بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
اللاذقية تدفع ثمن الرفض من جديد..
  15/08/2011

اللاذقية تدفع ثمن الرفض من جديد..

خولة دنيا


من البارحة لم يتوقف صوت الرصاص وقذائف الآر بي جي... هدأت قليلاً في الليل لتعود وتتأجج من جديد من الخامسة صباحاً ولما بعد العاشرة.. ليعود الهودء النسبي مع صوت الاطلاق المتفرق... زوارق تطلق من البحر... دبابات تختار طريق البحر لتحيط بمنطقة الرمل الجنوبي... منطقة معسكر الطلائع تتحول لمنطقة معسكر جيش... وساحة الحرية تتحول لساحة خراب في وسط المنطقة هي منطقة الرفض الجديدة في اللاذقية...

 الرمل الجنوبي - أو الرمل الفلسطيني - كما هو متداول، مخيم للفلسطينيين اساسا، اصبح اليوم يضم الكثير من الفئات المهمشة وأفقر شرائح المجتمع في اللاذقية، معظم سكانه من قليلي التعليم والفقراء والعمال المياومين... تنتشر فيه المخدرات والمشاكل وخريجي السجون، يعيش سكانه من الصيد تارة ومن الاعمال البسيطة تارة اخرى، مظاهر البؤس فيه استطعت ان التقطها من بعيد وبعد مروري على احد الحواجز الكثيرة التي وضعت عليها متاريس الجيش ويحمل احدهم قوائم باسماء المطلوبين من اللاذقية..

عبرنا بهدوء الى الداخل، نظرات الاستهجان ترافقك من الاهالي منذ ان تخطو اولى خطواتك. للداخل توجد حواجز اهلية متفرقة وضعها السكان الخائفون من الاقتحام، وأي غريب هو مشروع عميل حتى يثبت العكس... تجولنا في ساحة صغيرة يسموها "ساحة الحرية" تحيط بها في النهار بعض عربات الباعة ومحلات المفرق، اخترنا أن نتحدث إلى بعض المتواجدين بحذر شديد، محاولين استمالة ثقتهم.. نتنقل في الأزقة الضيقة المليئة بأكوام الزبالة، بعد أن توقفت البلدية عن إزالتها محتجة بأن السكان يستخدمون الحاويات للحماية في حال دخول الأمن والجيش.. تنبعث الروائح السيئة من كل مكان... وعلى الشاطئ الذي قيل لي أنه كان من أجمل الشواطئ في المنطقة، أرى أكوام الصخور التي وضعها السكان لحمايتهم من هوجاء أمواج البحر في الشتاء، وحتى يستطيعوا استغلال المنطقة في بناء المزيد من البيوت بعد أن توقف المخيم عن استيعاب العدد المتزايد من السكان.

هو الرمل الجنوبي.. بدون رمل.... اختارت محافظة اللاذقية أن تصب فضلات المدينة إلى البحر من منطقة تتوسط الرمل مما أعطى للمشكلة أبعاد أخرى، تتمثل بالأمراض والروائح والقذراة المتزايدة... هي منطقة مهمشة لسكان مهمشين.. فكيف انتقلت التظاهرات إلى هنا لتصبح منطقة ثورة، وملجأ للمطلوبين من المناطق الأخرى.. ولتصبح مهددة بالاقتحام ومحاصرة منذ فترة طويلة بكل هذه السواتر والحشود من الجنود والأمن.؟

 بدأت حركة الاحتجاج في اللاذقية من الصليبة وهي احد احياء المدينة التي دفعت ضريبة كبيرة من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمختفين... وكانت سياسة النظام دائما تصوير الأمر على أنه يصدر من المجرمين والمهمشين والعصابات وما هي المناطق الانسب لذلك سوى مناطق الفقر؟ لذلك دفع باتجاه مزيد من الحصار لباقي المناطق والسكان في المدينة حتى استقرت أخيراً الاحتجاجات في المناطق المهمشة والبعيدة عن وسط البلد انتقلت الاحتجاجات تدريجيا الى احياء اخرى مثل قنينص وسكنتوري وبستان السمكة، ولكن الرمل الجنوبي بسبب طبيعته الخاصة الجغرافية والسكانية كان انسب لانتقالها فهناك حالة غضب طبيعي على الظروف المعيشية والاهمال والوضع الاجتماعي، إضافة الى محاولة شركات الاستثمار التخلص من الحي لاستثماره تجاريا او كما يقولون سياحيا لموقعه المتميز على البحر. كل هذا جعله منطقة مستهدفة تتمتع بعزلة طبيعية عن باقي المدينة وأحياءها، والأهم فيه نوع من التآلف الاجتماعي والظرف المشترك.. وينظر إليه باقي سكان المدينة بنوع من الازدراء حيناً ونوع من التجاهل أحيان.

هو إذن الرمل الجنوبي مارغبت في زيارته هذه المرة في اللاذقية، وكانت زيارتي لهناك نوع من الخوف من حواجز الأمن والجيش، وكذلك نوع من الخشية من حواجز الأهالي ومخاوفهم وهواجسهم تجاه الغرباء. أحد الرجال العجز، يتمتع بوع مميز بالنسبة لسكان الحي، قال لي نحتاج إلى دعم من كل النواحي: ينقصنا كل شيء، المال، المواد الغذائية،التعاطي الاعلامي مع قضيتنا.. وكذلك والأهم تضامن باقي أحياء المدينة معنا... حاولت أن أشرح له حين طالبني بخطاب طائفي من الطائفة الأخرى التي تشاركهم المدينة بالتبرؤ من النظام الحاكم بوصفه طائفياً، فقلت له: إن المتضامنين معكم ليسوا طائفين إنهم من كل الطوائف وهم علمانيون ولا يمكن أن يقوموا بالإدلاء بخطاب طائفي. هذه نقطة خلاف هامة، ولكن أعدك أننا كسوريين يعنينا ما يحصل ويعنينا أننا جزء من الانتفاضة في بلدنا وسوف نقوم بكل مايجب للوقوف إلى جانبكم...

كانت وعود أتمنى أن أستطيع الوفاء بها خاصة بعد أحاديث مع أطراف شتى من الأصدقاء والمعارضة، تحدث أهالي الحي لي عن أشكال المقاومة الموجودة والتي لم تتجاوز رمي الحجارة باتجاه الأمن أو ما يسمونه طبخ الديناميت ، وهو ما يستخدمه الصيادون عادة بكميات قليلة ويصدر صوت عالي وكبير دون مخاطر حقيقية، ولكن يعطي انطباع بجود أسلحة ويخيف الجنود والأمن يجعلهم يتراجعوا،فيرموها خلف سيارات الأمن والجيش عادة...

 كانت لدي مخاوف حقيقية من وجود أسلحة أو وجود محاولات لاستخدام السلاح بعد مرور خمسة أشهر على الانتفاضة، وما سمعنا به جميعاً عند اقتحام المدن الأخرى.. ولكن هذه المخاوف لم أجد لها سبباً هناك فلا وجود للأسلحة.. وهو ما تم تأكيده تالياً في اليوم التالي (يوم الاقتحام) عدم وجود مقاومة من قبلهم.. كانوا عزل في مواجهة 23 دبابة اتجهت إليهم عن طريق الشاطئ.... وجنود ورجال أمن استخدموا الآر بي جي وهدموا البيوت وأصابوا كثر سمعت عن هبوط في المعنويات ومخاوف بعد الاقتحام وعدم القدرة على المواجهة، وانتظار مصير لا أحد يعلم ما هو، ما استطاعوا فعله كان محدوداً، استطاعوا إخراج النساء والأطفال من المنطقة، وبقي الشبان والرجال لحماية الأحياء.. ولكن كيف؟ الهجمة العنيفة على منطقة الرمل الجنوبي رافقها هجوم أقل حدة من سيارات الشبيحة والأمن على الصليبة والسكنتوري وبستان السمكة وقنينص.. كان بهدف منع كل أشكال الدعم التي قد تظهر والمظاهرات المحتجة على اقتحام الرمل الجنوبي.. الرمل الجنوبي أعزل... كما أغلب المناطق السورية التي يقرر النظام دخولها كما نحن جميعاً عزل في إحساسنا بالعجز عن مساعدة الناس.. والانتظار ليلاً ونهاراً توقف أصوات الرصاص والقذائف.. ونحن نتسائل هل الـ 5 كيلو متر التي تفصلنا عن حي الرمل الجنوبي كافية لنكون آمنين؟ أي أمان أجوف هذا أيها السوريون؟ أي أمان هذا الذي يقولون أنه سيعطونا إياه بقصف المدن واقتحام الأحياء..؟ أي مقاومة هذه يجب أن يمنحها الجسد العاري لصاحبه....

 يتزايد عدد الشهداء بسرعة لا تتجاوب معها قنوات الأخبار.... وسط حصار وغياب وصمت وحتى متى هذا الصمت على مايجري؟ كيف يمكن أن تكون أحياء من المدينة آمنة بينما الآخرون يموتون ويجرحون ويشردون من منازلهم؟ قال أحد الشبان لمحامي، لا تنزل أنت إلى المظاهرات اترك هذا لنا، فأنت تستطيع المساعدة بأشكال أخرى، أما أنا فلا أملك سوى هذا الجسد، وسأقدمه للثورة؟ كيف تنعتوها أنها ثورة مهمشين وبسطاء، وهل هذا كلام البسطاء؟ يا إلهي لو يتمتع الآخرون بكل هذه البساطة وهذا الوضوح.. ولو يملك القتلة كل بعد النظر هذا.. والرغبة في الانتماء للوطن.. وطننا نحن جميعاً.. قتلة ومقتولين مثقفون وبسطاء.. موالون ومعارضون.. كيف سنصل إلى مرحلة الانتماء للوطن، والانتماء لمن يسكنه ويموت من أجله؟

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات