بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
ماذا فعلتم بالسوريين؟!
  28/11/2011

ماذا فعلتم بالسوريين؟!

هالا محمد *

ماذا فعلتم بالبلد لكي يصل الخوف واليأس إلى هذه الدرجات؟
ماذا فعلتم لكي يَعتبر السوري، عبر سنواتٍ مديدةٍ، أن أبسط تعبير عن الاختلاف في الرأي جرأة، وغضّ طرفكم عن هذا التعبير دليل على الديموقراطية.
تمّ لجم دينامية المجتمع بثقافة الخوف، برقابات تُفرِّغه من طاقة التشابك بين ثقافاته المتنوعة، المؤهّلة لنبذ العنف تلقائياً بحكم طبيعة نسيج المجتمع السوري المنفتح.
تمّ العمل على تفريغ الثقـافـة من دينـامية دورها واعتبارها من ملحقات وزارة ومديريات رسمية، تُنجزُ أعمالاً يِؤدّي تراكمها إلى الوهم باستقرار الإنتاج. وهمُ الإنجاز هذا قامَ بدور التنفيس الاجتماعي وتضليل الحاجة إلى التغيير وتعطيل السعي إليها. دخل القطاع الخاصّ متأخراً، وعلى رغم أهمية هذا الاستثمار الوطني كشريك للقطاع العامّ، فإن عين الرقيب كانت الشريك الثاني.
كانت المبادرات التي صاغت ثقافة الاختلاف في سورية، مؤشرات لطريق العبور. من تجديد نزار قباني ومحمد الماغوط إلى مسرح سعد الله ونوس المختلف وفكر أنطون المقدسي الرافعة الفلسفية لهذه الحركة، إلى السينما السورية الروائية والتسجيلية التي تحسب لها الجرأة والريادة الفنية، والدراما التلفزيونية التي تُحسب لها محاكاة الواقع السوري اليومي والماضي القريب بعين نقدية تنويرية فنّية وجماهيرية. إلى الشعر الجديد والنثر والرواية والمقالة والترجمة، وكلّ ما يحوم حول هذه الفكرة من خلايا النحلِ والعسل في حركة الفنّ التشكيلي والموسيقى والمسرح وشخصيات ثقافية اعتبارية، إضافة إلى طاقة الشباب التي كانت تجهد لتجد موقعها الفاعل في المجتمع وتحويل منطقة الهامش التي كانت تتكدس فيها جيلاً بعد جيل إلى ورشة عمل وأمل. كلّ هذا تمّ تأطيرهُ لتلميع صورة الاستقرار، لكن انعكاس الأمل في الصورة كان لمصلحة الأمل.
لم تستطع المعارضة «الديموقراطية» الصمود سوى في السجون، في وجه الفكر «القومي» المسيطر، ولم تمكنها كلّ تضحياتها من الالتقاء بماهيّة الشعب والشارع.
خشية الفكر «القومي» المسيطر، من البديل «الديموقراطي»، كانت تدفعه للتخلصّ من أي تمرّد معارض. وهذا ما أكده اعتقال وجوه المعارضة من كلّ أطيافها على مدى عقود من الزمن. وهذا ما يؤكده الآن الخوف من امتداد الانتفاضة الشعبية السلمية، التي التقت معها المعارضات التقليدية بإخلاص، والتي تمسّ في مطالبها جوهر حاجات المجتمع، أي أنها تطرح نموذج البديل النبيل.
المعارضة المسلحة الإسلامية أدّت «ذات مرَّة» إلى تقهقر المشروع النهضوي الديموقراطي. وعزّزت نهج عنف النظام ضدّ مؤامرة خارجية وعصابات مسلحة. وضعَ النظام والمسلحون المجتمع بين فكيّ إيديولوجيتين، الديموقراطية ليست ثالثهما، فكلاهما استدعى استبداد الآخر.
استقى النظام هذه الحجة الفاعلة بسبب تخوّف السوري بطبيعته من التشدّد الطائفي. وها هو الآن يستعيرها من الماضي ويطبقها على الحاضر، لعلّ عناصر إنعاش هذا المناخ تطفو على السطح فيكسب الرهان.
وها هو يتهم كلّ متظاهر بالسلفية والعصابات المسلحة. ليأتي تصريح العرعور مؤخراً بقطع ألسنة من يختلف معه هدية للانتفاضة قبل النظام بفضح افتراقه مع خطّ السلمية والديموقراطية الذي ركبه طويلاً، حتى ظنّ أن وقت القطاف قد حان، لكن الماضي في سورية لن يعيد ذاته لا مع هذا التشدّد ولا مع ذاك التشدّد.
حدّد الشارع هوية انتفاضته النهضوية التنويرية، التي تنبذ الطائفية وتسعى إلى دولة ديموقراطية مدنية تتحقق فيها المواطنة المتساوية أمام عدالة القانون. طالب الشارع بأن يكون شريكاً في تقرير مصيره وبناء وجهة مستقبله السوري متعدّد الإثنيات والأديان. تحول السوري المتظاهر والمعارض والناشط وأهله وقُرَاهُ وَمُدُنُهُ إلى لاجئ ومتسوّل للحرية ولحقوقه والحياة.
وتعمّق صمت الصامت، وصمت الموالي السلمي، وصمت المعارض الصامت. وتحول نَفَرٌ من أهل سورية إلى قطيع اعتاد الدّم ضدّ أخوته في المواطنة من المعارضين، بغرض نيل الرضا والمباركة والأمان الشخصي العبودي.
هل يُبنى البلد بنفوس مكسورة مشوّهة وبالفرقة والولاءات العقائدية؟!
لماذا سيقبل هذا الشعب بالمتشددين الدينيين بحسب مزاعمكم! لماذا بدأ هؤلاء المتشددون بالظهور بعد أشهر من التنكيل والقمع والظلم! ولماذا تستخدمونهم دائماً ذريعة لتبرير عنفكم وبقائكم!.
لقد نبذ معظم السوريين الأحزاب الأصولية المتشددة وعنفها المسلح على أمل دولة القانون المدنية.
لماذا تصرّون على أن ينضح الإناء بالعلقم وليس بالعسل؟!
لقد عارض الكثيرون منكم حتى من هم في داخل النظام سياسات النظام، وما نغمة الإصلاح المستمرّة سوى التأكيد على ذلك، وكان السوريون يودّون لو أتت كلّ هذه «الإرهاصات» بالتغيير المنتظر شكلاً ومضموناً، لكي يحمي الفسيفساء السوري الجميل من هزّة قد تُصدّعه.
ماذا فعلتم لتكونوا سادة الكلام المُفْرَغِ من الفعل حين يتعلق الأمر بِمُشاركة الآخر الفعلية في بناء سورية المستقبل؟.
ماذا فعلتم ليصبح الجولان المحتل أبعد بقاع الأرض عن سورية؟ في حين أنكم، لا تعلمون ربما، أو أن الكثير منكم في السرّ يفعلُ: كلّ صباحٍ تلتقي سورية بجولانها وجولانها بها، يتبادلان الكرامة والأمل.
الاستمرار في الماضي غير ممكن، المستقبل العادل وحده هو من يحمي الحاضر من ماضيه العنيف.
الطبيعي أن تنتقل سورية إلى دولة مدنية تعددية ديموقراطية الدين فيها لله والوطن للجميع.
عقل السوري جاهز لذلك ومصلحته أيضاً وطبيعته الإنسانية والضرورة الاقتصادية والإنسانية والحاجة. لا ظالم ولا مظلوم أمام قانون سورية العادل. لا انتقام ولا تفرقة.
آن الأوان لإنقاذ سورية فهيَ الأبقى، هي الأهمّ، هي أولادنا وأولادكم وما عمَّرنا فوقها وتحت ترابها المقدّس. قوموا بفعل حبّ لسورية.
لن تدوم لكم كما لم تدم لأحد.

شُقَّتْ حناجر الناس وهي تصرخ، ودمها ميزان هتافاتها: واحد واحد واحد.
وإذا كنا نظنّ أنّ البعض بات يمتطي الانتفاضة ليصل مدفوعاً من الخارج، فهذا ممكن في كلّ مكان وأنتم من يجب محاسبته على وجود مثل هذا الاحتمال. العصابات تهدف إلى زعزعة استقرار سورية وأنتم بحجّة القضاء عليها تحققون الغاية ذاتها. الثقة بدولة ديموقراطية مدنية تجمع الشعب حول برنامج تغيير لمصلحة سورية هي التي ستحمي سورية واستقلالها وستحجّم المؤامرات. وليس ترك سورية نهباً للقمع والتفتت والعنف للقضاء على أشباحٍ مسلحة، لا بدّ أنها ستصير حقيقة، أو أن حقيقتها الواهية ستجد أرضاً خصبة لتكاثرها في تربة هذا العنف والظلم.
لا أعرف لماذا لا يكون من حقّ السوريين الحلم بتداول السلطة ومنحهم شرف خدمة الشعب من أجل تطوير مستوى العيش والحياة والبلد والعلم والطبّ والسياسة والثقافة.
طَرَحَ النظام فكرة الإصلاح والتغيير، لكنه اعتبر أن مجرد الطرح هو التَطَهُرُ بِعَيْنِه، واعتبرَ الآخر غير مُؤتَمَنٍ وناكر للجميل.
تبنّى الشارعُ الإصلاح الموعود، ولم يأتِ الإصلاح، فَأتى الشارع إلى الشارِع بعد طول صبر وحاجة وانتظار. انتفضَ وتبنّى التغيير الجذري لنظامٍ لا يفي بوعودهِ ولا يمثّلُ آمال مجتمع يمور ويتفجّرُ طاقةً وحيويّةً تريد أن تعبّر عن ذاتها وتشارك في صنع المستقبل فيشبهها هذا المستقبل.
انتفض الشارعُ السوريُّ منادياً: سلميّة سلميّة ودفع أمانه وحياتهُ ثمنَ سلميته.
الإمعان في إذلال المواطن وتحريك مَوَاجِعِهِ ومَوَاطِن ضعفه وفقره وحاجته إلى الأمان، لن يقود سورية إلى برّ الأمان الذي ينتظره السوريون بفارغ الصبر.
وبما أن العصابات المسلحة لا تنتهي، والدليل الاستمرار في اجتياح المدن، فصناديق الاقتراع في انتخابات ديموقراطية نزيهة هي حلم السوري للخروج من هذا النفق.
لماذا أقول كلّ هذا؟
لأن كثرةً مِنّا نحن الناس لا تَجْرؤ على قول ما تؤمن به. بل تهمس به لمن تثق بأنه لن يكشف سرّها السوريّ الكبير: دولة ديموقراطية مدنية، الدين فيها لله والوطن للجميع.
سورية ليست لأحد، والجميع لها والمستقبل أيضاً...
سورية أثق بكِ.
* شاعرة وسينمائية سورية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات