بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
ثمة ثورة هناك لأن صديقتي لا تكذب
  21/01/2012

ثمة ثورة هناك لأن صديقتي لا تكذب

لمياء الساحلي
إلى س. أ.


ثمة ثورة في سوريا، وسط القمع الدموي والقتل والفوضى وبعيداً عن ضجيج الإعلام بكافة أنواعه، والعناوين الغريبة لأيام الجمعة والأسماء المذهبية لكتائب «الجيش السوري الحر»، وبعيداً عن كذب جميع الأطراف، والمستغلّين والطائفيين وأصحاب المصالح. وليس مهماً بالنسبة لي ما هو حجمها لأنها ليست وهماً. فصديقتي الثائرة ذات الشعر الأشقر والعينين اللتين أفضّل ألاّ أحفظ لونهما، حقيقة. أعرف ملمس كفّها، شممت رائحتها، انتظرتها حين اعتقلت، وقلقت عليها حدّ الوجع. أعرف خط يدها، فما زلت أحتفظ بأوراق كتبت عليها ملاحظات خلال ورشة عمل عن مواجهة العنف باللاعنف. وحين ضممتها في ذلك اليوم الغريب، نقلت إليّ عدوى الكثير من الأمراض التي ترتبط عادة بالشعور بالانتماء إلى وطن ما أو إلى فكرة أو قضية.
الدماء التي تسيل في سوريا ليست وهماً أيضاً، ما هم إن كانت بحراً أم نهراً أم جدولاً؟ ما همّ إن كان الشهداء بالمئات أم بالآلاف؟ ما همّ إن كانوا مدنيين أم عسكريين؟ المهم أن دماءهم تسيل على مرأى من التحليلات الإستراتيجية ونظريات المؤامرة والمهل والمبادرات والمصالح الإقليمية والدولية. ودماؤهم غالية.
لن أدخل في نقاش حول وجود سلاح بيد معارضين أو جماعات مسلحة إرهابية كما يسمّيها النظام أو حوادث طائفية، يكفيني وكثيرين مثلي أنه وسط هذا كلّه، إن كان واقعاً أم لا، ثمة ثورة حقيقية سلمية، لها شهداؤها ومعتقلوها وفنانوها ومغنّوها وأنصارها الذين لا ييأسون رغم يأسنا جميعاً، ورغم تدهور الأوضاع وأخذها منحى مختلفاً عمّا تريده صديقتي وأصدقاؤها.
وأصدقاء صديقتي الشقراء، ذات العينين الباسمتين بألم، ليسوا أوهاماً أيضاً، ومعظمهم معتقل أو اعتقل وخرج أو ملاحق أو.. استشهد. هي تعرفهم جيداً، حدثتني عنهم سابقاً، هم أعزّ أصدقائها، لا يمكن أن يكونوا مجرد أوهام جميلة زارتها تحت تأثير العلاج الكيميائي حين كانت تعاني من السرطان أو خلال فترات نومها القليلة حين تغافل الأرق الذي لا يبارح لياليها. أعرف أسماءهم ومعظمهم لديهم صفحة على «فايسبوك» عنوانها غالباً ما يبدأ بـ«الحرية لـ..». هؤلاء، أصحاب الوجوه المبتسمة في الصور هم الأكثر حريّة بيننا، هم الثورة الأحلى.
ثمة ثورة هناك، لأن صديقتي لا تكذب، أريد أن يكون الأمر بهذه البساطة. سأغلق التلفاز والصفحات الخاصة بسوريا على مواقع التواصل الاجتماعي وأصغي إليها فقط. هي شاهد العيان الذي سأعتمده، شاهدي الوحيد، ولتفنَ كل النظريات الصحافية والمعايير الإعلامية. صديقتي لا تكذب، سأصدّق كل ما تقوله لي وسأتخيّل الأحداث التي سترويها لي، وأحلم معها الحلم ذاته.
صديقتي.. سورياي الجميلة أنت، سوريا التي لم أحبّها من قبل بل أحببت بعض ناسها، سوريا المجردّة من كل تشوّهات ماضينا المشترك. سورياي الجميلة التي أقلق عليها حدّ الوجع. صديقتي الجميلة، شكراً لأنك استطعت تطهيري من كل حقد تركته في نفسي أحداث أليمة ارتبط اسم بلادك بها، منها عائليّ ومنها شخصيّ ومنها وطنيّ.
سورياي الرقيقة أنت، الشقيقة بكل ما في الكلمة من معنى. سورياي «الممانعة» أن تبقى تحت الظلم في نضالها لتحرير فلسطين.
أنت الثورة الأحلى، ثورة تواجه الطاغية بيدين عاريتين بيضاوين ناعمتين كيديك، وعينين تبتسمان ولكن تخفيان وراءهما كل حزن الأرض والتي قالت لي يوماً «إذا دخلت جيوش أجنبية سوريا، سأعلن أني انهزمت».
أنت الأمل المزمن الذي لا أريد أن أشفى منه، رغم علم كلتينا أنه لم يعد له علاقة في ما يجري هناك، لأن الأمر خارج عن سلطته وخارج عن نطاق نظريات اللاعنف التي تحفظينها وصلاحية أحلامنا الجميلة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات