليه بحدود (30) ألف غير مسجلين في قيود وكالة الأونروا، إضافة لأعداد تقدر بحدود (100) ألف من فلسطينيي لبنان والعراق والضفة الغربية وقطاع غزة، من المقيمين في سورية منذ سنوات طويلة. ولذا فإن الأعداد الحقيقية للفلسطينيين في سورية تقارب الآن بحدود (625) ألف لاجئ فلسطيني، يعامل اللاجئون منهم إلى سورية منذ العام 1948 وحتى العام 1956 والمسجلون في سورية ضمن قيود الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، كالسوريين تماماً من حيث المساواة مع المواطن السوري في كل المجالات، ما عدا حق الانتخاب والترشيح للبرلمان السوري، والإدارة المحلية (مجالس المحافظات والمدن)، وذلك وفق القوانين والتشريعات التي صدرت في سورية تباعاً، وساعدت في تنظيم شؤون اللاجئين الفلسطينيين، وخاصة القانون رقم (450) الصادر في تاريخ (25/1/1949) الذي أقر إحداث الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب التي ترتبط بدورها بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، والقانون (260) الصادر بتاريخ (10/7/1956) لعام 1956، بما تضمنه من نص واضح يعتبر من خلاله الفلسطينيين المقيمين فوق أراضي الجمهورية العربية السورية كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين، وبالتالي في المساواة بالمواطن السوري من حيث الأنظمة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم في القوات المسلحة العربية السورية ولاحقا في صفوف جيش التحرير الفلسطيني بعد تأسيسه عام 1964، مع الاحتفاظ بالجنسية الفلسطينية، فاللاجئون الفلسطينيون في سورية يخضعون لخدمة العلم منذ عام 1949 مع احتفاظهم التام والكامل بجنسيتهم الفلسطينية.
ووفق سجلات وكالة الأونروا، والهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في سورية، فإن ما نسبته (13%) من الفلسطينيين في سورية حالياً ومع نهاية العام 2010 هم مواليد فلسطين من الذين تخطوا العمر الزمني البالغ (63) عاماً، حيث تشكل نسبة النمو السكاني وسط اللاجئين الفلسطينيين في سورية واقعاً تزايدياً عن السنة التي سبقت بنسبة (3.3%)، وبنسبة تبلغ (3.6%) إلى مجموع اللاجئين الفلسطينيين بشكل عام، في حين تبلغ نسبتهم إلى مجموع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سجلات وكالة الأونروا بحدود (10.3%)، ونسبتهم إلى مجموع السكان في سورية (2.4%) من مجموع سكان سورية، كما تبلغ نسبتهم إلى المجموع العام لكل أبناء الشعب الفلسطيني (10.1%) مسقطة منهم أعداد ليست بالقليلة لم يتم اعتمادها في سجلات الأونروا لأسباب متعددة.
مجتمع فتي

يعتبر المجتمع الفلسطيني في سورية مجتمعاً فتياً تتسع قاعدته العمرية الصغيرة باطراد مع مرور الزمن بفعل عامل الخصوبة لدى المرأة الفلسطينية، وظاهرة النمو الأسي حيث تزداد أعداد أفراد المجتمع الفلسطيني في سورية بمعدل شبه ثابت في وحدة الزمن (في المتوسط 3.5% سنوياً)، ونتائجه في زيادة عملية الإنجاب والنمو الطبيعي لنسبة السكان، فنسبة (43.2%) منه دون سن الخامسة عشرة، ونسبة (62%) منه دون سن السادسة عشرة، لذا يتمتع اللاجئون في سورية بكونهم مجتمعاً فتياً تكبر فيه قاعدة الهرم السكاني الممثلة بالأطفال والشباب ما قبل السابعة عشرة.
ففي التوزع العمري وفق أهرامات العمر يطغى طور الشباب، ويليه طور الإنتاج، وطور ما بعد الإنتاج، ويتحدد شكل الهرم السكاني لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سورية بمسقط مثلثي على المستوي أشبه بالمثلث المتساوي الساقين ذي القاعدة العريضة، ما يترتب عليه تراجع نسبة القوة البشرية العاملة، وازدياد أعباء الأسرة والإعالة تجاه متطلبات الحياة اليومية الصحية والاجتماعية والتعليمية.
ويتمتع مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سورية بخصوبة مرتفعة نسبياً وتكاد تماثل نسبة الخصوبة في المجتمع السوري وتعادل (7.35)، وتحدد الخصوبة القدرة الإنجابية للمرأة الواحدة في سن حياتها الإخصابية، وتبلغ بالنتيجة (43) بالألف.
أما التنمية البشرية بين اللاجئين الفلسطينيين في سورية فتعتبر تنمية بشرية متوسطة وفق مقاييس برنامج الأمم المتحدة، في حين حجم القوة البشرية بينهم بلغت بالمتوسط عام 1998 نسبة (54.5%).
وبالنتيجة فإن مرد اتساع قاعدة الهرم العمري السكاني وطغيان الطور الشاب في الهيكل العمري للتجمع الفلسطيني في سورية يعود إلى:
1- ارتفاع معدلات الخصوبة الكلية للمرأة الفلسطينية في سورية مقارنة حتى بالمرأة العربية بالأقطار المجاورة وبالحدود النسبية. مع التراجع الملموس خلال السنوات الخمس الأخيرة «المحدود والمتدرج البطيء» لمعدلات الإنجاب تبعاً لتعقيدات الحياة الاقتصادية وضعف مردود الأسرة ودخول المرأة سوق العمل الإنتاجي. وبالإجمال فإن عوامل التأرجح في النمو السكاني للاجئين الفلسطينيين في سورية لم تبرز على السطح بعد، ولم تسبب حتى بتجلياتها الأولية أي تغييرات حادة في النمو السكاني للفلسطينيين فوق الأراضي العربية السورية. وعليه، كان لارتفاع نسب التعليم عند المرأة الفلسطينية في سورية، ودخول العديد من الإناث في سن العمل سوق الإنتاج، وفق وتيرة متزايدة، الأثر الكبير في التراجع المحدود لمعدلات الخصوبة للمرأة الواحدة للعام الواحد كما تم ذكره.
2- عدم وجود هجرة غير طبيعية (عدد الذكور 104 لكل 100 أنثى) أي إن نسبة الذكور تبلغ (51%) داخل مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سورية وهي نسبة اعتيادية وطبيعية جداً في المجتمعات المستقرة.
3- وجود مقدرة حيوية على التزايد خلال وحدة الزمن بفعل وجود: مقدرة كامنة على التزايد، ومقدرة فعلية ضمن شروط وتحت ظروف الواقع المعيش. إضافة لما تقدم، وصل العمر المتوقع عند الفلسطينيين في سورية خلال الأعوام الأخيرة نحو (68.5) سنة للذكور، وحوالي (72.5) سنة للإناث. في حين يصل العمر في الدول المتقدمة إلى (78) سنة للذكور. وتعتبر هذه المؤشرات مهمة وضرورية لما تلقيه من رؤية لواقع التجمع الفلسطيني في سورية، وخاصة أن العمر المتوقع للذكر والأنثى يحمل دلالاته بما يتعلق بدرجة تطور المجتمع ورقية، ودرجة استفادته من الخدمات المقدمة له بجوانبها الصحية والاجتماعية والتعليمية عبر وكالة الأونروا، والحكومة السورية والجهات الفلسطينية المعنية.
خلاصات واستنتاجات

وباختصار شديد، يعتبر التجمع الفلسطيني اللاجئ في سورية مجتمعاً نشيطاً ومبادراً على كل محاور الحياة، كما هو حال التجمعات الفلسطينية اللاجئة في البلدان العربية المختلفة. ولم يشكل في أي لحظة عامل إعاقة، أو عالة، إن كان على محيطه أو في مكان اللجوء الجغرافي. وكما بادر الفلسطينيون للمساهمة ببناء دول الخليج العربي خلال عقود استقلالها الأولى، فإن اللاجئين الفلسطينيين في سورية وفي موجات قدومهم الأولى ساهموا في بناء سورية، وخاصة أن نكبة فلسطين ترافقت مع سنوات الاستقلال الأولى لسورية العربية، وشكّلوا عاملاً بنّاء في الجوانب الاقتصادية والثقافية التربوية التعليمية والسياسية وفي باقي أوجه الحياة في القطر العربي السوري، وبرز منهم أسماء لامعة في صفوف الأنتلجنسيا العربية وفي حياة سورية على مختلف الصعد.
إن المجتمع الفلسطيني اللاجئ على أرض سورية العربية يتمتع بمجموعة من الخصائص التي تؤكد عمق انتمائه الوطني وتمسكه بحق العودة، فالنكبة مازالت ماثلة أمام أعين الأجيال التالية من أبناء اللاجئين الفلسطينيين في سورية، الذين ولدوا خارج فلسطين، وهو ما زودهم بطاقات أعطت نتائجها بشكل دائم بسيادة روحية الإقدام عند الفلسطيني، وسيطرة إرادة التحدي أمام معترك الحياة بعد نكبة ضياع الوطن، فمجتمع اللاجئ الفلسطينيين في سورية يتأكد فيه:
1- الهوية الوطنية التي تميزه كمجتمع فلسطيني يحمل أبناؤه الجنسية العربية الفلسطينية المدغمة في الإطار القومي على أرض سورية العربية.
2- اعتباره جزءاً من الوعاء الحاضن للحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات، فجميع قوى وفصائل الشعب الفلسطيني تنشط وسط هذا التجمع، فضلاً عن النقابات والاتحادات والمنظمات الشعبية. وقد كان لأبناء هذا التجمع السبق الأساسي في إطلاق شرارات الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقد قدم الآلاف من الشهداء عبر مسيرة الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها المسلحة.
3- حفاظه على الموروث الشفهي ولذاكرة الوطن في صفوف الأجيال التي نمت ونشأت خارج فلسطين بعد نكبة 1948.
4- ديمومة الحلم المشروع في العودة إلى أرض الوطن، والحفاظ على الكينونة الخاصة التي يميزها المخيم الفلسطيني بما يعنيه من ترميز لحق العودة.

علي بدوان

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات