بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
حمص بين النكتة والثورة.. فمن يضحك أخيراً؟
  22/02/2012

حمص بين النكتة والثورة.. فمن يضحك أخيراً؟

المصدر: العالمية

 في أحد الأيام كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في زيارة إلى حمص، فأمر وزير الدفاع حرس الشرف بإطلاق 21 طلقة تحية مع نزوله من الطائرة. عندها سأله جندي حمصي: "سيدي ماذا لو قتلته من أول طلقة، هل نهدر العشرين طلقة الباقية هباء؟".
وفي ضوء القمع الدامي المتواصل في حمص من جانب نجل حافظ الرئيس السوري بشار الأسد لم تعد هذه النكتة مضحكة بحسب الكاتب عمر سيفو في فورين بوليسي. فالصورة التهريجية للمدينة الثالثة في البلاد تتلاشى تدريجياً تصاعد حدة ضرب النظام للمدينة الذي يعيش اليوم شهره الحادي عشر. وهو الإحتضار البطيء للسمعة القديمة. فخلال قرون ملأت حمص مقاهي دمشق وحلب وحماه بالضحك حين تبادل السوريون نكاتاً تسخر من ذكاء الحماصنة.
لكن لماذا الحماصنة بالتحديد؟ ربما لأنّهم موطن التمرد الداخلي. فعبر التاريخ احتلوا مكاناً فريداً في النسيج الإجتماعي والسياسي السوري، وأثاروا دهشة جيرانهم وسخريتهم وحتى غضبهم. فالنكات الحمصية تعكس المنافسة في القيم الأخلاقية، والحدود الإجتماعية غير المؤكدة، والتنافس على مستوى بنى السلطة للمجتمع السوري، سواء في أوقات السلام أو الحرب.
أنصار علي
بدأ الأمر قبل 2000 عام، فمواطنو مدينة "إيميسا" القديم التي باتت تعرف باسم حمص، كانوا يعبدون إله الشمس "إيل جبل"، مع محافظتهم على التقاليد الوثنية، كإحيائهم الإحتفال بـ "عيد الحمقى". كما أنّ الحماصنة وبعد تحولهم لاحقاً جماعياً إلى المسيحية وبعدها الإسلام، بقي الإحتفال بـ"عيد الحمقى" كتقليد لديهم حتى أواسط القرن العشرين، بحسب الباحث الفرنسي جان- يفي غيون.
لكنّ هذا العيد الغريب ليس وحده السبب في اعتبار الحماصنة متمردي سوريا. ففي القرن السابع، فتح خالد بن الوليد حمص، وبعدها باتت المدينة أكبر المدن السورية سكاناً مسلمين، ما شجع الخليفة عمر بن الخطاب على اعتبار حمص مركزاً إقليمياً. وفي الحرب بين الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب وبني أمية، اصطفّ الحماصنة مع علي، كما انضم الكثيرون من بينهم إلى جيش علي في حرب صفين عام 657. وبعد هزيمة علي عام 659 خسر الحماصنة حالتهم المميزة وبعدها مرت 8 عقود قبل أن يثور أحد أبناء حمص على الخليفة الاموي مروان الثاني ما أوقع الكثير من أهل المدينة تحت السيف والتعذيب والتشويه.
وعاد القالب النمطي بخصوص الحماصنة إلى الواجهة بقوة خلال القرن الحادي عشر، عندما استردت أسرة بني مرداس المدينة وحولتها إلى المذهب الشيعي. وبات الحماصنة سريعاً ضحايا الجدل بين الشيعة والسنّة. وسجل العلامة السنّي المعروف إبن الجوزي الكثير من الكتابات الساخرة حول العادات الغريبة للمسؤولين الدينيين الحماصنة والغباء المفترض لأتباعهم.
وأورد ابن الجوزي في كتابه "أخبار الحمقى و المغفلين" أنّ جماعة من أهل حمص "تذاكروا في حديث أعضاء الجسم ومنافعها، فقالوا: الأنف للشم واللسان للكلام والفم للأكل والعينان للنظر، فما فائدة الأذنين؟ فلم يتوجه لهم في ذلك شيء. فأجمعوا على قصد القاضي ليسألوه. فمضوا فوجدوه في شغل و جلسوا ينتظرونه، و إذا بخياط قد فتل خيوطاً و وضعها على أذنيه. فقالوا: قد أتانا الله بما جئنا نسألُ عنه القاضي".
النكتة تصد تيمورلنك
كانت حمص على الدوام معقلاً للمعارضة، في البداية كحركة مقاومة ضد الصليبيين في حملاتهم، وبعدها كمقر لقادة المماليكفي حربهم ضد المغول. ورغم تلك البطولات فإنّ لم تلتصق بالهوية الحمصية بعكس تلك الصورة التي تزعم غباء الحماصنة.
وبحسب إحدى الروايات عن "يوم الحمقى" يتحدث الباحث الحمصي جورج كدر في كتابه "أدب النكتة- بحث في جذور تاريخ النكتة الحمصية" عن سبب الإحتفال بهذا اليوم فيقول: عندما اجتاح تيمورلنك بلاد الشام كانت المدينة الوحيدة التي سلمت من أذاه هي حمص، لأن سكانها تظاهروا بالجنون في الشوارع، وعلقوا على رؤوسهم القباقيب، وأخذوا يقرعون على الصحون النحاسية، وأشاعوا أن مياه العاصي تصيب كل من يشربها بالجنون، وهذا ما جعل الجيش الذي يرافق تيمورلنك يمر مرورًا سريعًا في حمص، وقد حدث ذلك يوم الأربعاء فاعتبر هذا اليوم هو "عيد الحماصنة".
أما التاريخ الحقيقي فلا يصاحبه حس فكاهي، فبعد سقوط المماليك خربت المدينة بغارات بدوية عربية ليبدأ انحطاط المدينة. وعادت حمص مع تأسيس السلطنة العثمانية في القرن السادس عشر، واستعادت دورها كمركز اقتصادي، وباتت الممر الرئيسي لتجارة الحرير وزيت الزيتون والحيوانات بين مدن الشمال والجنوب في السلطنة، ليسميها أحد القناصلة البريطانيين في القرن التاسع عشر بسبب نشاطها الإقتصادي وصناعتها النسيجية "مانشستر سوريا".
الأسد الأب
لكن سنوات مجد المدينة ذهبت مع سقوط العثمانيين. وضمت حمص إلى دولة دمشق في التقسيم الذي أقرته فرنسا التي انتدبت على سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى. لكنّ الحماصنة سرعان ما انضموا إلى الثورة السورية ضد الفرنسيين عام 1995 المسماة بـ"الثورة السورية الكبرى". وكان أحد قادة الثورة مظهر السباعي من أصول حمصية.
وبحلول عام 1932 وبعد تفاقم التوترات نقل الفرنسيون الأكاديمية العسكرية من دمشق إلى حمص حيث بقيت هناك حتى عام 1967. حتى أنّ حافظ الأسد نفسه تخرج منها، ولو أنّه لم يراع عيشه في المدينة، فما أن أصبح رئيساً حتى عقد الصفقات مع القادة السنّة في دمشق وحلب تاركاً الأغلبية السنية في حمص تترنح.
ذلك ما جعل الحماصنة مجدداً موضوعاً للنكتة. وفي نكتة عن حرب عام 1973 كان هنالك جندي حمصي يلعب بقنبلة يدوية، فحذره زميل له بالإنتباه من أنّها قد تنفجر، ليجيبه الحمصي: "لا تقلق فمعي غيرها".
واليوم ولمرة أخرى تجد حمص نفسها في عين العاصفة. ومع متابعة النظام السوري اعتداءاته الفظيعة بحق المدينة فإنّ السخرية القاتلة باتت أمر اليوم، وفي نكتة عن هذا الوضع عبر تويتر يتساءل أحد مؤيدي الأسد: "لماذا يتمرد الحماصنة"، ليأتيه الجواب: "لقد شبعوا من النكات الحمصية".
ومع ذلك فاليوم لا أحد يضحك.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات