بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
الميدان تزلزل أرض الشام خلال تشييع الشهيد الطفل ابراهيم شيبان
  16/10/2011

الميدان تزلزل أرض الشام خلال تشييع الشهيد الطفل ابراهيم شيبان

 إياد شربجي


هذه مشاهداتي خلال المظاهرة التي خرجت حين تشييع الشهيد ابراهيم محمد شيبان في منطقة الميدان بدمشق يوم السبت 15 تشرين الاول 2011 أكتبها لأضعكم بصورة ماحدث، والتزاماً بمهمتي كصحفي، وواجبي التوثيقي للثورة.

البداية:
وصلت إلى شارع أبو حبل بالميدان قرابة الساعة الثانية عشر إلا ربعاً، أعرف المكان جيداً، فكثيراً ما كنت آتي وأصدقائي إلى هنا لتناول الفول بعيد منتصف الليل على طاولات تفردها المطاعم في الشارع بعد إغلاق السوق ليلاً.
كنت لوحدي، فقدت اتفقت مع من تواصلت معهم كالصديقين الفنانين جلال الطويل وجمال منيّر أن نلتقي في المكان حتى لا نثير أي شبهة بتجمعنا.
اعتقدت بدايةً أنني وصلت مبكراً، فموعد الصلاة يحين بعد نصف ساعة، ولم يكن ثمة شيء غير عادي في المكان، اللهم سوى أن معظم المحلات مغلقة على غير العادة، لكنني لم ألحظ اي تواجد لعناصر الأمن أو الجيش.
دخلت إحدى الحارات الخلفية لمسجد الدقاق ومشيت فيها تمضيةً للوقت، لكن سرعان ما سمعت صوت سيارة الجنازة تنادي على الشهيد من بعيد، هرولت نحو مصدر الصوت لأرى العشرات مثلي يدلفون من الحارات الضيقة نحو ذات المكان، سرنا خلف الجنازة، وكان المنادي يذكر اسم المتوفى دون أن يشير إلى أنه شهيد، أو كيف توفي، تفهّمت الأمر للدواعي الأمنية التي نعرفها جميعاً.
كان المشيعون أقل من 500 شخص، أحبطّتُ حين رأيتهم وقد كنت أمنّي النفس بأعداد أكبر، قلت في نفسي "كما العادة، يؤكد الآلاف الحضور، ثم يأتون بالمئات ".
مشينا بهدوء نحو الجامع دون أن ننبس بحرف، فقط كنا نستمع لما تبثه سيارة الجنازة من آيات القرآن، لكن بعد قليل بدأت تطالعنا على الجدران أينما مشينا تلك النعوات التي يتّضح أن الثوار هم من ألصقوها، والتي تذكر بالحرف الواحد "الشهيد ابراهيم محمد الشبان" وتؤكد بصريح العبارة أن من قتله هم (قوات الأمن والشبيحة).
في الجامع
وقفت السيارة، حمل الشباب نعش الشهيد وهم يهمهمون بعبارات التكبير بصوت خفيض، وما إن دخلنا باحة المسجد وإذ بي أفاجئ بالمئات ينتظرون، هنا صرنا حوالي الألف ربما، استقبل المنتظرون النعش بالهتاف للشهيد، وبدأ الجميع يردد، حمل المشيعون النعش وصاروا يطوفون به في وسط باحة المسجد وهم يرفعونه ويهزّونه، ثمة شخص كان يركض بيننا ويصرخ "لا ياشباب...لا تنزعوها" صمت المشيّعون لبرهة، ثم تابعوا دون ان يأبهوا له (لاحقاً تبين أن هذا الشخص مجرد مخبر اندس بيننا).
في طرف باحة المسجد كانت العشرات من الفتيات يزغردن، ظننتهن من أهالي الشهيد في البداية، تقدم منهن أحد الشباب وقال لهن "غطو وجوهكن يا صبايا غطوها" أزعجني الموقف، فاقتربت ومنه وقلت له معاتباً "هلأ وقتها انت التاني هي الأحاديث...خليهن يعبروا متلهن متلنا" فرد علي الشاب بوجه بشوش "لا يا أخي ما تفهمني غلط... نحنا منشان ما حدا يصورهن وينعرفوا، هدلول أخواتنا، وجيتهن غالية والله"
تبسّمت في وجهه واعتذرت، ثم نظرت للفتيات لأجد معظمهن يعتمرن الحجاب بشكل لا يدلّ على أنهن محجبات أصلاً، دققت في ملامح إحداهن....أعرف هذه الفتاة، كثيراً ما كنت أصادفها خلال حضوري للعروض المسرحية والسنيما، تذكرتها تماماً، والذي تذكرته أكثر ومتأكد منه أنها مسيحية...نعم مسيحية، كنت أميزها دائما من قلادتها التي تحمل الصليب، هاهي هنا، في قلب المسجد ... سرت قشعريرة في بدني، وسعدّت بشكل لا يوصف، فهذا دليل جديد على أن كل السوريين يشاركون بالثورة، وهي حجة على رجال الدين المسيحيين المطبّلين، بنفس الطريقة التي نحن فيها حجة على حسون والبوطي.
كان الشباب ما يزالون يكبّرون ويحيون الشهيد، ثم بدأت عدة الشغل بالظهور، الكمامات، السلكات، الأقنعة، اللافتات، التصوير.
دخلوا بنعش الشهيد إلى صحن المسجد ووضعوه على الأرض، ونادى أحدهم "تعو ودعوه يا إخوان"
تحلّقنا جميعاً حول النعش، عانيت قليلاً حتى تمكنت من الاندساس من بين الجموع، نظرت في وجه ابراهيم...شهقت...صار قلبي ينتفض (من لديه طفل سيفهم شعوري) ...وجه ابراهيم شديد البياض، وتتحلّق حوله حزمة من الورود البيضاء أيضاً، كان منظراً مؤلماً...رجعت للوراء وانسحبت وأنا أكابر على نفسي كي لا أبكي، لكن آخرين بكوا... وبحرقة أيضاً، أحدهم ذهب وأسند يده ورأسه على حائط المسجد كما كنا نفعل في لعبة (الطميمية أو الغميضة) ثم صار يبكي....وضعت يدي على كتفه وهدّأت من روعه، وأنا الذي بحاجة لمن يواسيني، لكن في مثل هكذا لحظات يقوى الناس ببعضهم، ويكونون سنداً لأنفسهم.
في سدّة الجامع كن فتيات أخريات يزعردن، لم يمنعهنّ أحد من ذلك، زعردن كثيراً وكثيراً.
ثم ارتفع صوت الآذان يعلن صلاة الظهر، صلّينا الظهر، تقريباً المسجد ممتلئ، قلت في نفسي هذا هو العدد اذاً...ربما صرنا ألفاً أو يزيد ...معلش خير، ثم لمت نفسي لمَ كيف تمكنوا من إدخالنا بلعبة الأرقام غير المنطقية في حالة الوضع الذي خلقوه على الأرض...المهم هو الحدث بحد ذاته، وكما يقولون( المنحبكجي بحالو، والمتظاهر بألف)
أثناء الصلاة لاحظت أن الشباب متلهّفون للصراخ، لدرجة أن بعضهم وبعد أن ينادي الإمام بالحركة التالية (الله أكبر) فيصرخون (الله أكبر) إنما بصيغة الهتاف.
انتهت الركعات الأربع، ولم يكد الشيخ يقول السلام عليكم ورحمة الله حتى صرخ أحدهم من الخلف (الله أكبر) وبدون تمهيد ردّد الجميع من خلفه، وكادت تنفلت زمام الأمور لولا أن الشيخ صرخ (صلاة الجنازة...صلاة الجنازة) فسكت الجميع وتحضّروا لصلاة الجنازة.
بدأت صلاة الجنازة، في منتصفها تماماً وبينما كان الصمت يسود الموقف ينبعث ذلك الصوت من بعيد (الله أكبر حرية) يليه صوت هادر يدلّ على جمهرة كبيرة جداً، من رجع الصوت فقط كان واضحاً أنهم بالآلاف بل أكثر، سرت قشعريرة أخرى عندما سمعت ذلك، وعرفت ان مظاهرة ستنطلق الآن بزخم كبير، وقلت "إنها دمشق إذا لمن لا يعرف"، كم كنت بحاجة لأفخر بمدينتي التي عتب عليها كثيرون، إنها الميدان قلب دمشق الحقيقي، وكل شيء آخر زيادة خير...المهم هو القلب في النهاية فلولاه لا حياة بكل الجسد.
انتهت صلاة الجنازة، وكما في الصلاة التي سبقتها يصرخ أحدهم، فيردد الجميع خلفه ، لتبدأ بعدها سلسلة الهتافات السياسية، صار الصوت هدّاراً فعلاً...صوت من المسجد حيث نقف، وآخر آت من الجمع في الخارج، فيخرج منهما لحن غريب يجعل الادرينالين ينفجر في رأسك، خرجنا من باب المسجد وسط هذا المشهد.
لم يكن أحد يهتف بالمجان، كنت تنظر في وجه أحدهم فتجده يجهد كثيراً كي يصرخ بأعلى صوته وكأنه يتسابق مع آخر، لا شيء يجعل المرأ يفعل ذلك سوى أنه هو يريد ذلك.
حملنا النعش وسرنا نحو الخارج، لأسرّ برؤية آلاف مؤلفة من البشر(بالتأكيد يزيدون عن 25 ألفاً في أسوأ تقدير)، نظرت في عمق الشارع فلم أجد نهاية للجمهرة، كان المكان يغصّ بهم، رجال ونساء، فتيان وفتيات وأطفال، الكل كان يهتف وبحماس منقطع النظير، صوت الفتيات كان ملفتاً فهو يتسلل كالصفير من بين أصوات الرجال الرخمة، فوجئت حقاً بعددهن...كنّ عشرات..بل مئات، وربما أكثر، كنت أراهنّ أينما نظرت، لم يقفن في جهة واحدة، كنّ في الأطراف وفي الوسط وفي كل مكان، أما الشباب فتعرفت على وجوه بعضهم، هم ليسوا من الميدان أصلاً، وجاؤوا فقط للمشاركة بالتشييع والتظاهر، وهم من مشارب وأديان وطوائف مختلفة، وهذه كانت ميزة إضافية أخرى، كما صادفت عدداً من أصدقائي الفيسبوكيين الذي لم ألتقهم من قبل، وكان هناك صديقاي جلال الطويل وجمال منيّر، وهما مشاركان دائمان في مثل هذه الأحداث ولا يفوتانها، كنا جميعاً فرحين بدمشق، وكأننا نقول في أنفسنا (يا الله ما أجملك أيتها المدينة عندما تلبسين ثوب الزفاف).
في الطريق
التأم الجمع وانتظمنا في المسير في شارع أبو حبل، من المفترض أن يكون نعش الشهيد في مقدمة التشييع كما درجت العادة، لكن الآلاف كانوا في طرف الأمامي، وآخرون مثلهم من الطرف الخلفي، فأصبح النعش في المنتصف، حمل الشباب النعش وصاروا يرقصون به وسط التصفيق والهتاف (بالروح بالدم نفديك يا شهيد) والجميع يكررون بصوت واحد مزلزل، ثم تصرخ إحدى الفتيات بصوت فحيح (ارفع راسك...أبو الشهيد) وخلال ثوانٍ يتحول إلى هتاف جماعي (ارفع راسك..أبو الشهيد).
ولتبدأ بعدها شعارات اسقاط النظام وكل ما يخطر ببالكم من شعارات الثورة التي تسمعونها في كل مكان من سورية، وكذلك شعارات التحية للمدن الثائرة من درعا وحتى البوكمال بما فيها (قامشلو) بكل ما تعنيه الواو في نهايتها، كان جواً مفعماً بوطنية صارخة، في الحقيقة لن يستطيع أحد تخيّل هذه اللحظات ما لم يكن في موقع الحدث، سيما هدير صوت هذا الموج البشري، نظرت إلى واجهات المحلات، كانت تهتز...نعم (أغلقة المحلات) تهتز إلى إيقاع الهتافات، أنظرُ من حولي الكل يصرخ بأعلى صوته وتكاد عيونه (تبظّ) من وجهه لشدة ما يجهد في رفع صوته، ويكمل العملية بوضع كفيه حول فمه ليصبح أشبه بالـ(سبيكر) الكل يصرخ ويهتف، آخرون كانوا يبكون غبطة، ربما كانت هذه مشاركتهم الاولى في التظاهر،من يشارك بمثل هذا الحدث يكتشف نفسه، إنه يصرخ بما يريد للمرة الاولى في حياته، إنه يزأر في الشارع وهو ما لم يتعوّد عليه من قبل، آلاف المشاعر المكثّفة تباغتك في في مثل هذه المواقف، يتحول الأمر إلى ما يشبه الهذيان، إلى ما يشبه السكر، ويسوح بك في عوالم أخرى، تشعر بمتعة لا توصف لم يسبق لك أن تذوقتها.....رائعة هي الحرية فعلاً...وتستحق أن تعرض نفسك للخطر في سبيلها.
عندما كان الصوت يخبو قليلاً بعد كل سلسلة هتاف، يصرخ أحدهم(حرية...حرية) فتلتهب الأجواء من جديد، واضح أن المتظاهرين يريدون إيصال رسالة واضحة، شعرت أنها موجهة لمسيرة السبع بحرات التي سيرتها الحكومة أن نحن هنا، وصوتنا أعلى.
عودة للفتيات اللائي كنّ حاضرات بشدة في هذا المشهد، فهذه تزغرد (ربما للمرة الاولى في حياتها) والأخرى تصفر مثل الصبيان، والثالثة تثب وهي ترفع يديها وتصفق، لا يمكن أن ترى حماساً أكثر من هذا في أي مكان آخر.
في لحظة ما بدأ الشباب يضعون أيديهم على أكتاف بعضهم صفوفاً في استعادة لمشهد مظاهرات حمص، وضعنا أيدينا على أكتف بعضنا وشبكناها، وصرنا نثب ونهتف، العشرات اعتلو السيارات يصورون، طفل ما ركض من أحد الأسطحة وهو يحمل بربيش الماء وبدأ يرشّ المتظاهرين، كان جواً احتفالياً لا يوصف، الكل فرح بدمشق بشبابها وفتياتها.
تفاجأت حقاً برجل (أعرج) يسير متثاقلاً مستنداً على أحد الشباب بيد، ويهتف باليد الأخرى (ليش خايفين الله معنا)
إلى المقبرة
وصلنا إلى نهاية الشارع، انعطفنا يميناً فوجدنا أنفسنا في ساحة الأشمر، توقف السير، لم يتذمّر أحد أو يتضايق، على العكس صار بعضهم يستعيض عن صوته بزمور سيارته، لم يكن بالتأكيد يريد أن نفسح الطريق، تردد صوت زمور يتوافق مع الهتافات.
مشينا، جلسنا في منتصف الساحة لنمثل مشهد التسونامي، حيث يبدأ الهتاف بصوت خافت (الشعب يريد اسقاط النظام) ثم ثانية مثلها، وفي الثالثة ينتصب الجميع ويصرخون (الشعب يريد إسقاط النظام)
بقينا لحوالي العشر دقائق في الساحة ثم أكملنا الطريق شمالاً باتجاه مقبرة البوابة.
في منتصف طريقنا إلى المقبرة لاحظنا بعض الشباب يصفرون ويهتفون بطريقة غير مألوفة، اقتربت برفقة من معي لنجد في عمق الحارة مجموعة من حوالي 100 رجل وامرأة وشاب يحملون صور الرئيس ويتوجهون لنا بإشارات مهينة ويشيرون لنا بإصبعهم الوسطى، سألت أحدهم لم هؤلاء يفعلون ذلك فقال لي إن هذه اسمها حارة العواينية (إمتداد حارة الجورة) وهي منطقة مخالفات، وتضم موظفين في الإسكان العسكري، ويقطنها موالون للنظام أغلبهم ممن يعملون فعلياً في التشبيح أيام الجمعة، وهم مسلحون، وليسوا من أهالي دمشق.
بعض المتظاهرين تضايقوا وبدؤوا يشتمون الرئيس نكاية بهم، وهؤلاء يردون عليهم بكلامٍ نابٍ وإشارات بذيئة، خفنا أن يتطور الوضع بغير ما نريد، ركضت برفقة بعض الأصدقاء ووقفنا بوجوه المتظاهرين وصرنا نصرخ (إيد وحدة ...إيد وحدة) في البداية لم يردّ علينا أحد، لكنهم في النهاية استجابوا وانتشر الهتاف، ثم ألحقه أخر بهتاف آخر (سنية وعلوية...كلنا بدنا حريّة) وهكذا تابع المتظاهرون المسير.
وصلنا أخيراً لباب المقبرة، دخلو بالنعش إلى الداخل، وفي الخارج الجو ملتهب، رفع الشباب علم الاستقلال وكان علماً كبيراً، والكل يهتف، بقينا حوالي النصف ساعة كذلك.
المواجهة
بنما كان الجميع واقفاً أمام المقبرة، يصرخ أحدهم (عالساحة...عالساحة) وعلا الصوت، وتردد، وازداد، النية هي الاعتصام، تلكأ البعض في البداية، لكن في النهاية سار الغالبية نحو الساحة وبقي قسم أمام المقبرة وداخلها، في الطريق إلى الساحة كان لا بدّ من المرور أمام حارة العواينية من جديد، ولم نكد نمرّ وإذ بعشرات الشبيحة يركضون نحونا وهم يحملون البومباكشن (هي ذاتها تلك التي يظهر التلفزيون السوري أنه تم ضبطها مع العصابات المسلحة) والمسدسات والعصي، وكان من بينهم أكثر من عشرة نساء يحمل بعضهن مسدسات، لم يخف المتظاهرون، واستعدوا لمواجهتهم، لكنها مواجهة غير متكافئة، ونحن لا نريد أصلاً حتى لو كانت كذلك، لكن المهاجمين حسموا الموقف بعد أن بدؤوا اطلاق الرصاص من بعيد.
تفرق الشباب وانسحبوا واحتموا خلف السيارات بينما تابع المهاجمون إطلاق النار، صار المهاجمون الآن في منتصف المسافة بيننا وبين المقبرة، تذكرنا أن الذين يقومون بالدفن صاروا خلف هؤلاء وهم في خطر حقيقي الآن.
لم يكن أمام الشباب وقت للتفكير، إذ بدأ إطلاق الرصاص يصبح أكثر كثافة، ظننت في البداية أن يرمون في الهواء لإخافتنا، لكن أحد المتظاهرين صرخ "شهيد...شهيد"
وبالفعل جاؤوا من بعيد يحملون شاباً يغرق في دمائه، ثم ثاني، ثم ثالث، حدث الأمر أمام عيني.
لكن المتظاهرين لم يتراجعوا، فبدؤوا يضربون المهاجمين بالحجارة، وهؤلاء يردون برشقات الرصاص، ثم تحدث بلبلة حيث أقف، وأرى الشباب يضربون أحدهم، اقتربت لأرى وإذ بالشخص المعتدى عليه يسحب مسدساً من تحت حزامه، إنه شبيح مندس بالمظاهرة، لكن لحقو به وطاردوه بينما ذاك يحاول دكّ المسدس فيفشل من شدة رعبه، ثم يدلف بين السيارات ويختفي، ونسمع من بعيد صوت رصاصة
أحدهم صرخ في تجمع للفتيات وقف دونما حراك "لك ما تهربوا ليش واقفين بوش الرصاص؟" فتجيبه إحداهنّ على الفور "نحنا ما اجينا منشان نهرب" ثم تصرخ(الله أكبر) فيعود الشباب ويتحلقون حولهن ويرددون. رجل خمسيني يقف إلى جانبي كان يرى المشهد فدمعت عيناه وقال بصوت مكتوم"الله يحميكن يا ولادي" ثم صرخ مع الجميع (الله أكبر).
مع اشتداد إطلاق النار هربت إلى حارة جانبية، وكان الشباب أوصلو لها جريحاً مصاباً برجله للتو، بدء الجميع يحاول المساعدة، صرخ أحدهم "مي...مي" ففتحت شبابيك الأبنية المطلة وبدأت النسوة يرمين قناني الماء.
كانت حالة الشاب خطره، فهو ينزف بشدة، صرخ أحد الموجودين "سيارة...سيارة" لكن بالفعل لم تكن توجد أية سيارة، فالحارة ضيقة جداً ولا يمكن للسيارات عبورها أصلاً، يصل أحدهم مسرعاً على دراجة نارية صغيرة، يسميها الناس (سنفور) صرخ بهم: "ركبو ورايي ركبو"أجلسوا الشباب خلف السائق، وبالكاد تمكن من الجلوس، فالمقعد مصمّم لشخص واحد فقط، صرخ المسعف "ياشباب واحد بس بيروح معي، بلا ما يطلع شي عوايني يندل على بيتي" فقفز احدهم "أنا بروح...انا دكتور من تنسيقية أطباء دمشق" وهموا بالذهاب لكن المصاب كاد ينزف، والموتور قصير وواطئ، وقدم المصاب المصابة بالرصاص ترتطم بالأرض، فتطوع اثنان آخرن واحد أسند المصاب من الخلف، وآخر حمل رجله، ومشوا، بينما نحن تراجعنا للوراء بناء على طلب المسعف.
أخيراً انتشر بين المتظاهرين أن باصات أمن أنزلت عشرات العناصر قريباً من المكان، فكّر البعض بالمواجهة مهما كان الثمن، كانوا متأهبين جداً ومصرّين على تشكيل اعتصام، لكنهم أنصتوا في النهاية لصوت العقل واستجابوا لنا، فتفرقت الجموع بين الحارات الضيقة، وعدنا أدراجنا، في الطريق كان الشباب يطمئنون على بعضهم، لا أحد يعرف أحداً، تعرفوا على بعضهم في المظاهرة فحسب، لكنهم كانوا معنيين بالاطمئنان على الجميع...هذا ما تفعله الثورة بشبابنا....وهذا ما سيجعلها تحسم لصالحهم.....أنا على يقين تام من ذلك، والحلم بات أكثر قرباً من أي وقت مضى، وهؤلاء الشباب لن يتوقفوا عن التظاهر بعد ما عاشوه في هذا اليوم...قبل أن أعادر تقدمت مني شلة شباب وبنات وقالوا لي ولمن معي "زبطولنا وحدة تانية شباب وهالمرة حنجهز حالنا منيح" .


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات