بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
عن لقاء الـ«سمير أميس»
  16/07/2011

عن لقاء الـ«سمير أميس»


ميشيل كيلو

لفت نظري خلال الأيــام التي تم فيها الإعداد لما سمي «مؤتمر المعارضة في دمشــق» ما كــنت أحاول تجاهله، وأعزوه إلى قلة الخبرة والمعرفة السياسيتين لدى قطاعات معينة من الشباب والكتاب .
أولا وقبل كل شيء، لست أنا من اقترح عقد اللقاء. وإن كنت من الذين تحدثوا عن ضرورته وأهميته مع صديقي ورفيقي حازم نهار، بعد أن بلغ اليأس منا درجة جعلتنا نفكر بضرورة استعادة شيء يشبه ذلك الحراك الثقافي الذي عرفته سوريا منذ عام 1980، وتصاعد بعد عام 2000، وتراجع كظاهرة موحدة بحدود عام 2008. في واحدة من جلسات اللقاء، التي حاول خلالها مثقفون مستقلون جمع تياري المعارضة الحزبية الرئيسين: التجمع الوطني الديموقراطي وإعلان دمشق، في «هيئة تنسيق مشتركة «ينضم إليها من ينضم من «الأحزاب والقوى» ـ يسمي كل ثلاثة حزبيين في سوريا أنفسهم «قوة»، ويعتبر كل عشرة من هؤلاء أنفسهم «تحالف قوى»-، وعندما دخل الشهر الرابع دون أن ينجح مسعانا، تساءلنا بيأس: لماذا لا نستعيد الحالة السابقة، التي كانت المعارضة تتألف خلالها من تيارين منفصلين، ولكن متعاونين ومتـكاملين هما: تيار حزبي وآخر ثقافي؟ لماذا لا نستعــيد «لجان إحياء المجتمع المدني»: حاضنة التيار الثقافي والمعبرة عنه، فقد يشجع وجودها أحزاب المعارضة على الدخول في مرحلة من التنسيق والتعاون تسهم في توحيد جهودها وأعمالها انطلاقا من مواقفها التي تكاد تكون موحدة بالفعل، رغم فوارق بسيطة بينها، فيشعر الشارع السياسي أن «للقوى» الديموقراطية وحدة ذات وزن في الشأن العام، وأنها خيار جدي بالنسبة إلى حاضر ومستقبل البلاد؟ أذكر أن حازم كتب على قصاصة صغيرة بعد إحدى الجلسات: ما رأيك أن نتركهم لخلافاتهم وأن نكمل طريقنا؟ يومها قلت دون أن يفهم الحاضرون ما أعني: «ما فيه غير ها الحل».
زارني لؤي حسين قبل قرابة شهر ونصف. قلت خلال حديثنا : لماذا يجتمع المعارضون في كل مكان إلا في سوريا؟ وأضفت: حتى «انشقاق» عبد الحليم خدام عن النظام، كان هناك جهود جدية لتوحيد المعارضة ولجعل الداخل مرجعيتها، بما يمنع ازدواجية قيادتها، وينهي تشتتها، فتستعيد الدور الذي بدأ الخارج يلعبه في حياة بعض أحزابها، خاصة منها تلك التي تعرضت لحملات اعتقال وملاحقة متواصلة بعد عام 1980 (الحزب الشيوعي - المكتب السياسي وحزب البعث). كنت أخشى شخصيا أن يكون هدف «خدام» هو تأسيس مركز خارجي يقود المعارضة، أو يوصلها إلى حال تبلبلها بفعل ازدواجية قيادتها ووزن الخارج فيها، خاصة إن أدت حملات قمع جديدة إلى أضعاف الداخل وتهميشه وترجيح كفة الخارج ودوره على كفته ودوره، مع ما سيحمله ذلك من احتمالات خطيرة على مجمل الصراع السياسي في سوريا. وزاد من خوفي تأسيس «جبهة الخلاص» بالاتفاق بين خدام وحركة الإخوان المسلمين، فبدا لأول وهلة أن الجبهة، تشكل ثقلا مقابلا لداخل، عرف قادته كيف ينقسـمون فيما بعد، انطلاقا من وثيقة كان رهانها توحيدهم، عنــيت وثيقة «إعلان دمشق»، الذي كانت «اللجان» قد صــاغت نصه الأول، وقدمته للنقاش وأطلقت عليه الاســم الذي عرف من خلاله، وكان مقدرا له أن يوحــد لأول مرة بعد عام 1963 شتى أطياف المعارضة السـورية، التي توافق على نظام ديموقراطي مدني، بما في ذلك حزب الإخوان المسلمين، فينشأ لأول مرة منذ ذلك التاريخ حامل سياسي للتغيير المنشود، وتقوم وحدة في الموقف والاتجاه والهدف، تكون أساس تشكل تبلور معارضة جديدة تحل محل المعارضة القائمة، التي كانت قد بلغت نقطة صعبة، بعد نجاح السلطة الظاهر في حشرها داخل دوائر ضيقة، قيدت حركتها وأفقدتها فاعليتها من جهة، وحالت بينها وبين تحقيق أي نمو أو تأثير مجتمعي فاعل من جهة أخرى.
كان تشكيل جبهة الخلاص، وانفكاك الإخوان عن إعلان دمشق وما عرفته مواقفهم من تقلبات سريعة وغير مفهومة حيال النظام، ثم الانشقاق الذي ترتب على تشكيل هيئات إعلان دمشق القيادية، يعنيان عمليا تهميشا شـبه تام للمعارضة الحزبية السورية.
في عام 2009، عندما خرجت من السجن، التقيت بقيادة الإعلان، فكان تقويم أعضائها يتراوح بين النجاح الباهر وغير المسبوق، وبين الفشل المطلق، علما بأن نشاط الإعلان كان شبه معدوم في الشارع. الغريب أن طرفي الخلاف الضاري في «الإعلان»، الناصريين والشيوعيين، كانا يتعاونان بسلاسة كحليفين في «التجمع الوطني الديموقراطي»، حيث لم يعكر صفو علاقتهما ما دأبا على إطلاقه من تهم أحدهما ضد الآخر بعد تشكل هيئات «الإعلان» وخروج الناصريين منه.
سأل حازم، وهو بالمناسـبة مثقف ومناضل قيادي في حزب العمال الثوري والتجمع الوطني الديموقراطي: ما رأيك أن نواصل طريقنا؟. قلت: يبدو أنه لم يعد هناك أي حل آخر. كنا، هو وأنا، نلاحظ رغبة «طرف» داخل التجمع في استغلال موقف «الإعلان» من الحوار، لعزله بحجة منعه من تعطيل التنســيق. وكنا لا نفــهم موقف «الإعــلان»، لأنه كان أول من دعا في وثيقة رسمية مهمة إلى تأسيس «هيئة تنسيق وطني» بين أطراف المعـارضة المختلفة، وإن كنا قد علمـنا خلال الحـوارات أنه لا يريد التنسيق مع طرف بعينه له علاقـة عير مباشرة مع التجمع، وأنه طالب بهيئة تنسيق تضمه مع التجمع والمستــقلين (المثقفين الداعـين إلى تشكيل الهيئة)، ورفض دخول بعض الجهات الصـغيرة إليها، في موقف يصعب فهمه، بالنــظر إلى أن دور هذه الأطراف سيكون هامشيا وقليـل الشــأن بالتأكيد في إطار هيئة تضم التنظيمات الكبيرة المعارضة، بينما سيعني إحجامه عن التعاون تعظيم حجمها ودورها بالضرورة. في البداية، أعلمنا «الإعلان» اعتراضه على اسم الهيئة الذي كنا قد اقترحناه، وهو «إئتلاف قوى التغيير الديموقراطي في سوريا»، فوافقنا على التخلي عن الاسم، ثم أعلمنا أن الفكرة ـ وهي بالأصل فكرته، كما سبق القول ـ ليست مناسبة الآن، لأن «ميزان القوى في الشارع لصالح النظام، فمن المبكر تأسيس ائتلاف، خاصة وأن مشاريع الإئتلاف السابقة فشلت جميعها». إن ميزان القوى هو لصالح النظام، لذلك لا يجوز أن نفعل شيئا! بالمقابل، كان من الجلي أن «القوى»، الصغيرة إلى درجة التبعثر، كانت تعمل بدورها لاستبعاد «الإعلان»، وتراهن على إخراج أحزاب الأكراد كليا أو جزئيا منه، بينما كنا، حبيب عيسى وعارف دليلة وحازم نهار وأنا، نعمل لكبح هذا المسعى من جهة، ولإقناع «الإعلان» بأخذ تشكيل الهـيئة على عاتقه، بما أن حازم كان قد عرض على «الإعلانيين» تولي تشكيلها منذ بداية محاولتنا. أخيرا، بدا واضحا أن انقسام المعارضة التنظــيمي سيتغذى بدم جديد، إذا ما تأسست «هيئة تنسيق» بقي «الإعلان» خارجها، مع ما يحمله هذا من مخــاطر راهـنة ومقبلة على ما نسميه في سوريا «العمل الوطني»، وما سيؤدي إليه من تعاظم دور ووزن «قوى» ستتجمع في الهيئة، كانت قد فشلت طيلة الفترة الماضية في الدخول مباشرة إلى «التجــمع»، لا يضيف وجودها فيها أي شيء إلى التجمع ،مع احتمال أن يعيد توزيع الأوزان والتحالفات داخله، ويشكل بداية جدية لعزل «حزب الشعب الديموقراطي» (حزب رياض الترك، رمز الإعلان الرئيس) فيه، وتحويل الهيئة الجديدة إلى مركز «يساري» يضاف إلى المراكز الثلاثة القائمة: الإعلان، والتجمع، وأحزاب الكرد.
قال لؤي: أنا أيضا أفكر في لقاء للمثــقفين المستقلين وغير الحزبيين. قلت: لسنا مستقلين، نحن معارضة. واتفقنا على لقاء يجمع أكبر عدد من المثقفين، على أن تصدر عنه وثيقة تكون في مستوى الأحداث، ويؤسس لجان تنسيق وطنية يرتبط نشاطها بهدفنا المشترك: الدولة الديموقراطية المدنية، التي نريد بلوغها عبر مرحلة انتقالية حاملها نضال شعبنا السلمي، بعد أن اعتمده معظم المعارضين: الإعلان والتجمع والأكراد والمثقفين و«تنسيقيات شبابية» متنوعة، وتحددت له بيئة يقوي توفرها فرص نجاحه، خاصة عقب الفشل الجلي للحل الأمني، وتوفر أجواء تأييد وإجماع شعبيين / وطنيين لفكرة الانتقال على مسار حرية انتقالي إلى دولة ديموقراطية مدنية، يكبح التوافق عليها العنف في الداخل، ويقوي وحدة الشعب الوطنية في وجه محاولات حثيثة تريد زجه في فتن متنوعة بعضها طائفي.
لم أكن في اللجنة التحضيرية التي أعدت ما صار يعرف ب«لقاء السميراميس»، وإن حضرت اجتماعين قصيرين لها، على طريقة المثقفين السوريين في العمل، التي تبقي الباب مفتوحا أمام حضور من يرغب إلى أية اجتــماعات والمـشاركة فيها كأي عضو أصيل من أعضائها. كنت من الذين اقترحوا موضوعات أوراق العمل، وقد قدمت واحدة منها خلال اللقاء، وكان لؤي منســق الجهود ومحورها، وموضوع شائعات لا حــصر لها جعلته مرة مخبرا عند السيــدة بثينة شعـبان، وأخـرى رجلا يقرر مصير سوريا مع باراك أوباما والبيت الأبيض.
طرح كثيرون أسئلة حول علاقة السلطة باللقاء، وقالوا إن جهة معينة تقف وراءه. أوضح لؤي ما جرى وسرد تفاصيل عن تاريخ الفكرة وتنفيذها. كان هناك بلبلة شديدة في صفوف الناشطين والمثقفين، حتى أن أحد المساهمين الرئيسيين فيه سألني قبل يوم من انعقاده إن كانت السفارة الأميركية هي التي مولته وفرضت علينا عقده في فندق أميركي. بينما أخبرني صديق أن أحد الرأسماليين دفع أجر القاعة في الشيراتون، وحين قلت: إنه لا يوجد في سوريا رأسمالي يخاطر بتمويل مؤتمر كهذا، رد بثقة: إنه يموله بأمر من المخابرات.
في لقاء اللجنة التحضيرية الأول الذي حضرته، كان المكان مشكلة المشاكل. كنا نريد بيتا أو مقهى كبيرا أو صالة سينما أو قاعة في فندق محلي. لكن الأبواب سدت جميعها في وجه المنظمين والباحثين عن مكان. أخيرا جاء من يقول : لقد وافق الشيراتون. رويت لهم ساخرا ما كان أستاذي الياس مرقص قد قاله تعقيبا على أول «لقاء» حـضره في فـندق الشام: يبدو أن الثورة العــربية لن تقـوم إلا في فنادق الخمسة نجوم. ابتسم لؤي وقال بحسرة : يلعن أبو هالشغلة، يا أخي كرمال الله دبرو لنا محل غيره. بعد أيام، أبلغت إدارة فندق السميراميس في الواحدة والنصف من فجر يوم اللقاء بموافقة «الجهات المختصة» (هيئة الحوار برئاسة الأستاذ فاروق الشرع، الذي قالت الشائعات إنه هو الذي سيفتتح اللقاء!) على أن يؤجرنا قــاعة. أليس واحدة من علامات تأخر العقل السياسي عندنا، أن يكون مكان اللقاء قد أخـذ كل هذا الاهتــمام، وأثار كل هذا الجدال، وأطلق موجات شتائم وتخوين غمرتنا جميعا، بينما أهملت المسائل الرئيسة كنوع الحضور وموضوعات اللقاء وطبيعته وضرورته وكيفية تحقيق أعظم نفع منه لبلادنا وشعــبنا، وماذا يجب أن يتمخض عنه، وأي دور سيكون بعده للمثقفين والمعارضة... الخ. أخيرا، كـنت أريد شخصيا أن يوحد اللقاء أكبر عدد من مثقفي سوريا إلى الحد الذي يحول دون التلاعب بهم والالـتفاف على مواقفهم أو تهميش دورهم، ويقوي العمل على الحد من الخلافات، التي قد تحول دون قيامهم بواجبهم حيال شعبهم ووطنهم، على أن يعقب انعقاده نشاط متنوع يتيح لهم التوطن في صفوف مجتمعهم، وتقديم ما هم قادرون عليه من آراء ومشاريع يمكن أن تؤثر في مجريات الأحداث عامة والمجتمع الأهلي خاصة، الذي تلعب قطاعاته الواسعة دورا مهما في الحراك الحالي، وسيكون لها كلمة حاسمة في مآل أزمتنا الراهنة، وفي ما يتصل بانغماس مجتمعنا في التطرف أو عودته إلى ما كان عليه قبل منتصف آذار الماضي.
هل كان ما فعلناه يستــحق الجهد الذي بذل من أجله؟ يتوقف الرد على هذا إلى حد بعيد على ما سيفعله المثقفون مستقبلا، وعلى نمط خياراتهم ومواقفهم. لقد أطلقوا عملية مهمة تحمل دلالات ومعانٍ كثيرة، إيجابية في معظمها، فإن تابعوها بمفردهم فشلت، أما إذا دمجوها في سياق وطني ومجتمعي عام، دون أن يتخلوا عن دورهم في توحيد المعارضة وشد أزرها، فإنها ستكون في المكان الصحيح، الذي إليه ينتمون
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات