بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
خطاب الرئيس الأسد المقبل سيكون مفصليا في سياق الأوضاع الراه
  19/06/2011

خطاب الرئيس الأسد المقبل سيكون مفصليا في سياق الأوضاع الراهنة

عن السفير

مرت 3 أشهر على اندلاع المواجهات في سوريا. لم يسقط النظام . لا جمعة العشائر حققت اختراقا شعبيا أو عشائريا كبيرا، ولا جمعة الشيخ صالح العلي أدت إلى ثورة تشبه ثورته مع رفاقه على المستعمر الفرنسي. لم يحصل انشقاق كبير في الجيش، ولا حصلت انشقاقات دبلوماسية. وفي حسابات موازين القوى، لا يزال النظام ممسكا بالقدرات الأمنية، وقادرا على تحريك ملايين المناصرين لو شاء ذلك، هنا يتجدد السؤال: هل إسقاط النظام هو المطلوب فعلا، أم أن المطلوب هو إضعافه، بحيث تتحسن لاحقا شروط التفاوض معه؟
يبدو على الأقل حتى الآن، أن الإضعاف هو المقصود. يتوقف ذلك على حركة الشارع الذي لا يمكن رصد مفاجآته، وعلى قدرة الرئيس بشار الأسد على إقناع الجميع في الداخل والخارج بأن تحريك الآلة الأمنية لم يستهدف إعاقة الإصلاح والانفتاح، بل نشد وأد فتنة أمنية ودينية. وهذا ما يفعله حاليا وفق المعلومات الدقيقة المتوافرة حول سوريا.
تركيا أولا
تحتل تركيا حاليا دورا محوريا في الأزمة السورية. كانت سبَّاقة في انتقاد الجار والحليف السوري. كثفت ضغوطها لتسريع خطوات الإصلاح. تعاملت بأسلوب استعلائي وإملائي مع القيادة السورية. استخدمت عبارات غير دبلوماسية في شجبها للممارسات الأمنية السورية. استاءت دمشق كثيرا لكن اللافت أنها لم ترد.
قيل إن عدم الرد يعود إلى الرغبة السورية بعدم القطيعة. وقيل أيضا إن القيادة السورية تركز جل اهتمامها الحالي على الأمن الداخلي، ولا تريد الانزلاق إلى حروب دبلوماسية لا جدوى منها. وثمة من قال إن سوريا أرادت انتظار انتهاء الانتخابات التركية لرصد حقيقة الموقف التركي. فكلام الانتخابات لا يستدعي التعليق الدقيق.
لكن المعلومات المتوافرة تشير إلى عدة عوامل أخرى قد استجدت في الملف التركي - السوري، وأبرزها التالي:
- بادر الأسد إلى تهنئة رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان بالفوز، رغم كل ما حصل. أريد للاتصال أن يعيد بعض الخيوط التي كادت تنقطع.
- حمل معاون نائب الرئيس السوري العماد حسن توركماني إلى تركيا ملفا كاملا حول ما يجري في سوريا على صعيدي الأمن والإصلاح. وفي الملف، معلومات دقيقة حول الخطورة الفعلية للمسلحين واضطرار الدول للتعامل معهم على النحو الحالي (ويبدو أن دور بعض الأطراف التركية لم يكن سهلا في عمليات نقل أسلحة وأموال وتسهيل اتصالات)، ولكن في الملف أيضا تطمينات الى تسريع عملية الإصلاح، وبعض المواعيد المحددة بالنسبة لعمل اللجان والقوانين.
- تأكد عبر مصادر مختلفة (وبينها مسؤول أمني لبناني كبير زار أنقرة مؤخرا) أن ثمة تباينات في تركيا حيال التعاطي مع الأزمة السورية، فالاستخبارات والقيادة العسكرية تفضلان التريث وعدم رفع الضغوط كثيرا على سوريا لكي لا تتفاقم المشاكل وتصيب تركيا، بينما القيادة السياسية تعتقد أن الضغط سيكون لمصلحة سوريا وتركيا على السواء. واللافت أن الجانبين العسكري والمدني لا يزالان يتعاملان مع الرئيس الأسد على أنه الأكثر قدرة على قيادة مرحلة الإصلاحات. العسكريون حازمون لجهة منع إيصال الضغط إلى حد الأزمة. هذا يطمئن مبدئيا القيادة السورية.
ويبدو وفق مصادر دبلوماسية عربية انه حتى داخل القيادة السياسية التركية هناك تباينات، فمثلا يبدو وزير الخارجية احمد داود اوغلو الأكثر تحريكا لآلة الضغط على سوريا لأسباب تدعو البعض إلى القلق من مخطط أوسع، وهو ما دفع احد المقربين من دمشق إلى حد وصف هذا الدبلوماسي المحنَّك بـ"نتنياهو تركيا"، بينما يبدو موقف اردوغان طبيعيا في معركة انتخابية أرادها الزعيم الإسلامي المعتدل، شعبية وشعبوية في الداخل والخارج. أما الرئيس التركي عبد الله غول فلم يعد ذا أهمية كبيرة في المشهد التركي حيال المنطقة. ثمة من يتحدث عن احتمال تهميشه من قبل حليفه.
واضح إذاً أن داود اوغلو قد تخلى عن نظرية "صفر مشاكل" مع الجار السوري. ذهب حتى الحدود مع سوريا يمضي ساعات طويلة مع النازحين السوريين من مناطق ادلب وجسر الشغور. تعمد أن يتم ذلك تحت الكاميرات. يقال انه بات جزءا من الحراك الدولي ضد سوريا. بالمقابل ثمة من يرى في تحركه محاولة حثيثة لاحتواء تفاقم المشكلة في سوريا، خصوصا أن بين البلدين عددا من الملفات التي يمكن أن تلتهب لاحقا لو استمرت الأزمة السورية.
- وجهت إيران قبل فترة تحذيرا لتركيا من أي تحرك عسكري حدودي ضد سوريا، وثمة تأكيد على أن الرسالة بعثت من مكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي. قالت الرسالة وفق ما ذكر مصدر لبناني التقى مؤخرا وزير الخارجية الإيراني، إن أي تحرك ضد سوريا سيعتبر تحركا ضد إيران.
من الطبيعي والحالة هذه أن يتوضح الموقف التركي في خلال الأيام القليلة المقبلة، فالأتراك ليسوا مستائين فقط من تعاطي النظام السوري مع التظاهرات، ولكن أيضا من عدم الاستماع إلى نصائحهم بشأن الإصلاحات وحيال إشراك بعض الإخوان المسلمين في السلطة أو الإدارات.
احتمالات تحسن العلاقات أو تدهورها بين أنقرة ودمشق قائمة جميعا، والتحسن هو الأقرب اذا ما تبين للقيادة التركية ان الأسد ماض في تسريع وتيرة الاصلاحات والتجاوب مع بعض نصائحهم. أما قضية الاخوان المسلمين، فستبقى على الارجح من دون استجابة سورية،
العراق ضرورة استراتيجية
قام وزير الخارجية السوري وليد المعلم بزيارة مفاجئة إلى العراق مطلع أيار الماضي. تردد آنذاك أن الهدف هو العمل على ضبط الحدود بغية وقف تسلل المسلحين والسلفيين وتجار السلاح. وقيل إن هدفا اقتصاديا يبدو ضروريا مع الاتجاه الغربي لتشديد العقوبات، فالعراق يبقى بوابة مهمة للاقتصاد.
كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن واشنطن تضغط حاليا بغية التمديد لقواتها في العراق وعدم سحب هذه القوات آخر العام الحالي. قال السفير الاميركي لدى العراق جيمس جيفري "ان غالبية النواب العراقيين وافقوا على بقاء القوات الاميركية في العراق ما عدا قائدا سياسيا واحدا يتباهى بقتل الجنود الأميركيين" (مقتدى الصدر).
رد ائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، بأن كلام السفير الاميركي "وجهة نظر شخصية" وان كل الكتل البرلمانية تريد خروج القوات الاميركية.
بغض النظر عن التأكيد والنفي، يبدو الجدل حول بقاء القوات الاميركية في العراق مستعراً. هذه قضية مهمة جدا لواشنطن، ومن الصعب، لا بل المستحيل، التفكير ببقاء مستقر لهذه القوات لو شاءت ايران وسوريا غير ذلك.
- ربما التذكير مهم هنا بأن "حزب الله - العراق" كان قد قتل 5 جنود أميركيين خلال العملية التي نفذها قبل حوالى أسبوعين على قاعدة "كامب ليبرتي" العسكرية الأميركية في شرق ببغداد. كان ذلك أخطر هجوم تتعرض له القوات الاميركية منذ عامين. برر المهاجمون ذلك بالرد على "تمادي المحتل الاميركي في غيه ومخالفته الصريحة للاتفاقية الأمنية المبرمة مع الحكومة العراقية". أميركا تتهم هذا الحزب بأنه أداة إيرانية، وطهران تنفي، ولكن عملية كهذه لا يمكن فصلها عن الصراع الدائر حاليا في المنطقة بين مشروع أميركي - إسرائيلي - غربي من جهة، وإيراني - سوري ومقاوم من جهة ثانية.
في هذا السياق، يقول دبلوماسي غربي له علاقة بالملف السوري، ان واشنطن، رغم تكثيف ضغوطها على النظام السوري، إلا انها لا تستطيع قطع شعرة معاوية معه، ولم تقرر بعد انه فقد الشرعية. تدرك أميركا قدرة النظام السوري وايران على الرد في أماكن عديدة، بينها العراق، وإعاقة أية مشاريع أميركية، خصوصا للبقاء هناك.
هل يعني ذلك تجدد الاتصالات؟ لا شيء مستبعد، لكن واشنطن تريد الاستمرار بالضغط على سوريا على أمل إضعاف موقف الأسد، فيسهل التفاوض معه بشأن العراق وغيره من الملفات.
أما القضية الاخرى المهمة في العلاقة الآنية بين العراق وسوريا فتتعلق بالمناطق الحدودية والعشائر. يبدو وفق مصادر أمنية مقربة من سوريا أن تلك المناطق تشكل احدى بؤر السلفيين، وليس غريبا ان تمتد العملية الامنية السورية الجارية حاليا في مناطق ادلب ومعرة النعمان الى دير الزور والبوكمال، وان تزداد خطرا. المعلومات المتوافرة تؤكد وجود سلاح وأجهزة اتصال متطورة وقدرة على المواجهة. يزيد هذا من حذر الجيش السوري في خططه المقبلة بغية تسريع عمليات الاستئصال بأقل خسائر ممكنة.
تؤكد مصادر أمنية موثوقة ومقربة من دمشق انه تم العثور على مئات هواتف "الثريا" المتطورة (النمط الثاني الحديث) وعلى أجهزة اتصال عبر الانترنت لا يمكن ضبطها بسهولة، وبينها الجهاز الجديد الذي تم الاعلان عنه في أميركا، والذي يمكن ان يبث صورا عبر الانترنت من دون التقاطه (اعلنت عنه وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون نفسها). وكل ذلك قد تم ادخاله خصوصا عبر لبنان او تركيا، اضافة الى اموال ذهبت بالطريقة ذاتها الى سوريا.
العراق كان وسيبقى إذاً ورقة إستراتيجية كبيرة الأهمية لسوريا. واشنطن تعرف ذلك، ولعل في ذلك سببا لعدم الخضوع لضغوط اللوبي اليهودي في الكونغرس العازم على إسقاط النظام. واشنطن لا تزال حتى اليوم تطلب من الاسد قيادة الاصلاحات او الرحيل. لم تقل انه لا يستطيع قيادة هذه الاصلاحات. هذا مهم جدا في التحليل السوري للامور.
لبنان أيضا
جرى عمل دقيق في الآونة الاخيرة على ضبط الحدود مع لبنان. تم تبادل معلومات موثقة حول أسلحة وهواتف "ثريا" وأموال عبرت الحدود الى سوريا. جرى الحديث عن أسماء وأطراف محددة متورطة في ذلك. ليس مستبعدا اذاً ان تجد الحكومة اللبنانية المقبلة ملفا امنيا متكاملا وصعبا على طاولة مجلس الوزراء. واذا كانت دمشق لا تثير علانية هذا الملف في الوقت الراهن، فهذا لا يعني انها سكتت عنه، او انه ليس لديها ما تقوله، والاكيد ان المرحلة المقبلة ستشهد ملاحقات قضائية وأمنية عبر القنوات الرسمية بين البلدين. لعل لدى حزب الله ما يكفي من المعلومات الدقيقة التي يستطيع عرضها أمام الجهات التي لا تزال تشكك بأن كل ذلك هو من فبركة الاستخبارات السورية. ويبدو ان دمشق تتعاطى مع هذا الملف الامني بكثير من الاهتمام لأنه يطال أمنها القومي، ولأنه كاد يزعزع فعليا الاستقرار في بعض المناطق الحدودية، وغير الحدودية.
ان ما حصل أمس في طرابلس كان متوقعا، فالمعلومات الموثقة تفيد بأن المدينة الشمالية تضم مناهضين لسوريا وبؤرا لتهريب السلاح والمال وأجهزة الاتصال.
قطر والأسئلة المحيرة
تنتشر في دمشق لافتات في الشوارع الرئيسة او في بعض الاحياء الداخلية تقول: "شكرا قطر". المقصود طبعا هو عكس الشكر. تغيرت النظرة الى الدوحة بسبب قناة "الجزيرة" (رغم ان المعارضة تقول ان شعبية الجزيرة كبيرة جدا لأنها تعكس صوت الشارع). يحمّلها السوريون المسؤولية عن الكثير من المغالطات الاعلامية. وحين يقال لهم ان منعكم لحرية العمل الإعلامي هو الذي يدفع إلى المغالطات، يصبح القائل متهما منبوذا. لا يمكن الدفاع لا عن قطر ولا عن "الجزيرة" في دمشق هذه الايام. ثمة شعور عام بأن خلف الاثنين أمرا مريبا، لكن حتى الآن لم يصدر أي اتهام رسمي سوري. كل شيء يجري عبر وسائل الإعلام السورية أو في الشارع. لم ينفع العشاء الذي أقامه سفير قطر في دمشق لوزير الخارجية السوري وليد المعلم بحضور السلك الدبلوماسي العربي في تخفيف غضبة الشارع. واللافت أن أحدا لا يقدم قراءة دقيقة لسبب تردي العلاقة.
هل العلاقة متردية حقاً؟
يبدو انها تردت أكثر في الآونة الاخيرة. صار الكلام في بعض الاوساط السياسية يميل الى اتهامات واضحة. يروي دبلوماسي عربي ان سفير قطر في دمشق وأثناء توجهه الى بيروت تم توقيفه عند الحدود والتدقيق بهويته. قيل ايضا ان مسؤول الامن الحدودي طلب من سائق السيارة الدبلوماسية ان ينزل الزجاج الخلفي ليرى من في السيارة، وانه طلب بطاقة الخارجية السورية التي تؤكد ان الرجل هو فعلا دبلوماسي قطري.
تعكس هذه الرواية الشعور العام حول الازمة المتفاقمة بين البلدين. تضاف الى الرواية التي ساقها رئيس جبهة النضال الوطني اللبناني النائب وليد جنبلاط حول موقف أمير قطر من القيادة السورية. يبدو ان في الرسالة كلاما قاسيا وعتابا عميقا، خصوصا ان الامير يعتبر انه هو الذي ساهم في إقناع الاميركيين بإرسال سفيرهم الى دمشق ورطب العلاقة بين سوريا وفرنسا، وانه كثف الاستثمارات القطرية.
ما الذي أدى الى التدهور؟ تتعدد الإجابات. البعض يذهب بالاتهام الى حد القول بأن قطر دخلت في مشروع دولي لإسقاط النظام السوري. والبعض الآخر يقول ان الدوحة ضغطت بغية إشراك الاخوان المسلمين في السلطة. لكن حتى الآن يمتنع المسؤولون السوريون والقطريون عن التعبير علنا عن رأيهم بتدهور العلاقة.
أحد الدبلوماسيين العرب العريقين في العلاقات العربية - العربية، يؤكد ان عدم التصريح بين الجانبين عن الازمة يعني ان احتمال المصالحة لا يزال قائما. الخطوط لم تنقطع نهائيا. الاكيد هو ان الجانب السوري يعتبر ان هذه القضية هي أيضا مؤجلة ريثما تتضح صورة الوضع الأمني. لا شك بأن دمشق لا تريد قطيعة مع الدول الخليجية، فالأوضاع الاقتصادية بحاجة الى استثمارات كثيرة لإنقاذ الركود، وزيارة المعلم الى دولة الامارات لم تبتعد عن هذا الهدف، لكن الأكيد أيضا ان ثمة عتبا كبيرا على الموقف القطري، أو ربما أكثر من عتب.
روسيا والخطاب المنتظر
الموقف الروسي بالغ الأهمية في الوقت الراهن. هو السد المنيع أمام الضغط الأميركي - الأوروبي على دمشق. قال الرئيسان الروسي والصيني صراحة إنهما يعارضان أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية لسوريا. تبنت موسكو وجهة النظر السورية في السياق الأمني. قال المتحدث باسم الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش ان الحوار الذي طرحته السلطات السورية هو الطريق الأمثل لتسوية الوضع في البلاد. أوضح ان متطرفين قاموا بأعمال مسلحة ومحاولات استيلاء على بلدات في المناطق الحدودية... الخ. ثم انضم مندوب روسيا لدى حلف شمال الأطلسي إلى جوقة المدافعين. قال إن بلاده لن تسمح بفرض عقوبات جديدة على سوريا لان ذلك سيمنعها من حماية جنودها.
هذا التبني التام للموقف السوري له سببان، أولهما ان دمشق قدمت للروس ملفا أمنيا متكاملا ودقيقا وموثقا حول الخطر الأمني، وثانيهما ان الرئيس الأسد تجاوب مع الكثير من نصائح أصدقائه الروس في سياق الاصلاح وتحديث الاقتصاد والقوانين.
سيكون من المهم متابعة خطاب الاسد في الايام القليلة المقبلة. ينتظر الروس ان يستمر الرئيس السوري في رفع مستوى الإعلان عن الإصلاحات والقوانين، ومن المهم ربما ان يحدد مواعيد لبعض لجان الاصلاح، ذلك ان هذا سيساعد كثيرا موسكو على المضي قدما في صد الهجمات الغربية عنه.
هل الموقف الروسي مؤقت؟ يبدو انه ليس كذلك، على الأقل حتى الآن، فالعارفون بطبيعة العلاقات بين البلدين يؤكدون ان موسكو لن تضحي بسهولة بحليفها السوري، وأنها نسجت معه على مدى السنوات القليلة الماضية علاقات وثيقة وعميقة شملت مجالات كثيرة، وبينها المجال الدفاعي. سوريا تشكل بهذا المعنى قاعدة تحالفية متقدمة للروس في المنطقة بعد أن فقدوا الكثير من حلفائهم.
كل شيء سيتوقف طبعا على حركة الشارع السوري وقدرة الدولة على ضبط الامن والتقدم سريعا في الإصلاحات. صحيح ان وضع سوريا مختلف كثيرا عن أوضاع تونس ومصر وليبيا واليمن، ولكن الصحيح أيضا ان احدا في هذه الاوقات العربية لا يستطيع تنبؤ حركة الشارع، خصوصا اذا ما تآلفت في هذه الحركة اطراف عديدة داخلية وخارجية.
لعل ما أفاد سوريا كثيرا في هذه الفترة، هو ان حركة الاحتجاج في شارعها اندلعت بعد ثورات وانتفاضات في 4 دول عربية. تبين خصوصا في ليبيا واليمن أن التغيير ليس تلقائيا ولا هو مجرد كبسة زر من الغرب، وان الأنظمة التي تريد المواجهة قادرة على ذلك لو شاءته. ولعل النموذج غير المشرف الذي قدمه حلف شمال الأطلسي في ليبيا لا يترك أي مجال للشك بأن الدول الغربية تتحرك وفق مصالحها لا على أساس المبادئ.
يبقى ان ما سيقوله الرئيس الأسد في خطابه المقبل قد يكون مفصليا في سياق الأوضاع الراهنة. طرحت السلطات السورية حتى الآن مشاريع إصلاحية عديدة ورفعت قانون الطوارئ وأقرت العفو، وتتجه لمناقشة قانوني الإعلام والأحزاب، ولكن المعارضة لا تزال تشدد على مسألتين تتعلقان بالانتخابات الحرة وإلغاء المادة 8 من الدستور التي تؤكد قيادة البعث للدولة والمجتمع، كما ان هذه المعارضة، وخصوصا منها «الاخوان»، تريد إلغاء المادة 49 من القانون السوري لعام 1980 والتي تنص على "الحكم بالإعدام على كل من ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين".
حتى الآن ليس هناك أي مؤشر فعلي على نية السلطة تلبية هذه المطالب، وهو ما يعني استمرار حركة الاحتجاج طويلا، وكذلك الرد عليها، وهذا ما يعني أن استقرار سوريا ليس قريبا، إلا في حال اقتنع الجميع بأن الحوار المنوي الشروع به هو السبيل الأفضل لمستقبل الجميع، خصوصا أن ظهور حركة سلفية في سوريا قد ينقل المعركة إلى مكان آخر. الشارع كسر الحاجز النفسي ويستمر في التظاهر، ولن يكسره شيء سوى قبضة أمنية ما عادت مقبولة وقد تأتي بنتائج معاكسة، أو مشروع متكامل للإصلاح وبمواعيد محددة، حتى ولو استمر التشدد الأمني. يبدو أن الأسد يتجه صوب الخيار الثاني... ولكن بعد ضبط الأمن.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات