بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
السلطة السورية وفوبيا الأقليات
  24/11/2011

السلطة السورية وفوبيا الأقليات
ياسين عبد اللطيف

يمكن للباحث والمهتمّ أن يحصي الجماعات الإثنية: القومية والدينية واللغوية، التي امتهدت أرض سوريا ونشأت فيها وتنوعت تلاوينها بعد الفتح العربي لبلاد الشام؛ وما تلاه من تعاقب الحقب المختلفة التي شهدت هجرات كبيرة وكثيرة إلى سوريا لخصبها ونمائها ووفرة ظلها ومائها وسماحة أهلها، فتركت تراثا وفيرا من الثقافات والعادات والنظم ومظاهر الحياة التي ميزت الشام عن سواها من ديار العرب والمسلمين!
وهذا التنوع منظور ومحمود، وهو نعمة ورحمة للسوريين في السلم، ونقمة بلائية عند افتعال المحن والأهوال.
يطيب للمستشرقين -بخبث تارة وبحسن النية تارة أخرى- تشبيه التنوع البشري الثقافي بلوحة الفسيفساء لتعدد عناصرها وأحجارها وألوانها المميزة، وينسون الوحدة المادية وصمودها في وجه الزمن وغبار أيامه الماضية
إذ يطيب للمستشرقين -بخبث تارة، وبحسن النية تارة أخرى- تشبيه هذا التنوع البشري الثقافي بلوحة الفسيفساء، لتعدد عناصرها وأحجارها وألوانها المميزة، وينسون الوحدة المادية، وصمودها في وجه الزمن، وغبار أيامه الماضية!
والسؤال الواجب: هل هذه النظرة إلى المشهد السوري، حقيقية على الأرض وفي النفوس؟ الجواب عندي: بأن هذه النظرة مضلِلة؛ لأن أغلب السكان هم من السوريين؛ مسلمين ومسيحيين! وهذه الأغلبية من القُطَّان مؤلفة من: العرب والكرد -مسلمين ومسيحيين- وإثنيات أخرى، جاء بعضها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على شكل أسر نازحة من البوسنة والقوقاز والبلاد الروسية.
وبعض الأفواج الجديدة نزحت في الربع الأول من القرن العشرين، وحلت في الديار السورية بسبب الاضطهاد الديني والعرقي في أوطانهم الأصلية؛ كالشركس (المتأخرين) والأرمن. وآخر هذه الموجات الكبيرة نزوح ثلث الآشوريين والكلدان، من سهول نينوى في العراق إلى شمال غرب سوريا، بعد مجزرة سميل في 17 أغسطس/آب 1933.
وقد سكنوا في قرى كثيرة ومشهورة على ضفاف نهر الخابور، في الجزيرة العليا شمال شرق سوريا. أما التركمان فأمرهم مختلف وقديم في سوريا؛ إذ جاؤوا إليها مع الزنكيين، ثم مع العثمانيين، وتماهوا مع السكان الأصليين دون أن تكون لهم ذاتية خاصة!

لماذا تعتبر النظرة إلى سوريا -من هذه الزاوية الضيقة- مضلِلة؟

1- لأن النظر إلى تاريخ سوريا الحديث لا يتحدد بمعايير إثنية وعرقية على الإطلاق، بعد سقوط مشروع التقسيم الفرنسي الهش؛ رغم الأماني الدفينة عند بعض الأقليات التي سترغب بإقليم مستقل مستقبلاً، على غرار نموذج لبنان الكبير أعوام 1920-1926؛ إذا خسرت فرصتها في الإطباق على كامل سوريا؛ كما هو حاصل اليوم.
2- لأن الأقليات الإثنية: العرقية والدينية، لا تقطن في مَحاجِر؛ حتى في أكثر المناطق وجوداً لهذه أو تلك، في الجنوب والغرب والشمال ووسط بلاد الشام، إذ لا توجد في سوريا معازل بل توجد تجمعات في قرى ومدن صغيرة ومتوسطة؛ متجاورة ومتداخلة ومتعايشة مع مجموع السكان، وتجمعهم وحدة مادية في الرقعة الواحدة، ووحدة أدبية في وطن واحد ونهائي.
3- الأقليات العرقية والدينية في سوريا ليست فرعية ولا طارئة. وليس لها ملامح تميّزها عن محيطها الاجتماعي، ولم تعانِ من تسلط مجتمع الأكثرية -إن جاز التعبير- لأن هذا الوجود شفوي؛ ليس له قيمة فاعلة على الأرض، إلا إذا أردنا أن نخاف من هذه المغالطة الشعورية ونتعازل -كما يقال في لهجة أهل الشمال السوري- إذ حين يحْرد الأخ من أخيه، يقول له: أريد أن أعزل، ونتقاسم المال والحلال.
هذا النكل يصح في المعاملات التي تقوم على المشاحة، أما الشراكة في الوطن الواحد فتقوم على السلام والمسامحة، وهذا متحقق على الأرض. ولم يتفرق المجتمع السوري إلى أحزاب وجماعات للدنيا والدين، تقاتل بعضها البعض باللسان أو بالسيف!
وقد لعب الوطنيون السوريون، من الأقليات القومية والدينية؛ دوراً مهماً في تاريخ سوريا الحديث. وإذا استعرضنا صفحاته سنجد قائمة طويلة لمن حكم سوريا الحديثة من غير العرب "السنة". والعذر مأمول لإيراد هذه الإشارة الحميدة التي ما أردت منها إلا الوصول إلى دحض خرافة الخوف من العرب السنة؛ الذين لم يحكموا منذ الاستقلال عام 1946، وصفقوا بقلوبهم، وهتفوا بحناجرهم "لبعض" من حكم سوريا من إخوانهم من الأطياف الأخرى في المرحلة الوطنية المنصرمة، التي احتلت مساحة حميمة في ذاكرة السوريين، ويعيشونها الآن كنوع من النوستالجيا الوجدية، ويسعون لإعادة إنتاجها من جديد -سواسية- وتحت ظلِّ العلم السوري.
يجب النظر إلى مسألة الأقليات السورية بأنَّ الكلَ -بأجزائه وجُلّه- محروم من ممارسة أبسط حقوقه، في ظلِّ سلطة مطلقة لا هوية لها، رأت وترى المجتمع السوري مجتمع سخرة، عليه واجب العمل وليس له الحق في أن يأكل من ثماره طوال أربعة عقود
4- الأقليات الدينية والعرقية فاعلة في النسيج السوري، حققت وتحقق توازناً مجتمعياً في سوريا، فلا هي: (القاديانية، ولا المورمن، ولا جماعات الوالان، ولا اللاب). ويجب النظر إلى المسألة السورية بأنَّ الكلَ -بأجزائه وجُلّه- محروم من ممارسة أبسط حقوقه المدنية والسياسية والثقافية، في ظلِّ سلطة مطلقة لا هوية لها، رأت -وترى- المجتمع السوري مجتمع سخرة، عليه واجب العمل وليس له الحق في أن يأكل من ثماره طوال أربعة عقود!
5- لم تكن سوريا -في يوم من الأيام- مثالاً للمصاعب التي عانت منها دول وشعوب كثيرة حتى تنال شيئا من الاستقرار الاجتماعي. ولم تكن مقسومة أفقياً أو عموديا، بعقائد دينية واجتماعية متباينة، فجلهم من أهل الكتاب، يتشاركون في بقعة شهدت ميلاد الأديان السماوية الثلاث التي تجاورت -وتحاورت- في الماضي والحاضر بوئام. لا تنافس ولا تناحر بين الإثنيات على مستوى الرقعة الواحدة.
وفي العمق ما خلا أحداث 1860م التي حمل وزرها والي صيدا العثماني خورشيد باشا، ووالي دمشق أحمد باشا، وأغوات اليرلية التي تقود قوات غير نظامية من السكان المحليين برواتب عثمانية نظامية، وبعض أعيان الشام وعلمائها.
وبات من المسلّم به أن الحكومات الأجنبية هي التي أورت نار الأحداث المؤسفة في سوريا وجبل لبنان عام 1860م بيدها، ولمصالحها الاقتصادية والسياسية والمذهبية، متمثلة بالسلطان العثماني عبد المجيد، وقناصل حكومتي فرنسا وبريطانيا، الذين جعلوا من الأطراف المحلية -المسيحية والمسلمة بلونيها اللذين انغمسا في الأحداث- حطباً لنارها الموقدة.
6- إن تاريخ سوريا الحديث يمتد على أقل من اثني عشر عاماً منذ الاستقلال في 16 أبريل/نيسان 1946، وحتى قيام الوحدة السورية المصرية في 22 فبراير/شباط 1958، وفي هذه الحقبة القصيرة من عمر الدول شهدت سوريا مرحلة من النضج والمدنية، سميتها: الوحدة المادية والأدبية.
ولم يجد السوريون الوقت الكافي ليختلفوا في مرحلة الاستقلال وعليه، رغم الاضطرابات والانقلابات العسكرية العديدة التي جرت، دون منازعات اجتماعية، أو حروب أهلية!
ولا يخفَى على البصير أن الانقلابات العسكرية المتعاقبة في سوريا في زمن قصير، تدعو للضحك قبل التأمل فيها، وقد أسست لظهور الدكتاتور الذي استُقبلَ كمنقذ للعباد والبلاد، قد لا تصدق تماماً على رجل الوحدة، لكنها تصدق على رجل البعث في مرحلته الثالثة، وفيه قايض السوريون الحياة الهادئة التي يرجون، بحريتهم التي ضاعت، وضاعت معها الدولة.
عرفت سوريا بعد الوحدة، خمس مراحل سياسية مضنية، وخمس حكومات في حوالي نصف قرن. وقد بلغت آخر حكوماتها من الانقسام والفرقة ما لن تبقى معه إلا بالمعجزات المجددة!
وإن تحريت الدقة في التحليل التاريخي، أجزم بأن سوريا لم تشهد سوى حزب سياسي واحد هو الحكومة، وإن اختلفت الأسماء. رغم وجود مظاهر حزبية أخرى لا تأثير لها في الحياة السياسية. وهذه الحكومة مستبدة، قوامها الجيش وأجهزة المخابرات، وما عداها نافلة! أطبقت على الناس والحجارة، وكممت مهب الأنفاس، وصارت السجون للناس على الشبهة والظنون، فأوى الناس إلى بيوتهم وأوصدوا الأبواب أمنة من الاعتقال أو الموت؛ وناموا نومة أهل الكهف "فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا" سورة الكهف الآية (11).
وفي ظل موت الحراك الشعبي وانعدام الحياة السياسية والحزبية وغياب الدولة، تغولت السلطة القائمة على العسف والظلم الشديد، والتي تمسك بالجيش الذي يقوده متعصبون لسياسات السلطة. فراح الجيش -الذي خسر معركته الكبرى على جبهات القتال، وأدار ظهره للعدو المحتل- يشّنُ الحروب على الأهلين في كل المراحل المتعاقبة (السويداء 1954، حماة 1964، حماة 1982، عموم سوريا عام 2011).
أين هذه الأقليات وهذه الإثنيات التي ترغب في الانقسام على الذات لتحطيمها وتهديد وحدة البلاد؛ إذا عبَرَ الشعب إلى الدولة بفعل التغيير السلمي؟! إذ لم يرَها العالم الذي يراقب محنتها وأوصابها إلا وهي تقتل طوال عقود، على يد من يدعي وصلاً بها، ولم نرَها تثور أو تحور!
الجيش الذي خسر معركته الكبرى على جبهات القتال وأدار ظهره للعدو المحتل، يشّنُ الحروب على الأهلين في كل المراحل المتعاقبة (السويداء 1954، حماة 1964، حماة 1982، عموم سوريا عام 2011)

جيش الحكومة العقائدي هو من قتلَ ويقتل شعب الدولة الأعزل الآمن، طوال السنوات (1964-2011) والناس صابرون يحتسبون من شدَّة البلاء، يقابلون الهول وغائلة الموت الذي يجري مجرى الدم واللحم، في حومة تلاحق الفواجع، وافتتان المنايا في اختطاف النفوس دون حساب.
الفتنة والفوضى ستعمّان المشهد إذا نجح الحراك الشعبي، وعبر إلى دولة المواطنة، وسيبدد هدأة الآمنين. هذا ما ترجوه السلطة ويراه بعض معارضي الداخل.
متى كانوا آمنين طوال هذه العقود الأربعة المنصرمة، وعلى ماذا يختلفون إذا استعادوا كرامتهم ودولتهم المدنية المختطفة؟!
الفتنة وهمُ العاجزين وحيلة الخاسرين، لا توجد إلا في خيال حكومة الفرد، التي سوأت ولم تسوِّ، وفي خيال بعض النخب المعارضة التي افتتنت بالسلطة التي لاعبتهم باللين حيناً، لكن خيطها ظلَّ مربوطاً إلى يد السلطة، ترخيه وتشدّه بمقدار! وهي تريد اعتلاءَ المشهد لتقويضه من الداخل بدعوى الخوف والتباكي على السلم الأهلي، وهذا لعمري تبريدٌ على السلطة الظالمة، وردّ للجميل من الربيب إلى مربّيه، الذي تربَّى في حجره حيناً من الدهر.
لا خوف إلا ممن زرع الخوف، وعزف على أوتار العصبية، لأن أهل الشام حملة ميراث الأمة الوفير، من الدين والعلم والأدب ووحدة الخلق. تراث عريق هضموه وتمثلوه، وحوّلوه إلى جنسية واحدة، وعقلية واحدة. ولم تنطبع أهواؤهم يوماً على الفرقة، ولا نفوسهم على التنافر والتناحر، كما هي حال العراق في ظل الاحتلال، واليدُ فيه للفرس، تعبث من جديد.

المصدر: الجزيرة




 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات