بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
الزمن السوري الصعب…سباق بين الفتنة المذهبية والإصلاح
  15/06/2011

الزمن السوري الصعب…سباق بين الفتنة المذهبية والإصلاح


سامي كليب – صحيفة السفير

لم يتغير شيء كثير في الطريق بين الحدود اللبنانية وقلب دمشق، لا أمن مكثفا، لا دوريات عسكرية ولا أي شيء آخر يوحي بأن سوريا تعيش حروبا متقطعة. وحده التفتيش عند بوابة المصنع صار أكثر صرامة، خصوصا للسيارات الداخلة من لبنان. كل شيء يوحي بالهدوء. يناقض هذا الهدوء ذاك الغليان المستعر على وقع حرب ستشتد في جبل الزاوية في محافظة إدلب، والمستعر أيضا بالأسئلة حول المصير.
صارت الطرقات الرئيسة الموصلة إلى دمشق أو تلك المتفرعة عنها، تحمل شعارات سياسية وإصلاحية وأمنية عديدة موزعة على شكل لافتات أو لوحات إعلانية: «الحرية لا تبدأ بالفوضى وإنما بالحوار والإصلاح، معاً ضد الفساد، الفتنة أشد من القتل. حاصروا رموز الفتنة، نعم للوحدة الوطنية، الحرية تعني الالتزام بالقانون، الحرية لا تعني الفوضى،…الخ».
توحي السلطة بان محاصرة رموز الفتنة تضطرها لتجريد حملة عسكرية كبيرة في جسر الشغور وجبل الزاوية. يقول إعلاميون نقلا عن مسؤولين عسكريين إن بعض قرى منطقة ادلب كانت قد خرجت عن سلطة الدولة لفترات متقطعة. يؤكدون أن المسلحين مدربون على نحو عال وان قتالهم يذكِّر بما كان عليه الأمر في مخيم نهر البارد في لبنان. يرد معارضون على ذلك بالقول إن السلطة تريد أن تلقن المعارضين والمسلحين درسا مشابها لما فعله الرئيس الراحل حافظ الأسد في حماه، بحيث تكون معركة تلك المناطق الريفية رادعة لأي تحرك مشابه في المستقبل. يؤكدون أن السلطة تخترع عدوا. يقلق البعض من حمامات دم جديدة.
يتخبط المشهد السوري بين انفتاح وممارسات مناهضة. ينفتح الباب أمام مراسلي وسائل الإعلام غير السورية بالذهاب إلى منطقة جسر الشغور. يعطى الضوء الأخضر لإصلاح الإعلام. تظهر أولى بوادر الإصلاح على التلفزة الرسمية. يتم بالمقابل إغلاق مواقع صحافية على الانترنت. لا يمكن مثلا تصفح «الشرق الأوسط» أو «القدس» أو «النهار» اللبنانية أو معظم الصحف الكويتية. لكن لو بحث المرء عن اسم مراقب جماعة الإخوان المسلمين رياض الشقفة فقد يقرأ كل ما يريده. لا منطق إذن بالسماح والمنع، وإنما هو نموذج لاستمرار الضياع في التعامل مع المرحلة الحالية. وحده المسار الأمني يبدو منضبطا بدقة متناهية بحيث يتفوق على كل ما عداه، وفي هذا الانضباط الأمني المطلوب يمكن النظر إلى العلاقة مع لبنان.
يحار اللبنانيون مثلا في كيفية تفسير اللقاء بين الرئيس بشار الأسد ورئيس جبهة النضال وليد جنبلاط. يربطون كل اللقاء، وعلى جري عادتهم التبسيطية، بتشكيل الحكومة المقبلة. يبدو الأمر في دمشق مختلفا تماما، ذلك أن اللقاء تم بعد جولة لجنبلاط في باريس ولقاء مع جيفري فيلتمان في لبنان وزيارة لأمير قطر. الحديث إذا يتخطى الحكومة ليستعرض بعض تفاصيل ما باتت تسمى بـ«المؤامرة الدولية» على سوريا. لا شك أن دمشق سهلت تشكيل الحكومة. شرح الزائر اللبناني للرئيس السوري ما سمعه حيال سوريا والمنطقة. الهموم السورية الحالية تتخطى التفاصيل المملة للحكومة، ودمشق تنظر إلى لبنان حاليا من منظور أشمل يتعلق بالدور المطلوب دوليا للبنان في مرحلة الضغط على سوريا. هذا يجب تحصينه. وجنبلاط شرح وفهم الكثير. ومما يمكن فهمه هو الحذر الكبير من احتمال تحويل لبنان إلى بؤرة أمنية ضد سوريا في هذه المرحلة الحرجة. ولكل طرف أن يفسر ذلك كيفما شاء.
كل شيء جديد تقريبا على السوريين. منذ 30 عاما لم يشهدوا اقتتالا داخليا. منذ أكثر من نصف قرن لم يجاهر احد بالطائفية أو المذهبية، اقتناعا أو خوفا. منذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم لم يأخذوا على محمل الجد أي طرف سياسي آخر سوى السلطة. منذ الوحدة بين مصر وسوريا بدأت مسيرة إلغاء «الآخر» ولم تنته. ماذا يصدقون؟ الإعلام الرسمي الذي بات مع قناتي «الدنيا» و«الإخبارية» يمهد لدخول الجيش إلى مناطق الاقتتال مع مسلحين لم يعرف بعد الشيء الكثير عنهم وعن ارتباطاتهم والانتماءات؟ أم يصدقون وسائل الإعلام الأجنبية ودبلوماسيات العالم التي تقول إن السلطة تخترع كل شيء بغية القضاء على كل معارضة، والحفاظ على النظام والطائفة والعائلة؟
يفترض الحوار وجود «الآخر». هذا لب المشكلة الحالية في سوريا. لم تعترف السلطة حتى الآن بوجود معارضة وإنما تتحدث عن شخصيات معارضة. ربما هي على حق حتى إشعار آخر. ولكن الشارع يتحرك.
الرئيس الراحل حافظ الأسد ألغى خصومه. صارت الدولة معه تفكر عن الجميع وتفاوض عنهم وتقرر مصيرهم من دون استشارة فعلية. قبلت الأحزاب الموالية والمعارضة أن تصبح مطية.
اليوم يقف بشار الأسد أمام الامتحان الأصعب. يريد إصلاحات ولكن بحدود. يرغب بالانفتاح ولكن بشروط. لا يمانع بالحوار ولكن مع شخصيات معارضة يختارها النظام. الإصلاح بنظر السلطة لا يعني مطلقا تغيير النظام.
الشحن الطائفي الذي يترسخ أكثر فأكثر في المجتمع السوري (بسبب ممارسات بعض أهل السلطة وبعض معارضيها)، وخصوصا في الأرياف وبعض المدن الساحلية، يبحث حاليا عمن يؤطِّره. تخشى السلطة أن يقوم طرف في التعبير عن العمق السني في مواجهة المركزية العلوية. ماذا سيمنع إذا من انتشار سريع للإخوان المسلمين؟ ماذا سيمنع من غرق البلاد أكثر في أتون حرب هوجاء؟، لا بد إذا من السيطرة على المعابر الحدودية مهما كلف الأمر. تظن السلطة انه كلما تمت السيطرة الأمنية على الحدود كلما تراجع خطر الإسلاميين (وهنا ثمة خلط غير معلن بين المسلحين والسلفيين وتجار السلاح والإخوان المسلمين).
النظام مطمئن ولكن
ينقل الزوار الأجانب، وبينهم كثير من اللبنانيين وعدد من الدبلوماسيين، عن المسؤولين السوريين وفي مقدمهم الرئيس بشار الأسد صورة مغايرة لكل القلق الموجود على الأرض. يقول مسؤول لبناني التقى مؤخرا أحد القيادات البارزة: «إننا ومنذ بداية هذه الأزمة في سوريا، لم نشعر بقلق أمني لدى السلطة السورية. ربما في الأيام الأولى لتحرك الشارع حصلت بعض البلبلة لكن الغيوم سرعان ما تبددت بعد استيعاب الصدمة الأمنية الأولى. تم وضع خطة أمنية متكاملة نجحت في إغلاق البؤر الكبرى، وخصوصا الحدودية منها. ما يجري حاليا في منطقة جسر الشغور وبعدها في جبل الزاوية هو استكمال لهذه الخطة بغية القضاء على المسلحين. سيتم الكشف لاحقا وعبر تلفزيونات العالم عن مخططي ومنفذي بعض العمليات المسلحة ضد الجيش وقوى الأمن. هذا ما يدفع السلطة إلى الاطمئنان على الخطوط الأمنية الكبرى، لكنه لا يلغي طبعا القلق من احتمالات انفلاتات أمنية متنقلة هنا وهناك، سيجري التعامل معها بحزم. هذا خط أحمر مهما كانت التكاليف».
«يجاهد» التلفزيون السوري الرسمي لعكس حقيقة ما يقال على الفضائيات الأجنبية. يبث حكايات أناس تعرضوا لهجمات مسلحين. يكرر تفاصيل المجزرة التي يقول إن رجال الأمن تعرضوا لها في كمين في جسر الشغور. تفتح وزارة الإعلام الباب لعدد من مراسلي وسائل الإعلام العربية وبعض الأجنبية لمرافقة الجيش في معركته هناك. تبث التلفزات السورية صورا للمراسلين وخلفهم الجيش وبينهم رجل ثلاثيني العمر يعترف بأنه شارك في المقبرة الجماعية التي حفرها مسلحون ورموا فيها جثث قتلاهم من قوى الأمن. ثمة من يشكك بالرواية. يزداد التشكيك بالروايات الرسمية السورية، فتزداد قناعة السلطة بان آلة الضغط على النظام ستستمر وتكبر.
حقيقة دور ماهر الأسد
تحار السلطة لتثبت للسوريين أولا وللعالم ثانيا بأنها تواجه فعلا مسلحين وسلفيين وتجار سلاح وبان البلاد تتعرض لمؤامرة. يقول مسؤول أمني: «إن مغالطات كثيرة تساق في وسائل الإعلام الأجنبية والفضائيات العربية، وبينها مثلا أن الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد هي التي تقوم بالعمليات على الأرض هنا وهناك، ويقولون إنها مع فرقة الحرس الجمهوري هي التي تروِّع الناس، والحقيقة أن الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري هما فرقة واحدة، ثم أن ماهر الأسد ليس قائد هذه الفرقة وإنما هو قائد لواء فيها، وليس هو من يصدر بالتالي الأوامر لهذه الفرقة التي ليس لها علاقة أصلا بما يجري مباشرة في مناطق القتال الحالية. لم تتحرك هذه الفرقة في العمليات الأخيرة وإنما أخذت منها فقط بعض المعدات العسكرية».
لا ظهور علنيا لماهر الأسد، وعارفوه يقولون انه ليس من النوع الذي يحب الظهور أصلا، ولكن بعض الدبلوماسيين الغربيين في دمشق يؤكدون انه يلعب دورا مهما في الحفاظ على النظام الحالي. يؤكد هؤلاء أن الرئيس بشار الأسد لا يزال حتى الآن «القائد الفعلي للنظام». إن كل ما يحكى عن تنافس أو تنافر بين أركان النظام يبدو ضربا من الوهم. يعرف أهل النظام الحالي أن قوتهم تكمن في صلابة تكاتفهم. لا احد يشذ عن هذه القاعدة حتى الآن. يغلق بشار الأسد الأبواب على الخارج ويهتم بالتطورات الأمنية، هي وحدها حاليا ما سيحدد مسار الأمور. يطمئن إلى أن لا انشقاقات عسكرية ولا دبلوماسية حتى الآن.
خطأ رامي مخلوف
الحديث عن تماسك النظام يجدد السؤال عما قاله رامي مخلوف ابن خال الرئيس لصحيفة «نيويورك تايمز» في 10 أيار الماضي، من «أن استقرار إسرائيل هو من استقرار النظام في سوريا». انتشرت المقالات في الصحف العربية ولكن أيضا في الصحف الإسرائيلية والأميركية تشرح هذا الخبر. ثمة من ذهب إلى حد القول انه كان تمهيدا لاختراق الحدود عند الجولان مرتين. وقيل انه يفتح صفحة جديدة في العلاقة مع إسرائيل.
لا شيء في سوريا يؤكد أن هذا الكلام كان مدروسا أو مخططا له. على العكس تماما، يسمع زائر دمشق لوما شديدا لهذا «الخطأ» الإعلامي من قبل مخلوف. ينقل دبلوماسي عربي رواية تقول إن القيادة السورية، وفي مقدمها الرئيس بشار الأسد، فوجئت بهذا الكلام. قيل انه بمجرد نشر الخبر جرى اتصال رفيع مع رامي لتأنيبه. سمع الرجل كلاما قاسيا. يؤكد مصدر ثالث أن مخلوف أعرب عن ندم شديد وانه لو استطاع أن يكذب الرواية لكان فعل. ثمة من ينقل عنه انه لم ينتبه لما قاله ولم يكن أصلا يعرف أن عبارة كهذه ستجذب كل تلك الردود.
تتعدد الروايات ولكن الأكيد منها هو أن الرئيس الأسد نفسه لم يكن على علم مسبق بالموضوع، وانه على الأرجح غضب منه. والأكيد أيضا انه منذ تلك «الحادثة الإعلامية» ابتعد رامي مخلوف عن الواجهة خصوصا وان جزءا من السوريين ولأسباب مختلفة يربط اسمه بصفقات وعمليات تجارية وشركات. نجح الرجل إلى حد بعيد في أن يصبح رجل الأعمال الأكثر شهرة في البلاد، فبات في زمن الإعلان عن الإصلاح الرجل الأكثر عرضة للاتهام بالفساد. يقول المعارضون انه أفاد كثيرا من علاقة القرابة بالرئيس لتكوين ثروة كبيرة وانه لا بد من اتخاذ الرئيس إجراء علنيا ضده ليؤكد عزمه على الإصلاح، بينما يؤكد المقربون منه أن في الأمر كثيرا من المغالاة، تماما كما ثمة مغالاة في دور رامي مخلوف في حماية الاقتصاد وتعويم الأسواق بعد تعرض الليرة السورية للتلاعب في بداية الأزمة. لا احد يستطيع أن يؤكد إحدى الروايتين. كان هذا حتى الأمس القريب من المحظورات. ربما لن يبقى طويلا هكذا.
كان الفساد قد ارتبط طويلا في سوريا بأسماء أبناء مسؤولين سابقين. تصدر أبناء نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام الصورة في مرحلة معينة. تمت السيطرة على جل ثروتهم في الداخل وعلى مطاعمهم ومصالحهم التجارية. لكن السوريين لا يزالون يضعون مشكلة الفساد في صلب اهتمامهم. كثير منهم يطالب الرئيس بأن يكون أكثر حزما في خطابه المقبل حيال الفساد، خصوصا أن كلامه عن الأمر في خطابه الأول أمام البرلمان بعد اندلاع الأزمة أوحى وكأن الرئيس يقلل من أهمية الأمر، رغم انه عاد وشدد عليه في خطابه الثاني أمام الحكومة. قيل إن التشديد على الفساد أمام الحكومة جاء ليؤكد أن ما قاله في الخطاب الأول أسيء فهمه، فهو عازم فعلا على محاسبة الفساد.
والأمر الآخر المهم في هذا الشأن، هو أن القيادة السورية جازمة في تأكيدها على أنها لم تتخذ قرارا بخرق الشريط الحدودي مع إسرائيل عبر الجولان المحتل. لم يتم اتخاذ قرار رسمي بالسماح أو منعه. لكن العارفين بطبيعة النظام ودقة هذه القضية يؤكدون أن عدم اتخاذ قرار لا يعني انه لم يتم التغاضي عن الأمر، بمعنى أن ضوءا اخضر قد أعطي من دون أن يكون في الأمر سماح رسمي معلن.
غموض الأمن ووضوح اردوغان
يتجدد شبح الثمانينيات. يرتفع الصوت التركي محذرا من «حلبجة» جديدة أو من «حماه» ثانية. يتعزز الشحن المذهبي عبر بعض الشاشات الدينية التي انتشرت كالنار في الهشيم. تتعدد الجثث الحاملة آثار حقد مذهبي. ينكفئ الخائفون. يختفي حزب البعث تماما عن الصورة. يتقدم الخيار الأمني على ما عداه.
ماذا قصد رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان في خطابه بعد فوزه في الانتخابات حين قال انه انتصار في «أنقرة ودمشق، وفي أزمير وبيروت؟» . هل يعني أن موقفه المناهض للنظام السوري هو الأسلم وانه بالتالي سيرفع حدة اللهجة التركية مستقبلا ويرفع الضغط أكثر؟
يتذكر السوريون فجأة أن لتركيا علاقات مشبوهة بإسرائيل، يقلقهم كلام الأتراك عن إقامة القاعدة الأطلسية الأولى مستقبلا في أزمير. العلاقة مع أنقرة مثيرة للقلق واللوم والعتاب. من اسطنبول أعلن المراقب العام للإخوان المسلمين السوريين قبل أيام معركته لإسقاط النظام السوري. قال رياض الشقفة «إننا ممتنون لمواقف الأستاذ رجب طيب اردوغان». أكد أن ما يحصل في سوريا هو «انتفاضة شعبية عفوية بدأت وتحولت إلى ثورة بسبب تصرفات النظام». قال «إن عملية القمع زادت وتيرة الاحتجاجات وان قناعتنا أنها لن تقف إلا بإسقاط النظام». هل وصل الأتراك إلى مرحلة العمل على إسقاط النظام؟ الصورة ليست واضحة في دمشق، وثمة من لا يزال يأمل بان تحمل المرحلة المقبلة بعد الانتخابات التركية لغة جديدة. يؤكد آخرون عكس ذلك، يقولون إن المرحلة المقبلة قد تصل إلى القطيعة مع أنقرة. كلام الأتراك عن ماهر الأسد يعني خرق الخط الأحمر مع النظام والعائلة.
يقول مسؤول بعثي مقرب من النظام «إن تركيا خذلتنا. وقفنا إلى جانبها في أوضاعها الصعبة. تضامنا مع حكومتها حين سقط جنود أتراك قتلى جراء الاعتداءات والمواجهات. عززنا دورها في الشرق الأوسط حين طرحنا دورها للوساطة في عملية السلام. كان الرئيس الأسد يشترط بقوة على الجميع بما في ذلك على الأميركيين والأوروبيين أن تكون تركيا هي الوسيط، كرر ذلك حتى في أوج الخلاف التركي ـ الإسرائيلي. بفضل سوريا وإيران وسَّعت تركيا دورها في المنطقة والعالم حيث تم إشراكها في الوساطة في الملف النووي الإيراني». يكاد المسؤول نفسه يؤكد أن الخسارة التي ستصيب تركيا سياسيا واقتصاديا وكدور في المنطقة ستكون اكبر من خسارة سوريا في حال استمر التردي في العلاقات.
يشكو رجل أعمال سوري من تردي العلاقة مع الأتراك. يقول: «كنا بصدد تنظيم معرض في دمشق، قرر الأتراك تعليق حضورهم. خسرت أنا شخصيا بضربة واحدة أكثر من 8 ملايين ليرة سورية». يروي تاجر آخر انه من لواء اسكندرون وان بعض أهله نواب في البرلمان التركي، ولكن تجارته انهارت بسبب تردي الأوضاع. يتساءل ثالث عما إذا كان خلف ذلك محاولة لتحريك رؤوس الأموال السورية في حلب ودمشق ضد النظام. رجال الأعمال والمصالح التجارية هم سبب هدوء اكبر عاصمتين في سوريا (أهل حلب يحسبون مدينتهم العاصمة الثانية). فماذا لو تغير الوضع بعد حين. هل تلعب تركيا هذه الورقة الاقتصادية ضد النظام السوري؟
حرب الاقتصاد
تلقي الأزمة الاقتصادية بظلال صعبة على المجتمع السوري. تنتشر بسطات البطيخ والأرضي شوكي في شوارع دمشق. هذا موسمها. تفرِّخ أسواق جانبية بسبب الفوضى. تنتشر بسطات أخرى لبيع الاعلام السورية وصور الرئيس . لكن الناس تخبئ القرش الأبيض لليوم الأسود. موظفة الاستقبال في فندق «أجينور» في باب توما وهي منطقة أثرية في قلب دمشق تقف أمام الباب وكأنها تستجدي زائرا. تقول إن هذا الفندق ذا النجوم الخمسة و«الذي كان يعج بالسياح ويفترض الحجز فيه قبل شهر، لم يعد يستقبل اليوم أكثر من زائر واحد كل أسبوع». الفندق حديث العهد، تم تجديده في سنوات الانفتاح والانفراج الاقتصادي الأخيرة. كان قصرا تابعا لإمرأة يهودية باعته قبل سنوات. يختزن 500 عام من العمر، وها هو يحتضر في 3 أشهر.
يروي شاب من حلب انه يفتح التلفزيون الرسمي كل صباح ومساء على أمل إعلان رسمي حول وظائف مصرفية جديدة لكن في كل يوم يخيب ظنه. يشرح انه حامل إجازة في إدارة الأعمال، وانه درس في سوريا ولبنان. منذ الإعلان عن الإصلاحات وهو يأمل بان يتم تنفيذ الوعود. يقول: «والله يا أستاذ نحن نحب الرئيس بشار، ولكننا ما عدنا نصدق الوعود، ولو استمر الوضع الاقتصادي على ما هو عليه فقد أنضم إلى المتظاهرين. لماذا لا تحصل محاكمة لأحد وجوه الفساد؟ لماذا لا نسمع عن خطة للتوظيف؟ والله ليس لنا علاقة بالسياسة ولكننا فقط نطمح لتغيير الظروف الاقتصادية».
لا يمكن تصنيف كل السوريين على أنهم سلطة أو معارضة أو سلفيون، ثمة أناس كثيرون يريدون بكل بساطة حياة أفضل. كثير من هؤلاء لا ينتمون إلى أي طرف. بعضهم نزل إلى الشوارع في بداية التظاهرات مطالبا بالحرية، ثم نزل إلى الشوارع مطالبا بالأمن. ليست الايديولوجيا هي بالضرورة من يحدد «الآخر» في المجتمع السوري اليوم.
يجتمع بضعة شبان ورجال أعمال في مقهى دمشقي. يدور النقاش حول كيفية المساهمة في استقرار البلاد. يشرح رجل أعمال شاب انه تعرض قبل فترة قصيرة إلى اعتداء على منزله من قبل مسلحين ملثمين لأنه يشارك في التظاهرات المؤيدة للرئيس الأسد. يقول انه يكره المذهبية وانه هو نفسه اسماعيلي وزوجته لبنانية من طرابلس. يؤكد انه لم يكن يتعاطى السياسة، ولكنه اليوم مضطر للتحول إلى «شبِّيح» كل يوم جمعة لملاحقة «المخربين». يقترح أن يتم تشكيل مجموعات مسلحة للرد على بعض المتظاهرين الذين يرابطون كل جمعة خارج المساجد لتأجيج الأوضاع. يقول انه «من غير المعقول أن السلطة تقبض على هؤلاء المخربين ثم يخرجون إلى الأحياء التي نعيش فيها بعد بضعة أيام . كيف تريدنا أن نصدق أن الدولة لا تزال تحافظ على هيبتها. يجب أن نساعدها في ذلك». يعترض زميله في موقع «فيسبوك» الذي انشأه مجددا مع صديقه التاجر وبعض الأصحاب. يحذره من أن تصرفات كهذه ستؤدي إلى حرب أهلية. الشاب المعترض يعمل في مجال المحاماة. يرد رجل الأعمال بحزم أكبر: «يا أخي فلتكن مجموعات ضد مجموعات، وفي نهاية الأمر سنسحقهم».
سقطت محرمات كثيرة بفعل الصدمة التي أصابت سوريا، صار المواطن السوري يتحدث دون خوف عن أعداء الداخل المفترضين. وكل طرف يعتبر انه صاحب الحق وان الآخر هو المخرب. المواطن السوري الذي كان يتحاشى لعقود طويلة إثارة موضوع الطائفية أو المذهبية، صار يتحدث عنها، ولو بحرج واضح، ليس لتأكيدها وإنما لتوجيه أصابع الاتهام إلى اولئك الذين أيقظوا الفتن الدينية. من هم هؤلاء؟
الإخوان المسلمون بين عدو أو شريك في الحوار
حسمت السلطة قبل فترة ثم رياض الشقفة بعدها قضية التحاور بين النظام والإخوان المسلمين. لا حوار بين الجانبين، لكن السوريين يختلفون في تقييم «الإخوان». الخلل الكبير في التركيبة الديموغرافية السورية بين أغلبية سنية وأقليات أخرى، تجعل الأسئلة بشأن مستقبل «الإخوان» متعددة الاتجاهات. يقول موظف مصرفي، وهو من حماه ويعيش مع عائلته في دمشق، «لم نكن نعرف الكثير عن الإخوان المسلمين في السابق. كان التعتيم الإعلامي يحصر صورتهم بأنهم مرتكبو مجازر في ثمانينيات القرن الماضي. الآن وبفضل الفضائيات صرنا قادرين على مشاهدتهم وسماعهم. أنا شاهدت رياض الشقفة قبل أيام على التلفزيون الفرنسي، وجدته معتدلا في طرحه. قال: إن مشروعنا هو دولة ديموقراطية مدنية. اعتقد أن الإخوان تغيروا فلماذا ترفض السلطة محاورة المعتدلين بينهم، ربما يصلون إلى حل جيد». يرد عليه زميل له: «والله لو وصل الإخوان إلى السلطة سأصبح انتحاريا ضدهم».
التفسيرات الرسمية لكلام «الإخوان» تصب في مكان مختلف تماما. الشروط التي يطرحها مسؤولو الجماعة، وفي مقدمهم رياض الشقفة وعلي صدر الدين البيانوني، بالنسبة لاحتمالات الحوار تبدو في نظر السلطة تعجيزية. ثمة شكوك بوجود خطة اخـوانية منـظمة للاسـتيلاء على السلطة بعد المساهمة في مرحلة اللاستقرار. ينفي مسؤولون بعثيون مقربون من النظام أي نية فعلية لتعديل المادة 49 من القانون السوري لعام 1980 والتي تنص على «الحكم بالإعدام على كل من ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين». لا بل ينفي هؤلاء أيضا أي نية لإلغاء المادة 8 التي تشير إلى قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع.
يتساءل بعض السوريين عن الأهمية الفعلية لحزب البعث. يقول بعضهم إن الرئيس الأسد نفسه له علاقة خاصة بالحزب، فهو من جهة متمسك بالإبقاء عليه وله علاقة شخصية به لأنه تربى عليه ولانه جزء من تركة والده، ولكنه من جهة ثانية يريد رفده بدم جديد. يشرح آخرون كيف أن الرموز البعثية بالنسبة لهم هم أولئك الكهول الذين لا يتنقلون من مكان إلى آخر إلا بمواكب من السيارات ويوحون بالبلادة والنعاس والصدأ أكثر من أي شيء آخر. كيف يمكن لنظام أن يصلح نفسه إذا ما كان راغبا بإبقاء الحزب مسيطرا على مقاليد الدولة؟ ثم أين الحزب في المعركة الحالية. أين قادته لا يطلون على الفضائيات؟ أين الندوات المانعة للانزلاق إلى آتون المذهبية؟ كيف يسكت الحزب عن الدعوات لـ«جمعة العشائر» في بلد يفترض بحزبه العلماني أن يكون ألغى العشائر والقبائل؟ الحزب نائم حتى إشعار آخر.
إسقاط النظام لا الرئيس
يخيم الليل على دمشق. تلمع أضواء المدينة. يغلب على الأضواء اللون الأخضر. «انظر إلى مساجد الشام كم هي جميلة» يقول مضيفنا ونحن جالسين في المطعم المعتلي جبل قاسيون. يربو عدد المساجد والجوامع الرئيسة في دمشق وريفها على الـ2000. يقال إن سوريا تضم أكثر من 10 آلاف مسجد. يتذكر مضيفنا أن الرئيس بشار الأسد كان أقدم في الفترة الماضية على عدد من الإجراءات حيال المسلمين السنة في الدولة العلمانية. أعادت وزارة التربية 149 معلمة منقبة إلى مدارسهن في دير الزور. تم السماح بتأسيس «معهد الشام العالي للعلوم الشرعية والبحوث الإسلامية». سمح بإنشاء قناة تلفزيونية دينية وفق ما أعلن الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بعد لقائه الأسد. قبل ذلك بفترة صلى الرئيس مع ضيفه ونظيره الإيراني محمود احمدي نجاد في احد مساجد السنة في دمشق. ثم أن زوجة الرئيس هي سنية. ماذا يريد «الإخوان» إذا؟. يتساءل مضيفنا الدمشقي.
يخيم الليل على دمشق. يزدحم اوتوستراد المزة الشهير بسيارات حاملة صور بشار الأسد والأعلام السورية. تخرج الفتيات، وبعضهن محجبات، من نوافذ السيارات. يزدحم السير. ترتفع الأغاني الوطنية من السيارات. يهتف المتظاهرون بشعارات مؤيدة للرئيس أو بالأغنية الشهيرة «منحبك». يشكك بعض المعارضين بأن هذه التظاهرات ليست عفوية وإنما تشرف عليها استخبارات الدولة. يبدو جانب كبير منها عفويا بالفعل، فهؤلاء لا يزالون يحبون الأسد حتى ولو أنهم يكرهون الكثير من أهل النظام.
بغض النظر عن روايات المعارضة أو النظام، يبدو أن الرئيس الأسد، وحتى إشعار آخر، لا يزال صاحب الشعبية الأكبر. اهتزت صورته لا شك. صار البعض يحمله مسؤولية القمع الأمني، لا شك أيضا. يتهمه بعض المعارضين وكل قادة الإخوان المسلمين بأنه يحاول فقط كسب الوقت وان الإصلاحات ليست سوى ذر للرماد في العيون. هذا ستحكم عليه الأسابيع المقبلة، ولكن الصحيح أيضا أن جزءا لا بأس به من السوريين لا يزالون حتى اليوم، وبرغم الدماء التي سالت، يميزون بينه وبين النظام. يقول شاب عشريني العمر مؤيد للنظام سنرفع شعارا يقول: «الشعب لا يريد إسقاط النظام … الغرب مبلى».
كلما توسعت القبضة الأمنية، وتأججت المشاعر المذهبية، نجحت الضغوط لتشويه صورة بشار الأسد. لكن الأكيد أن المطالب التي تزداد حيال ضرورة إسقاط النظام، لا يردعها سوى التأييد المستمر من قبل قطاعات واسعة من السوريين للرئيس الأسد وليس للنظام. كيف يمكن الفصل بين الاثنين؟ ماذا سيقول الرئيس في خطابه المقبل والقريب؟ هل حان وقت القول إن العملية الأمنية ستنحسر وان الإصلاحات ستأخذ طريقها إلى التنفيذ السريع؟ هل لا يزال الأسد قادرا على مخاطبة شعبه أولا والغرب ثانيا وإقناعهم بأنه جاد في الإصلاحات التي أعلن عنها؟ هل تشهد المرحلة المقبلة انفراجات ويتخللها حوار حقيقي مع رموز المعارضة وإصلاح فعلي؟ هل سيكون مؤتمر الحوار العتيد جامعا فعلا لكل أطياف المجتمع السوري أم انتقائيا وفق أهواء النظام؟ هل تتقدم السياسة والإصلاحات على الأمن في المرحلة المقبلة أم ينزلق الأمن إلى مرحلة الخطر الشديد التي تهدد وحدة البلاد والعباد والنظام وكل شيء؟
يتوازى الأمل مع القلق. تتزايد الضغوط الدولية. توحي الحركة الدبلوماسية في مجلس الأمن وفي عواصم القرار العالمية بان الغرب يتجه سريعا للمطالبة العلنية برحيل النظام . تأتي إشارات متناقضة من الأشقاء العرب. يبدو الجزء الاول من كلام وزير الخارجية المصري نبيل العربي قبل يومين من «ان استقرار سوريا جزء من الامن القومي العربي» مطمئنا الى العلاقة مع اهم الدول العربية، لكن الجزء الثاني من الكلام يوحي بالشك. تمنى العربي «أن تكون الإصلاحات السورية جدية وأن يبدأ تنفيذها فوراً وضمن جدول زمني تلبية لمطالب الثورة الشعبية». هل ان مصر مقتنعة بثورة شعبية في سوريا؟ ثم لماذا بدأت قناة «الجزيرة» تبث شعار التغيير في سوريا، فهي كانت تحجم عن ذلك سابقا؟
ولماذا انفجرت فجأة قضية إحالة ملف سوريا النووي من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن؟ هل الأمر صدفة بعد العقوبات الأميركية والأوروبية؟ ولماذا بدأت الصحف الإسرائيلية تكثف منذ فترة «التبشير» بان صمود النظام السوري لن يتخطى أشهرا قليلة أو عاما واحدا في أقصى تقدير.
ثمة شيء يجب أن يتغير. النظام السوري مطمئن إلى ان التغييرات ستكون لصالحه، وان جهودا بعيدة عن الاضواء تبذل لايجاد مخارج (نبيل العربي كشف عن بعضها). والدول الغربية ومعارضو النظام السوري مطمئنون إلى أن التغيير سيطال النظام. السباق مع الزمن يبدو محموما أكثر من أي وقت مضى، والاكيد ان سوريا ستشهد خضات كثيرة ومعارك امنية متعددة قبل ان يستقر الوضع على هذا النحو او ذاك.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات