بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
المخرج السينمائي السوري نبيل المالح: أربعون سنة وأنا أجابه الاستبداد ب
  29/10/2011

المخرج السينمائي السوري نبيل المالح: أربعون سنة وأنا أجابه الاستبداد بالإبداع

أجرى الحوار فاطمة عطفة: شيخ المخرجين السينمائيين، مبدع متعدد المواهب من الشعر إلى الرسم وكتابة السيناريو وصولا إلى الإخراج. وأكثر من ذلك أن أمه علمته أن يطير بجناحيه وأن يظل مكتفيا بسربه الخاص، خارج أي سرب وبعيدا عن المنافسة التي تسيء للمبدع. إنه ابن دمشق الذي يحملها في شغاف قلبه أينما توجه، وقد غادرها للتعليم وهو في السابعة عشرة من عمره ليتابع دراسته الجامعية في براغ، وقد تجول في أوروبا كلها على دراجة نارية زادت جناحيه قوة للاستمتاع بجمال الطبيعة وليزداد خبرة وشغفا بالسفر والاكتشاف. وبعد عودته إلى دمشق وإخراج أوائل أفلامه، خطر له أن يحتفل بعيد ميلاده في دمشق، لكن حاجزا أمنيا قطع طريق الاحتفال وعاجله بضربة على صدره حتى كاد يغمى عليه فقرر أن يغادر إلى أمريكا للتدريس في جامعاتها، لكن الشوق أعاده بعد سنوات إلى أحضان الشام المسكون بحبها. وهاهو اليوم يغادرها من جديد ليقيم في دبي لأنه لم يستطع أن يحتمل ما يجري في شوارع المدن السورية.
إنه الفنان المخرج السينمائي المتميز نبيل المالح الذي يستحق أن يتصدر اسمه أكبر استوديو في المدينة السينمائية، يوم تبنى مدينة سينمائية لائقة في دمشق. وقبل أن أدعه مع قراء 'القدس العربي'، لا بد أن أشكره على تفضله بالحوار رغم انشغاله في رئاسة لجنة التحكيم في مهرجان أبو ظبي السينمائي.
*يقول الأستاذ نبيل المالح صعب أن أتغير لماذا؟
*'لأني لا أعد الذي عملته، لكني أعد الذي سأعمله. الحياة كل يوم تعطيني شكلا جديدا، بالنسبة لي ماشي بالزمن لقدام ومش ماشي بالزمن للوراء، فحياتي هي المقبلة، دائما عندي إحساس بشباب مستمر بكل الأشياء، من التفكير للعلاقات، للحياة والمشاريع وكل شيء بالنسبة لي هو بكرة'.
*هذا الإحساس الجميل بالعطاء والتفاؤل بالمستقبل والتزامك بالديمقراطية، مع أن أكثر الفنانين تحيط بهم أجواء من المنافسة وهي أحيانا غير محمودة، إلا نبيل المالح فإنه يظل محبوبا من الجميع ولم يدخل في أي منافسات، هل هذه المزايا من التربية والأهل والمحيطين به أم من منبع آخر؟
*'في سن مبكرة كنت أكتب في الصحافة وأكتب الشعر وأرسم وأحاول في مجال السينما، فأنا أشتغل، أتعب وأعرف أن غيري يشتغل أيضا ويتعب وأنا احترم الآخرين على تعبهم، أحترم الآخرين لما يشتغلون شيئا بغض النظر عن التقييم النهائي، إذا طلع شغلهم جيدا أو غير جيد، هذا شيء آخر، وهو يتوقف على موهبة الإنسان وعلى الظروف التي رافقته. لكن الآخرين بالنسبة لي هم مشجعون بأن أشتغل أكثر مما يكونون منافسين، والمنافسة تحرق النفس ذاتها لأن الإحساس بالضيق من الآخرين يحرق الإنسان نفسه، يجعله أصغر. وأنا لا أحب أن أكون صغيرا، لأني أعتقد أن مشاعر البغضاء والحسد تجعل الإنسان مجرد قزم، لما الواحد يفكر بأشياء كبيرة يكون بالأول هو كبيرا'.
*كيف تعلمت هذه الأشياء ومن مثلك الأعلى فيها؟
*'أنا تربيت ونشأت في عائلة مثقفة، أبي دكتور، والدتي كان لها الأثر الأكبر، ونحن عشنا في جو ديمقراطي في البيت، وبالتالي انعكس هذا حتى على حياتي مع بناتي من طفولتهن صرن صديقاتي، يندهن لي باسمي الأول، أمي كان لها أثر كبير، وهناك تعبير عندنا يقال 'عينه شبعانة'، رغم أننا عائلة متوسطة، أمي كانت مثقفة تجيد لغتين، قارئة نهمة، مستمعة نهمة، ذواقة نهمة حقيقية، بالتالي كان المناخ بالبيت مشجعا جدا، وكانت هي أول ناقد لي لما أنشر قصيدة شعر أو أرسم لوحة هي التي تقرر إن كانت تستحق النشر ام لا، كانت أول عين لي في فني هي أمي. شو يعني عينه شبعانة؟ يعني زاهد في الأشياء الخارجية، كل شيء ضمن حياتنا كان متوفرا، ما كنا أثرياء ولكن عندنا سلم أولويات، ما كان بسلم الأولويات أن يكون عندي بدلة جديدة، لكن كان عندي بسلم الأولويات فكرة جديدة، مشروع جديد. عيني شبعانة لأني سافرت كثيرا، أهلي سافروا وكنت معهم. وبعد ذلك، في سن مبكرة من عمري سافرت إلى أوروبا واعتمدت على نفسي، وباللحظة التي سافرت فيها قررت ألا أعتمد على الأهل ولا أعتمد على الدولة، صرت أشتغل وأدرس في بلد اشتراكي في براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا. وهذه أتاحت لي فرصة كبيرة من عمر 17 شفت كل أوروبا على دراجة نارية (موتورسيكل)، كنت أعيش من وراء لوحاتي، أرسمها وأبيعها بالطريق ودرت أوروبا أربعة شهور وأنا في سن مبكرة. وحياتي كانت عبارة عن انتقال دائم وسفر واكتشاف، كانت مغامرة الحياة وما زالت حتى اليوم مغامرة، بعد خمسين سنة على مرور القصة كل يوم يعطيني اكتشافا جديدا، وهذا يعطيني إحساسا دائما بأن أحلى الأشياء هي الآتية (اللي جاية مش اللي مرت)، وهذا يعطيني رغبة بالحياة ورغبة بالعمل، أنا بالنسبة لي أداة حياتي لا الفلوس ولا المنصب، أداة حياتي الحقيقية هي شغلي، وأنا أقع بغرام شغلي، طبعا ممكن الواحد أن يقع بغراميات، مغامرات غرامية بس هذه تنعش الروح وتحفزها أكثر، تحفز الخيال وتحفز حتى الوهم، وبالتالي سلم أولوياتي واضح جدا، سلم أولوياتي قديش ممكن شوف بهذه الدنيا، كم'أقدر أن تمتد عيوني وعقلي وقديش ممكن أنا ساوي إضافة. وهناك شيء علمتني إياه أمي، وهذا أعتبره أهم درس في الدنيا، وهو أن أكون مختلفا. أنا بحياتي ما كنت ضمن سرب، كنت دائما لوحدي. وهذا كلفني الكثير. فيه سنوات من عمري انقضت بنوع من الضغوط غير المعقولة لأني أنا خارج السرب، بس معتد بنفسي لأني خارج السرب، لأن سربي لوحدي، جناحاتي أنا عاملها ما حدا عمل لي إياها، ما حدا له فضل'في صنع أجنحتي غير أمي'.
*أهنئك على هذه الأم العظيمة، وكم كانت مسرورة بولدها. قلت إنك لم تتطلع لمنصب سياسي، هناك مبدعون وصلوا إلى أعلى المناصب، لكن بلحظة فقدوا تقدير المجتمع لهم، ما هو الفرق بين المبدع وعلاقته المتميزة بالمجتمع وبين أن يلغي هذا الإبداع ليركب موجة السلطة، ما الفرق بين سلطة السياسة وسلطة الإبداع والعطاء؟
*'الفرق هائل في النوعية الحقيقية للبشر، هو سلم الأولويات عند البشر، بعضهم يعتبرون أنهم باستلام منصب يصيرون مهمين، لكن خلينا نتذكر شيئا: لما يكون شاعر كبير هو الذي ينصب نفسه شاعرا، لكن لما يصير مسؤولا في مكان ما يكون أحد ما نصبه، وهذا الذي نصبه يمكن أن يشيله من مكانه. فعمليا المبدع ما حدا بيشيله من مكانه، لأنه هو مبدع وهو سيد نفسه وسيد تجربته ومصيره، بينما مجرد أن يصبح الإنسان معدا من قبل أحد أصبح أداة، وبالتالي تبدو الأمور واضحة لي. من زمن عرض علي استلام مناصب، لكن من هذا الذي يعمل على تعييني؟ إذا كنت لا أحترم هذا الذي يعينني، كيف سأحترم منصبي؟ في بعض الأحيان يغري المنصب أحدهم لأنه يصنع اختلافا أو يحسن في المجال الذي يعمل فيه، ولكن عندما يعرف أن التركيبة كلها هي مبنية على منطق غير سليم وعلى علاقات خاطئة وفي كثير من الأحيان فاسدة، فلا يمكن للفساد أن ينتج حالة أفضل، وبالتالي لم أورط نفسي في هذا الموضوع، ولم يحصل في يوم من الأيام ولا مرة واحدة، ان كان من هو أعلم مني بأي شيء، لم أكن موظفا عند أحد ولم أكن محتاجا لأحد. أنا احتاج الجميع، احتاج كل البشر، أحتاج حتى البواب والبقال، وأحتاج حتى الخادمة التي تعمل في مكتبي، وأحتاج كل الناس ولكن هذا بقرار مني. أشعر بأني مرتاح بهذه الحالة. التحدي الذي أمامي الآن أن أصنع فيلمي القادم، أن أقوم بمعرض لوحاتي القادم. وإذا كنت مفيدا بشيء ما سأقدم بعضا من معرفتي، وأنا أيضا أعطي دورات في سيناريو السينما، وفي كثير من الأحيان أجد بينهم موهوبين يحتاجون إلى قاعدة ثقافية وهم ليسوا قادرين عليها لأنها مكلفة فصادف أني أملك ذلك، كونت شركة صغيرة لكنها ذات قاعدة تقنية متميزة جدا، أنا أقدمها بدون مقابل لأي شاب من الشباب يريد أن يصنع فيلما، وأشجعهم على ذلك وأشعر بأن هذه مكافأتي، بأن هنالك سينمائيا مقبلا قد استفاد ولو قليلا مما قدمت له كأفكار ومشاريع ودعم وكمحبة'.
*يطلق على نبيل المالح شيخ المخرجين السوريين، من رواية 'الفهد لحيدر حيدر' الفيلم الشهير وما بعدها من أعمال تعتبره تركت بصمة في السينما السورية والعربية؟
*'هناك علاقة إشكالية كانت بيني وبين النظام، أي نظام مرق في سورية، لأن في يوم من الأيام حصل معي حادث ما وأنا في تشكيوسلوفاكيا، كنا في حكومة الجمهورية المتحدة ـ الإقليم الشمالي (سورية) طالبوا وقتها بإعادة 14 طالبا، 13 منهم كانوا موفدين من الحكومة وأنا الوحيد على حسابي، لكن أنا كنت ضمن أسماء الناس المعتبرين ضد النظام، طبعا رفضت تشكيوسلوفاكيا تسليمنا وتابعنا دراستنا. لكن صار لي بالأمن ملف أني معارضة! هذا الملف انكتب من خمسين سنة ولا يزال هو نفس الملف وبشكل دائم رغم تحول كل الأنظمة في سورية، أنا أعتبر معارضة، خلص ختموا أو وشموا على حياتي كلها! ولذلك كانت علاقتي فيهم وبشكل دائم ومستمر وبدون توقف علاقة متوترة مع المحيط الرسمي. وهذه العلاقة لم أقدر أن أجابهها إلا بشغل متميز، عندما صنعت أفلاما هي وضعت سورية - كما قالت إحدى الصحف الإيطالية: 'نبيل المالح وضع سورية على خريطة السينما العالمية'. وهكذا صارت مجابهتي أني أنا في الشغل وحدي ولا أحد يدعمني حقا، أنا لا أعرف لا مسؤولا ولا جهاز أمن ولا ثريا كبيرا، أنا إنسان طائر لوحدي. هذا سبب لي الكثير من المشاكل على مدى أربعين سنة، في علاقتي مع العمل مع الجهات الرسمية لم أكن أستطيع أن أجابههم، ومن حسن الحظ إلا بالعملية الإبداعية نفسها التي أثبتت أني أقوى منهم، لأن كثيرا من مديري مؤسسة السينما أو وزراء الثقافة وغيرهم جابهوني مجابهات حقيقة، لكنهم زالوا وراحوا لمزبلة التاريخ، إنما أنا بقيان وسأبقى، فهي تراكمات. فيلم 'الفهد' عمل مفتاحا مهما جدا، لكن قبله أول فيلم روائي عملته للمؤسسة 'أكليل الشوك' لفت الأنظار بأنه مختلف عن كل ما في السينما العربية، وقتها أطلق تعبير 'السينما العربية البديلة'، أو فيلم 'نبال' وهو دقيقة ونصف الدقيقة، صار يدرس في الجامعات وأخذ جوائز كبرى. الفهد أصبح أغنية شعبية عشقه الكل وظل 30 سنة موجودا في الصالات، ثم تراكمت الخبرة لحد ما وصلنا لفيلم 'السيد التقدمي' الذي منع، يعني حرقولي الفيلم، لأن الفيلم ينوه وقتها بالفساد، كان الفساد مستشريا وكان واضحا بطبيعة السلطة نفسها، وكان يمثلها في بعض الأحيان بتلاقي شيء مركز، كالرائحة العفنة مركزة بعكس العطر المركز. شخصية مثل رفعت الأسد، اعتبر وقتها من خلال الفيلم أني أعرض بهذا النوع من الشخصية لذلك منع الفيلم، يعني عمليا فقد قيمته لأن الشطارة ليس أن تعملي فيلما عن القمع بعد أن يخلص القمع، لا! الشطارة هو أن الواحد وقتها يقدر يقول كلمته بشجاعة وبشرف. لذلك منعت، ثم عملت مجموعة من الأفلام القصيرة كانت حدثا جديدا في السينما العربية كلها على الإطلاق: عندك 'الصخر'، 'الدائرة'، 'النافذة'، كلها جديدة غير مطروقة، صار الناس يعملون مثلها، لكن هي كانت رقم واحد، لحد ما عملنا 'بقايا صور'، هذا الفيلم على حسب تعبير أمير العمري الناقد المصري المعروف، يقول: إن هذا أهم فيلم في تاريخ السينما العربية، فاقتطعوا لي منه مشاهد تزلفا لرجال الدين السلفيين، لأن فيه مشهدا يوضح العلاقة بين السلطة نفسها وتحالفهم معها، كنت أشوف أن هذه الأمور مقبلة. وفي أحد الأيام كنت طالعا من بيتي، كانت وقتها التفجيرات في سورية، جاءتني دعوة من أمريكا كأستاذ زائر لأدرس في جامعة تكساس قررت ألا أروح، وقتها كان عيد ميلادي في 28 أيلول/سبتمبر وقبل كم يوم كان هناك تفجير في المزرعة، أنا نازل'بسيارتي وقفتني الشرطة على حاجز عند وزارة الخارجية فوق دوار المالكي، وقفت لكن يبدو أني وقفت مترا متأخرا جاء جندي بشكل غاضب جدا ورفع بندقيته وكان متوترا لأني ما وقفت في الوقت المناسب، وفجأة وبدون سابق إنذار رفع بندقيته ضربني بأخمص بندقية على صدري ورأسي، كدت ان افقد الوعي والدم بدأ ينزل من رأسي، وكان يوم عيد ميلادي. بعد ذلك جاء ضابط قال شو المشكلة؟ عرف أن نبيل المالح ضرب،'بعدها وأنا نازل والدم يسيل والنظارة مكسورة قررت أنه آخر يوم لي في سورية وأن أترك سورية. رحت ثاني يوم إلى السفارة الأمريكية، أخذت موافقة على الدعوة، بعد شهرين سافرت إلى أمريكا. صرت أدرس في جامعة تكساس، ثم انتقلت بالتدريس لجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس، لكني لم احب الحياة هناك، ولم أقرر أن أبقى أستاذا، او ان أكون بهوليوود المخرج رقم عشرة آلاف، فرجعت إلى أوروبا مقررا أن أرجع أخيرا إلى سورية، مرت مجموعة من الظروف حتى استقررت في اليونان لمدة 11 سنة. كتبت هناك 'الكومبارس'، هذا العمل كنت أشعر بأنه لا يمكن عرضه في سورية لأنه فيلم جريء أكثر مما يجب، وحتى الآن هو جريء. ذهبت إلى مصر وكدت أدخل بالعمل مع شركة مصرية بطولة نور الشريف ويسرا. لكن نزلت إلى دمشق، قال لي مدير مؤسسة السينما مروان حداد: المفروض تعمل لسورية فيلما، قلت له يمكن أن تنتجوا هذا'الفيلم، قرأ السيناريو قال: إي، طبعا. تفاجأت وقتها هذه تحتاج جرأة كبيرة، لكن مدير مؤسسة السينما يوافق على 'الكومبارس'. المهم حققنا الكومبارس وكان النجاح الخارق له، بل كان منعطفا بالفيلم السياسي العربي، بالفيلم الذي يفضح الحالة كلها. وبعدها قررت العودة إلى سورية، وتعذبنا بما فيه الكفاية ومشي الحال'.
*بعد هذه الجولة مع شيء بسيط من مسيرة الأستاذ نبيل المالح المقيم في دبي الآن وبعد الثورة في سورية، ما هي مشاريعك الجديدة في دبي؟
*'أحاول أن ألملم حياتي، لأن الحالة مختلفة تماما بالنسبة لي، أنا مثل السمكة التي لا تستطيع أن تعيش إلا بمياه دمشق ومناخ سورية، أحاول أن ألملم حياتي لأني أعرف أن الأمور معقدة كثيرا في سورية، وأنا معروف أني من مؤسسي لجان إحياء المجتمع المدني في 2000 بداية الحراك لما يسمى 'ربيع دمشق'، بادئا من بيتي ولا أزال أنا بالمنطقة الحمراء بالنسبة للسلطة التي تعاقب معارضيها بطرق مختلفة، إما بالسجن أو بالمنع أو بالإقصاء، أحاول أن ألملم أموري. من حسن الحظ أن وجود بناتي هنا يساعدني، لذلك توفرت عدة أمور بالصدفة الآن، قبل أيام كانت هناك مجموعة غاليريات في دبي وجرى عرض 7 أفلام من أعمالي، كذلك قررت في الربيع القادم إقامة معرض لوحات في دبي، ويمكن أن أبدأ بدورة سينمائية لطلاب أجانب وعرب في دبي، وعندي الآن ثلاثة مشاريع، اثنان منها أفلام روائية طويلة وهناك بحث حول إنتاجها في أوروبا، واحد منهما يجري تسويقه لأمريكا، وعندي فيلم فيديو كليب وهو أهم حدث سينمائي بالنسبة لي الآن، أحاول أن أحصل على تمويل له، وعندي فيلم قصير اسمه ثلاثية 'ترينيتي'، لكن يبدو لي أنه لا في العالم العربي ولا غيره أن ينتجه لأنه جريء أكثر مما يجب وكشاف أكثر مما يجب مع أنه جديد أكثر مما يجب، أعتقد أنه لن'توافق عليه أي جهة عربية قولا واحدا، لكن أنا متفائل بأن مشاريعي ساخنة وشاغل نفسي من الصباح إلى المساء وأبادر أيضا لكتابة سيناريو جديد (الحياة حلوة)'.
*باعتبارك مخرجا لو طلب منك ومع غياب الرقابة ولا أي تحفظات كيف يخرج نبيل المالح فيلما عن الثورات العربية بشكل عام والثورة السورية بشكل خاص؟ كيف يرى السيناريو القادم لدمشق؟
*'سأكون صريحا جدا، وطالما أن هذا الكلام لصحيفة 'القدس العربي' فأنا أقدر أن اروح لمنطقة بعيدة بتصوراتي، أنا من المعارضة السورية وأفخر بذلك وأفخر بكل واحد طلع على الشارع وكل الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا ليقولوا: لا، ثمنا لشيء طلبوه من الأول وهو الحرية والكرامة. أنا أفخر بكل واحد يقف موقفا الآن، لكن التطورات العامة والسريعة التي تصير مثلا في تونس بفترة قصيرة فهم النظام أن وقته انتهى وانتهت صلاحيته، وصل لحالة من العفن بأنه كاد يسقط لوحده، نفس الشيء في 18 يوم تحققت الثورة المصرية، كذلك الثورة في ليبيا، وأنا عندي ما صار أي ثورة لأن البشر في حاجة إلى التغيير، بحاجة إلى استعادة الكرامة لأن الأنظمة صادرتها من زمن طويل. الذي أراه، وبكثير من الصراحة، أن كل بلد من البلدان النظام مثل أم شاخت وحامل بثورة يجب أن تسلم نفسها إلى قدرها إلى الموت، لكن أنا خائف من المولود، المولود أخشى عليه أن يخرج مشوها، أن يخرج وهو يحمل كل تناقضات النظام الذي تسبب في نشأة ذلك الجنين الذي هو الثورة. الثورة الآن في داخلها قد تكون هنالك قوى قد تذهب إلى مناطق لا نريدها، وأخشى على الثورات من انحرافها عن نبل المشروع وعظمة المشروع، وانحرافها عن الإمساك بالزمن والعصر. الثورات التي صارت في بلادنا العربية جعلتنا نرى أننا كنا أكثر من 40 سنة متخلفين، رجعنا إلى الوراء إنسانيا، اجتماعيا، اقتصاديا، قيميا، على مختلف المستويات. العالم كله يمشي بخطوات متسارعة وقوية في كل الأشياء، وبقينا نحن في الكومبارس. في هذا العالم الناس يتلاعبون بنا والقوى العظمى تتلاعب بنا، نحن نلعب لعبة التاريخ بشكل سفيه بكثير من الأحيان، ولذلك كل ما أخشاه على الثورات أن تنحرف عن مسارها وتعود بنا إلى الوراء، أن تكون أكثر دموية، قد تكون أكثر عنفا، قد تكون أكثر أصولية من الأنظمة القائمة، وأرجو ألا يحدث ذلك. بما يتعلق بسورية، أنا أكتب نصا عما يحدث فيها لكن بداخلي توجسا من كيفية تشكيل المعارضة بشكل متماسك بناء على مجموعة من المعطيات، أولا: إسقاط النظام ليس هو نظام وزير وزارة ورئيس وإنما منظومة تفكير فيها إدارة أشياء، منظومة علاقات بين سلطة وإدارة شعب، طبعا لا للعنف، لا للدم، أهم شيء وحدة المعارضة، وأن تكون أعلى وتنظر كيف سيحاكمها التاريخ بعد خمس أو عشر سنوات. هذا ما أخشاه، كذلك أخشى أن تكون هناك قوى أخرى، قد تكون ظلامية، قد تكون مندسة داخل جسد المعارضة وتستفيد من دم هؤلاء الشهداء بركوب الموجة والصعود، وقد نعود مرة أخرى إلى إعادة كتابة التاريخ من أوله من جديد'.
*أنت ابن مدينة دمشق ولا يمكن أن أوجه هذا السؤال إلا لك لتجيب عليه بصراحة ومعرفة كاملة، السؤال: دائما التاريخ يقول إن الثورات تصنعها العواصم لأنها تضم المجتمع الأكبر، برأيك لماذا دمشق وحلب لم تتحرك الثورة منهما؟
*'أولا الجانب الاقتصادي، عندك التجار عندهم حلف مع السلطة. وإذا ما شعروا بأنهم مهددون لن يتحركوا، التجار والصناعيون هم يؤثرون على من يعمل لديهم. أعتقد الآن وضعهم أصبح في خطر هذا من جانب. الجانب الثاني ما يصنع الثورات هو عمليا العقل المدبر، وهي الطبقة الوسطى، هذه الطبقة في دمشق أصبحت إما ضمن فئة الفاسدين والتي صعدت أو التي انحدرت إلى مستوى الفقر.'النقطة الثالثة والأهم، هنالك تركيز أمني هائل وشديد في داخل دمشق، وهي محاصرة، محاطة بقوات عسكرية شرسة وقوية ومستعدة لكل شيء، والدمشقيون يعرفون ذلك، وكما يقال هم لا يتحركون إلا على أرض ثابتة، وفيهم ناس مسالمون ولا بد أن تسخن الأمور ولم يعد للتحمل أكثر'.
*أين تضع موقع إسرائيل من كل ما يحدث في المنطقة؟ وما يحمل لها المولود الثوري الجديد الذي تحدثت عنه؟
*'إسرائيل هي لاعب أساسي في أحداث الشرق الأوسط، ولها فائدة في استمرار الأنظمة كما هي، تريد مجتمعا ودولا متخلفة حولها لتبقى هي المركز الرئيسي الصناعي والتقني والاجتماعي والديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، وهكذا يراها الأوربيون ويراها الغرب كله ويتعامل معها على هذا الأساس، استمرار الأنظمة المتخلفة في الشرق الأوسط هو أكبر خادم لإسرائيل. أعتقد في الثورات القادمة موضوع إسرائيل محسوم، إسرائيل جسم غريب، وهذا الجسم'الغريب أمامه أحد أمرين: إما الاعتراف بوجوده والتعامل معه على ذلك الأساس وإنهاء هذا الصراع بشكل ما، أو صنع شيء أهم. وأنا بقناعتي أهم حرب يمكن أن يقوم بها العرب أن يكونوا أكثر تطورا، اقتصادهم أقوى، اجتماعيا أقوى. إسرائيل قوية بمؤسساتها الديمقراطية والعلمية، نحن لا نستطيع أن نحارب إسرائيل إلا بأن نكون أفضل ونقزمها، أن نقزم إسرائيل. الآن إسرائيل ترى حولها أوضاعا متخلفة وبائسة، وهذا'هو الشيء الأفضل من الوضع العربي المحيط بها. ولا بد من التغيير، وبالتالي يجب أن نميز دائما بين الوسيلة والهدف، يجب أن نعرف ما هي أهدافنا'.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات