بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
كيف ثارت درعا؟: أحاديث عن الثورة و ما بعد الثورة
  09/08/2011

كيف ثارت درعا؟: أحاديث عن الثورة و ما بعد الثورة
مقيم الحداد 08/08/2011.

؟الرابط الدائم:  http://www.jidar.net/node/9666


كتب أحد شهداء درعا على جثته : " عشت أربعة أيام من الحرية " وجدوها على جسده بعد موته ..ماذا تقول لهذا الشخص ؟ غلطان السؤال الذي جال في أذهان الكثيرين، وعلى ألسنتهم...هو سؤال مهم يحمل من المخاوف أكثر مما يحمل من التفاؤل، وهو: " ماذا بعد؟ الفوضى؟ حرب أهلية؟ حرب خارجية ؟...إلخ ".
تنبع أهمية هذا السؤال من كونه يحدد "الفعل" المطلوب من كل شخص يشعر بالمسئولية.. بعض الناس يتصور أن موقفه لا ينبغي إساءة فهمه ، فهو لا يقف إلى جانب النظام، لكنه يقف إلى جانب سوريا خوفاً عليها، فهو لذلك يطالب الناس بالعودة من الشوارع ، و ترك " الفرصة " لهذا النظام ليقوم بالإصلاحات التي تحدث عنها .
آخرون يعلنون وقوفهم مع هذا النظام على أساس أنه لا بديل عنه ، و الفوضى بديل محتمل احتمالاً كبيراً.
آخرون " ملتصقون" بالنظام التصاقاً تاماً ، و يقولون أشياء " كتير أنيقة ، و إتيكيت" و يقصدون بذلك إظهار "النقيض" الذي هو " الثائر " كما لو كان أشعث أغبر لا يبره الله ..و هو غير حضاري ..و " يرمي الحجارة على تلفزيون " الدنيا" لشدة "تخلف من يمثلونه" و هذا كله تجمله الأوصاف التي تداولتها ألسنة " النبيحة الأكارم" من أمثال بسام أبو عبد الله الذي وصفهم بالحثالة، و هو الوصف نفسه الذي استخدمه البوطي ..كما وصفوهم بالرعاع و بغيرها من الأوصاف غير متحرجين على أساس أنهم يصفون " قلة" لا تمثل الشارع السوري ..و هم طبعاً لو نزلوا إلى أي شارع سوري لوجدوا " الشارع السوري" هناك ..و لوجدوا أنهم يصفون الجميع – تقريباً – بهذه الأوصاف التي ردها العالم كله عليهم.
مواقف كثيرة تنبني على أساس هذا السؤال ..لكن ....
يتجاهل القسم الأكبر من " المنظرين" تشخيص جوهر الموضوع ، و هو أن الثورة السورية ليست إجراء مترفاً قرر مجموعة من الفتية الغاضبين، أو السلفيين المتشددين ، أو المندسين الغامضين ، أو العصابات ذات المناجل، و الهراوات القيام به بكل بطر و ترف و لم تكن تقليداً قام به شباب كما يفعلون بقصات الشعر و الجينز ..بل كانت إجراء وليد أسباب حقيقية لم يعالجها أحد امتدت أكثر من خمسين عاماً ..
الثورة ليست هدفاً ..إنها ضرورة ..و ليس بالضرورة أن تأتي بالأفضل لأنها تختص بإزالة الأسوأ ، و مع ذلك فهي تعطي فرصة للدخول في إعادة صياغة المجتمع بعد ركود ..هي ليست مطلباً بحد ذاتها ، فالناس ما كانت لتريد تعطيل أعمالها والمغامرة بحيواتها، و أبنائها، و كل ما ملكته من " استقرار زائف" أقنعوا أنفسهم به على مدار عقود..
حدثني شخص يعمل حداداً في بلدة " صيدا " التابعة لدرعا قال إنه صنع " قيداً حديدياً ليوثق ابنه خوفاً عليه ..و في كل مرة كان يجد طريقة للتخلص ..كما حدثني شخص من قرية أخرى قال إنه خاطب ابنيه قائلاً إنه سيغضب عليهم ..و مع ذلك كانا يخرجان كل مرة معتبرين جلوسهم في الدار مهانة لهما فيما الناس تذبح في درعا.
ما فعله السوريون هو أنهم تحملوا إلى الحد الأقصى الذي ينبغي أن يحتمله الإنسان ثم يبقى إنساناً..ثم غضبوا لما صار الصمت يعني انتقالهم إلى كائن آخر فإن " من استُغضِب فلم يغضب فهو حمار"
خذوا هذا المثال – وهو القشة التي قصمت ظهر البعير في درعا-
كتب الأطفال ما كتبوا ..فقبض عليهم ..فذهبت مجموعة من أهاليهم مع بعض الوجوه – و منهم الشيخ الصياصنة- فالتقوا بالمحافظ الذي استعلى و تكبر و قال يومئذ للشيخ الصياصنة : " أنت حمار " و الشيخ رد عليه :" ليس بيني و بين الحمار سوى هذه الطاولة" ! ثم قالوا لعاطف نجيب : " اضربوهم كم كف ، و نكتب لكم تعهداً بألا ( يخطئوا ) ثانية ! ثم سلمونا إياهم ( نربيهم ) " – تصور الناس العامة يقولون إنهم على استعداد ليتعاونوا مع الجهات الأمنية في " تربية " أبنائهم .. وهي تربية أمنية كما لا يخفى على أحد ...هذا حل؟ أليس كذلك ؟ و مع ذلك فإن الاستخفاف و الاستعلاء أنطق " عاطف نجيب" رئيس فرع الأمن السياسي بما لا يمكن قوله – خصوصاً لعربي و خصوصاً لحوراني أيضاً- قال لهم : " انسوا أولادكم هؤلاء ..و اذهبوا فأنجبوا غيرهم ..و إن لم تكونوا قادرين هاتوا نساءكم إلينا " !! فهل بقي بعد هذا شئ ؟
مع ذلك لم يفعل الناس سوى أنهم اجتمعوا عند الجامع العمري في منطقة محدودة من درعا، هي درعا البلد، و جاء من يفض اعتصامهم فقالوا لعاطف نجيب ..ما رح نعمل شي خلوا الناس ..لكنه قال لهم : "من ينزل سيقتل " و في هذه الحادثة – بعد أكثر من أسبوعين من بدء الحدث – ضربوا المحافظ و لو لم ينقذه شخص على دراجة نارية و يخرجه من بين الجموع لربما مات بين أيديهم ..ثم أبلغ واحد من هذين القصر الجمهوري أن " درعا خرجت عن السيطرة" ! و هي تهمة تعني في سوريا " تعالوا فاقتلوهم" ! و هو ما حدث فعلا حيث قتل يومها شخصان ..لما جاءت قوات " الأمن المركزي " التي لم يعد يتحدث عنها رغم إنها أكثر خطراً و حقارة من " الشبيحة" !
و مع ذلك لم يتجاوز الناس طلب إسقاط المحافظ ، رغم إنهم أدركوا أن القضية لم تعد محلية فوضعوا بياناً عاماً تحدثوا فيه عن إطلاق سراح معتقلي الرأي في سوريا ، و إلغاء قانون الطوارئ و محاكمة من تسبب فيما حدث..و غيرها من المطالب العامة و المحلية.. و وقعوا بيانهم ( جنود الأسد الأوفياء ) لأنهم أرادوا أن يعلنوا أنهم لا يريدون شيئاً أكثر من الحق و العدالة، و أن قضيتهم لم تعد قضية محلية بل عامة.
تحركات الجيش بدأت مباشرة و تمركزوا في أماكن تدل على النوايا رغم مظاهر النفاق التي كانت تصدر و تعلن تعاطف النظام مع درعا ..لكن هذا كان مجرد كسب للوقت حتى أحكمت الحلقة حول درعا البلد و خلال أيام هوجمت درعا البلد و حوصر الناس في الجامع العمري و ظهرت التمثيلية المتعلقة بالأسلحة قبل خروج بثينة شعبان فيما بعد و هو خروج يدل على أن هؤلاء ظنوا أنهم سيطروا على الوضع.
ليلة الأحد ، و كانت تمطر ، سمعت أصوات إطلاق النار و لم أعرف ما أفعل ..خرجت و مشيت وحدي رغم أن جماعات من الناس كانت إما واقفة تعلن غضبها و خوفها، أو ماشين لكن منطقة البلد كانت محاصرة و أعادنا إلى الخلف الشباب الذين هربوا من إطلاق النار على تخوم البلد ، عدا عن الغاز المسيل للدموع الذي كدنا نقع أرضاً بسببه .
كان ذلك اليوم أكثر أيام حياتي سوءاً..مقيد لا أعرف ما أفعل ..أشاهد غيري مقيدين كذلك فيما أصوات الرصاص لا تهدأ في مشهد سريالي لا يتخيله إنسان ..و تشعر أن كل طلقة تقتل شخصاً تعرفه أو لا تعرفه لكنك تعرف من يعرفه ..شباب كانوا في طريقهم إلى شئ ما في المستقبل ..كل ما فعلوه أنهم وجدوا كرامتهم على المحك ..
هذا – باختصار شديد – كان ما أخرج الناس ..ثم استدعاهم بشار الأسد في محاولة للخداع ..و وعدهم و كذب عليهم وأمل الناس أن ينتهي الأمر بانتصاره لهم ..غير أنهم خلال يومين من لقائهم به قتلهم مرة أخرى قتلة أشد من سابقتها ..فيما بدا أنه مجرد محاولة لمعرفة من يحرك الجموع ..
تصور هذا كله ثم عد إلى السؤال :" ماذا بعد ؟ " و ما لزوم الثورة ؟ تجد أن الثورة إجراء لا بد منه لا يتساءل الناس حال حدوثه أسئلة فلسفية ..
و ما البديل ؟ ..حسناً إليكم هذه النكتة التي تليق بالمقام فعلاً و تكشف علاقة السئ بالأسوأ ..اختلف شخصان حول أيهما يكتب شعراً أفضل من صاحبه ؟ و لما اشتد الخلاف اتفقا على الذهاب إلى ناقد معروف ليحكم بينهما ، فلما سمع قصتهما قال لهما : " هاتا ما عندكما" فبدأ الأول و ألقى قصيدة بشعة ركيكة فلما انتهى التفت إلى الثاني فقال له : " قصيدتك أفضل " فاستغرب و قال : " لكنك لم تسمع مني !" فأجاب : " لأنو ما في أسوأ من قصيدة صاحبك !!" و هكذا لا تسألوا الناس إلى أين تنتقلون و ما البديل لأنهم سيجيبونكم ببساطة :" لا توجد سلطة أسوأ من هذه " !
من جهة ثانية؛ من قال إن الثورة تنقل الناس بالضرورة إلى عالم مثالي ؟ من قال إن العالم مثالي أصلاً ؟ لكن من قال إن الإنسان يجب أن يفكر أو " يفعل " لسنوات حياته هو ..ترى هل يتذكر الأوربيون من أحرقته محاكم التفتيش اليوم ؟ لكن هؤلاء فعلا كانوا من فعل ما الأوربيون فيه اليوم ..لكن من يريد أن يحترق لصناعة مستقبل لن يعيشه ربما ..؟ إنه من استنتج اليوم يقيناً أن ما هو فيه لا يصنع حاضراً و لا مستقبلاً..و لذلك فما السئ في أن يستغني عن هذا الحاضر البائس في سبيل شيئين : مستقبل محتمل ، و حاضر يشعر فيه بالكرامة على الأقل في اللحظات التي تسبق قتله .. كما كتب أحد شهداء درعا على جثته : " عشت أربعة أيام من الحرية " وجدوها على جسده بعد موته ..ماذا تقول لهذا الشخص ؟ غلطان ؟ لقد سلبت العصابة حياة كاملة لملايين السوريين في سبيل قيم من هذا النوع يتمثل في طريقة صياغة السؤال السابق و طريقة الفعل المترتب على الإجابة عنه.
لا يمكنك اليوم أن تلوم الناس ..لأن من قرأ تاريخ المجتمعات يعرف أنه في حد معين يسميه البعض " الشرط الثوري" مثلاً ..و هذا الحد عندما يبلغه المجتمع يبدأ بالتحرك بوصفه " كائناً" مستقلاً عن المجموع الإحصائي لأفراده ..و لن يلتفت إلى الدعوات الفردية ..سيتحرك هذا الكائن و يمضي في سبيله و كل ما نستطيعه هو أن نستمر في إشاعة القيم المطلوبة لما بعد حركة هذا الكائن : فإن الحرية تبقى قيمة مشتركة ، و ليس مقبولاً مثلاً أن تأتي مجموعات بعد انتصار الثورة لتحاول التهام هذه الثورة..كما ليس مقبولاً أن يطرح فكر أحادي و يفرض نفسه على المجتمع – فهو بالذات ما نفر منه الناس – و إن الكرامة قيمة..و احترام التعددية قيمة ...إلخ هذه قيم لا ينبغي التنازل عنها بعد الثورة ، و ربما يتبع الثورة ثورات حتى يأتي يوم يفهم الناس – في مجموعهم – أنهم لن يعيشوا إلا على اختلافهم ، و هو مطلب إنساني و ديني أصلاً ..و من يظنه غير ذلك يكون واهماً سواء أكان متديناً أو غير متدين ..و من يريد القدوم إلى السلطة ينبغي أن يحترم القيم التي مات الناس من أجلها. و هذه ستكون "قضيتنا " بعد الخلاص من العصابة في سوريا ..و لا ينبغي أن يكون الأمر شماتة من قاوم الثورة في حال حدث ما لا تحمد عقباه فيقال " قلنا لكم بلالكن هالشغلة " أو أن تطرح أمثال مائعة من قبل " خليك على ملعونك لا يجيك ألعن منو "! ..بل الأمر كيف تعالج كل مرحلة في وقتها ..هناك مسئولية مستمرة على الجميع لا تنتهي بانتصار الثورة ..يعني ليس الأمر كمن يقول " رايح أثور شوي وراجع قبل ما يبرد العشا " و علينا أن نتوقع أن يستهلك " ما بعد الثورة " حياتنا الباقية ..لعل جيلاً بعدنا يقول ..لقد كانت هذه الكرامة تليق بهم و يليقون بها ..
بهذا تأخذ الثورة معناها الإنساني و الأخلاقي و هو ما يكون قاعدة للسياسة فيما بعدها ..و لعل غالب مشاكلنا يأتي من الإسراع إلى السياسة قبل تقعيد القواعد ، و الاستراتيجيات العامة ( و ليس الحزبية التي تظل تكتيكات إذا ما قورنت بقواعد المجتمع العامة ) ..
( اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً و ارزق أهله من الثمرات )
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات