بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
حديث المؤامرة!
  16/01/2012

حديث المؤامرة!

اكرم البني/ الشرق الاوسط
في أيام الخطب والكوارث عادة ما يبحث الناس عن الأسباب والدوافع، يستخلصون الدروس والعبر ويرسمون الخطوات الكفيلة بالتجاوز، لكن في سوريا، وعلى الرغم من مرارة ما يكابده المجتمع ويعانيه، يظهر أن أهل الحكم لما يتخلصوا بعد من ظاهرة التهرب من المسؤولية وإنكار الوقائع القائمة ورفض التعاطي مع الاستحقاقات الواجبة، وتبدو كما لو أنها عادة متأصلة عندنا، أن ترتفع الأصوات، مع كل أزمة نعاني منها، لتقرن ما يحصل بالمؤامرة وبمخطط مدبر من فعل الصهيونية أو أطراف خارجية تترصد مجتمعنا وتحاول النيل من مواقفه الممانعة، وعليه لم يكن غريبا أن نسمع بأن ما نعانيه من تخلف وفشل لمشاريع التنمية سببه المؤامرة، وهذا الحضور البغيض للفساد والفقر سببه المؤامرة، والأهم ما تشهده البلاد من مظاهرات واحتجاجات شعبية تطالب بالحرية والكرامة هو مؤامرة أيضا!.
ولا يقف الأمر عند الترويج لفكرة المؤامرة في تناول الثورة السورية أو هذا الزخم في التعبئة والتجييش ضدها واتهامها بالارتهان لمخطط خارجي مزعوم، وإنما يتعداه نحو كيل الاتهامات والإدانات بحق بعض وسائل الإعلام العربية والأجنبية التي سعت لنقل ما يجري، على أنها أدوات مأجورة في خدمة أصحاب ذاك المخطط المشؤوم، والأنكى توظيف الإعلام الرسمي لقلب الحقائق وحرف الأنظار عن جوهر المشكلة وتصعيد لهجة العداء ضد التحركات الشعبية المشروعة بأنها تبيت فتنة وهدفا تخريبيا، أو الادعاء بأن ما يجري هو فعل لعصابات مأجورة تنفذ أجندة إرهابية غريبة عن المجتمع، لا علاقة لها بمعاني الحرية والديمقراطية!.
صحيح أن ثمة أدوارا خارجية في حياة كل مجتمع ازداد تأثيرها بعد التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية في العقدين الماضيين، وصحيح أن السياسات تحددها المصالح، وأن ثمة دول تتربص ببعضها وتخوض صراعات لمد نفوذها وتحسين شروط هيمنتها، لكن علينا ألا نجنح نحو التخفيف من نتائج وآثار ما نقوم به في عالم صارت شؤونه السياسية تحت أضواء كاشفة ولم يعد بالإمكان أن تدار أو تصنع في أيونات القصور والغرف المغلقة، والحال إذا كان ثمة مسؤولية دائما تقع على عاتق الغير الخارجي، لكن وجه المسؤولية الرئيسي يقع بلا شك على عاتق السلطة والحكومة المعنية بإدارة البلاد!.
وبعبارة أخرى، لا يمكن لمؤامرة خارجية، إن وجدت حقا، أن تنجح إذا لم تتوفر لها تربة داخلية، إن على مستوى غياب الحريات وتهميش دور الناس، أو على مستوى انتشار الفساد والمحسوبية، أو على مستوى حضور وتغذية الانقسامات الطائفية والدينية والإثنية، أو على مستوى سوء الأحوال المعيشية وإضعاف الاقتصاد الوطني، فالكرة ليست في ملعب الخارج وسياساته، بل في ملعب أهل الحكم الذين لم يهملوا فقط مسؤولياتها في بناء مجتمع حر وصحي وقادر، وإنما أظهروا ازدراء فاضحا بشعبهم وناسهم واستسهالا وتفريطا مرعبا بأرواحهم ودمائهم وحقوقهم.
وبالتالي فالعلة في سوريا تكمن اليوم في تصميم السلطات على التصعيد القمعي أكثر فأكثر، وإعادة فرض هيبتها على المجتمع بمنطق القوة والغلبة، والرهان على تثبيت مناخ الخوف والرعب من جديد بين الناس بعد أن بدأت غيومه تنحسر، دون أن تعير انتباها لتطلعات الشباب وحقهم في المشاركة في صنع مستقبلهم، أو للتكلفة المادية والبشرية لمثل هذا الخيار، وللتأثيرات السلبية العميقة التي سوف يخلفها في النسيج الاجتماعي السوري، ودون اهتمام أيضا بمواقف الآخرين من دول وشعوب عربية وغربية، أو بردود فعلهم، حتى الأخلاقية، ضد هذا الإفراط في القهر والتنكيل!.
وإذا كان الفرض من الترويج لفكرة المؤامرة من قبل النخبة الحاكمة هو تسويغ آليات القمع والاضطهاد، والهروب من المسؤولية وتغذية الوهم بأن ليس من أخطاء ارتكبتها هيأت المناخات لحصول ما يحصل من احتجاجات، وأيضا لتبرير عجزها عن تحقيق ما وعدت جماهيرها به من حرية وحياة كريمة، لكن الأسوأ ما يضمره هذا الترويج من إصرار على إنكار وجود أزمة عميقة في البلاد تحتاج تاليا إلى معالجة عميقة وجذرية!. فالنظام الذي يحاول إشغال الناس بالأخطار الخارجية ويأبى الاعتراف بأسباب أزمات المجتمع ومشكلاته المزمنة، ربما لأنها لا تعنيه وربما لأنها تدين سياساته وتفضح ارتكاباته، هو نظام يتخلى عن المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأولها البحث عن حلول حقيقية لما يعانيه الناس، فما إنكار وجود المرض إلا تواطؤ مع أسبابه، ولا يقود التشخيص الخاطئ إلى علاج خاطئ فحسب، بل يزيد من حدة الداء ويفاقمه وإن خفف لبعض الوقت من أعراضه، الأمر الذي يتضح في معاينة الحالة السورية بسلوك أصحاب الحل الأمني والقمعي، الذين يرفضون، وبعد شهور من التجريب، الإقرار بأن ما تمر به البلاد هو نتاج أزمة سياسية وتحتاج لحلول سياسية، بل قاعدتهم الوحيدة هي الكي، وهو العلاج الوحيد عندهم، لكل العلل والأمراض!.
والنتيجة، إن تضخيم فكرة المؤامرة ورد كل النكبات إليها، وإهمال دور الذات ومسؤوليتها، هو أشبه ما يكون بمؤامرة في حد ذاته ولكنها في هذه الحالة مؤامرة ضد أنفسنا! وهنا نسأل لماذا لا نزال عاجزين، حتى الآن، عن كشف سر نجاح الآخرين في مؤامراتهم علينا، إن وجدت هذه المؤامرات، وعن إنهاء هذا التآمر ونحن ندعي أننا نعرفه منذ سنين طويلة وخبرنا قواه وأهدافه؟!. وهل ثمة إمكانية جدية لإفشال نيات الخارج ومخططاته إذا قفزنا فوق مهام عاجلة تتعلق بمعالجة الأسباب والمشكلات الداخلية، وأوضحها في الحالة السورية، وقف العنف والتنكيل والاعتقال ضد المدنيين وتغيير علاقة الاستئثار الظالمة بين السلطة والمجتمع وفتح المجال رحبا أمام الناس كي يقرروا شؤونهم بأنفسهم!
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات