بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
سوريا: عما نتكلم؟
  29/08/2011
>

سوريا: عما نتكلم؟


نهلة الشهال

خطف وضرب وتعذيب الفنان علي فرزات يستحضر كل بشاعة النظام السوري وأمثاله، وهم متشابهون بشكل مدهش. وهذه فعلة على قدر من الغباء يثير الحيرة. فعلي فرزات يعرف جيداً السلطة التي عاش في ظلها، وقد عانى منها شخصياً، كما كان شاهد عيان على معاناة رفاقه من المثقفين، وعلى البطش الذي نالهم كما نال عامة الناس. وصاحب «الدومري» يعرف تماماً مبلغ ضيق صدر أهل هذه السلطة بكل نقد، وهو قرّر منذ البداية عدم استهابة تلك الاعتبارات جميعاً. القمع في بقاع الارض كافة، وبخاصة قمع المثقفين، لم يخمد يوماً صوتهم ولا أذاب معارضتهم، ولا هو أطال في عمر أي نظام، ناهيك بالمساعدة على استتباب الاوضاع فيه. بل يمكن القول إنه الاعلان العريض عن الافتقاد للشرعية. وكل مزيد منه يعني إيغال أكثر في العراء منها. تتكرر التجربة وليس من فائدة، فالسلطة الاستبدادية تشتغل وفق منطقها المغلق. الاعتداء على فرزات جريمة مجانية، يثير الغيظ أن تلجأ السلطة بإزائها الى تشكيل «لجنة تحقيق»: كان يفترض بها إدانتها بأقسى التعابير، وبصدق، وعقاب مرتكبيها علناً وبشدة، على فرض أنهم فعلوا بمبادرة ذاتية غبية، وهم حتماً معروفون ولا يحتاج أمرهم الى لجان. لكان ذلك فاتحة مسلك آخر، لا يوجد سواه لوقف انزلاق سوريا نحو الكارثة، وهي باتت تلوح في الافق.
فلنكن واضحين: ليس محبة بالنظام البشع، وليس مراهنة على فضائل يختزنها، بل خوفاً على سوريا وعلى المنطقة برمتها، حيث سيرورة الوضع فيها ومآله سيحددان مستقبل الارهاص التغييري والثوري الجاري. لا يوجد في بنية النظام السوري إمكانات للانقلاب الذاتي، كما حدث في مصر وتونس، حيث تمكنت مؤسسة الجيش من الإمساك بالأمور ومن استئناف الصراع مع المجتمع بين جدل وتفاوض وتسويات. والافتقاد لهذه الامكانية يعني اندفاع الامور الى المأزق، كما بات جلياً اليوم: لقد جُرّب الحل الامني في سوريا وفشل، إذ لم يحل دون استمرار التظاهرات في الاماكن المقموعة كما في سواها. لم، ولن يؤدي القمع الدموي الى ردع الناس وإخافتهم. ومن ينصح أهل النظام بمزيد منه توخياً للفعالية إما مجنون، وهذا لا يحسب حسابه، أو انتهازي مصلحي بالمعنى الذاتي الضيق، جبان، يريد التملق للنزعة القمعية الموجودة بقوة في مثل هذه الانظمة، ولا يقيم حساباً للغدِ بل لا يهمه سوى رضا أصحابه الآني. ونصحاء السوء بالمناسبة ليسوا قلة، وهم يؤدون دوراً في غاية الضرر إذ يشجعون أهل النظام على التمادي في منحى خطير وبلا مخرج. أسمع الاعتراضات: النظام ليس بحاجة لمن يشجعه، والنظام لا يعرف سوى هذا النهج. وفي هذه الكثير من الصحة، ولكن السياسة لا تخضع الى حتميات محكمة، وإلا لكان كل فعل وموقف عبثيين.
والانتفاضة في مأزق. ففي مواجهة آلة القمع القاتل، ستصطدم التحركات الاحتجاجية سريعاً بحدود فعالية الوسائل السلمية، وستغلب داخل قواها الاصوات الداعية الى مجابهة العنف بعنف مسلح. سيما إذا استمر توفير مستلزماته! وفي لحظة من لحظات نضج الانتفاضات، تُطرح كيفية الاستمرار وكيفية الحسم. وفي سوريا، دفع الناس ثمناً هائلاً من أجل الانتفاض، وسيكون من الصعب تماماً، ومن المحبط وغير المقبول، دعوتهم الى التنازل مقابل تدابير شكلية أو جزئية، من شاكلة ما يقترح النظام عليهم. ذلك موقف لا فرصة موضوعية أمامه للتحقق. ولا يجب.
ولكن إسقاط النظام بسرعة وتماسك ليس في متناول اليد لأسباب متعددة. ولا يوجد في هذا الإقرار أي تهيب من النظام أو تساهل معه، كما ليس فيه بعدٌ قيمي أو أخلاقي. بل هي حسابات باردة. في مقدمة تلك الاسباب أن النظام يمتلك وسائل دفاع عن نفسه لا يستهان بها (عسكرية وطائفية، كما وظيفية، بعضها يمس مصالح قطاعات واسعة من شرائح اجتماعية بعينها، وأخرى تخاطب تناقضات البنية السورية نفسها حيث المذاهب والاثنيات والعشائر والجهات)، وهو لن يوفر استخدامها. كما لا يوجد في داخله وفي مفاصل القوة التي يستند اليها احتمالات انشقاق ذات مغزى، يمكن أن تتحول الى بدائل. ثم هناك طبيعة المعارضة المدنية المشرذمة وغير المتبلورة سياسياً، والتي لا تحل مشكلاتها البنيوية (هي الأخرى) اجتماعات متتالية ولا هيئات تأسيسية معينة على عجل، وستتطلب ولادة بدائل قابلة للتقدم من الناس مقترحة عليهم تأييدها للإمساك بالسلطة في سوريا موحدة متماسكة، اشتغال على التوافق لم ينجز بعد، وليست المسألة مسألة وقت فحسب، بل استعصاءات لا بد من التصدي لها. وأخيراً وبإيجاز، فلا يوجد أبداً في معطيات الوضع الحالي ما يسمح بالاعتقاد أن منقذاً خارجياً يمكنه التدخل، على غرار تدخل الناتو في ليبيا.
ولذا، فحبس الاحتمالات ما بين نجاح النظام في الامساك بالموقف عبر القمع المنفلت من عقاله، أو اسقاطه، يعني ببساطة، ووفق المعطيات السورية، الدفع نحو تعميم العنف، بما فيه خطر الحرب الأهلية وتفكك البلد ودخوله في فوضى عارمة، وتأثير ذلك على كل محيطه وعلى مسار عملية التغيير في المنطقة. ويصدق هذا التقدير على أهل النظام المتشبثين بأساليبهم، كما على المعارضة التي تظن أن فرصتها قد سنحت، وعلى مؤيدي الانتفاضة حتى لو كانت دوافعهم انسانية ومبدئية. ومن يعيب التطرق الى مثل هذه الحسابات، ينكر الواقع. والمخيف أن الطرفين يتقاسمان «إرهاب» الداعين الى البحث الجاد والسريع عن تسوية، بالمعنى التاريخي للكلمة. وأما مفتاح بدء الفرج فأن يتقدم النظام من الناس بمقترح تغيير فعلي، وليس أقل. وهو حرٌ في تسمية مقترحه «إصلاحات» وليس «تنازلات»، فقد تجاوز الخطر الماثل هذه الاعتبارات.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات