بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
ما أهون الرّدح والسّحج في وجه موتٍ ليس موتك
  29/02/2012

ما أهون الرّدح والسّحج في وجه موتٍ ليس موتك

تامر مصالحة/حيفا


لم أكن يوماً خجلاً بانتمائي كمثل يومي هذا! حين اكتشفت أنّ من قضى كل حياته ضحية يمكن ان يكون بهذه السرعة مجرماً فاشياً، ولا أفهم لماذا نجلس نحن الأغلبية في بيوتنا نرى الموت والقتل والتدمير لمن يشبهوننا وهم منا ونحن منهم، ونطأطئ الرأس حزناً، بينما ينتصب العهر رافعاً رأسه في حيفا، لنوصم كلنا بأننا رداحون؟


كانت الصورة تشرف على الدخول وكانت محمولة على الراحات، مشرقةً كلواء نصرٍ يزجّ فيه الى ساحات الوغى!
تامر مصالحة

إنتصب الجمهور إجلالاً للصورة، وقف الصف الأخير من الحضور أولاً ووقف الصف الأول آخراً (ليس بسبب قلة الحب انما للوجاهة أحكام). كانت الصورة تشرف على الدخول وكانت محمولة على الراحات، مشرقةً كلواء نصرٍ يزجّ فيه الى ساحات الوغى! للصورة كما الرموز المقدسة والأيقونات بروازُ لامعٌ يضيء سناء قُدسه على رجالات الدين والسياسيين والمفكرين وسادت القوم الماثلين أمام الصورة! كم هي متواضعة قياداتنا هذه! تقف بخشوعٍ ورعٍ أمام موكب الوفاء وتبايع مرةً اخرى بقسمٍ لا رجعة فيه.

وما عساهم يصنعون؟ هكذا هو الحبيب دائم الشك لا يكلّ من سؤال المحبوب عن حفظه للوفاء! وما أوفى حضورنا الوطني هذا، حتى أنه لم يكتفِ بصورة واحدة؛ طمع العاشقين شديد وخيال الحبيب جاثمٌ بين الجفون وعلى القلوب وفي ماء الشرب وفي الرغيف لكن، زيادة الخير خيرين كما يقولون. لذلك وجب على لواء الشرفاء ان يحمل بجانب الصورة الكبيرة صورةٌ أصغر محمولةٌ هي الأخرى بورعٍ وإجلالٍ على الراحات ليس كما يزج بالأشلاء. ولا تعتقدوا يا سادة أنّ ازدواجية الصورة هذه ليست حباً في الظهور؛ فصاحب الصورة هو المتواضع الخجول، ونقصان البرواز على صورة القائد الصغرى ما هو بالاستخفاف او القصور من الحضور في حفلنا الكريم، أو شحّ محبة المُحب للمحبوب في بذل الغالي والنفيس، بل على العكس: سيثبت لنا الحضور سريعاً أنهم مستعدون لأن يضحوا في سبيل صاحب الصورة بل في سبيل الصورة ذاتها إن اقتضى الأمر، بكل الشعارات والمقدسات والمبادئ الممكنة. هم الأحرار وما عليهم من سلطان، إلا الذي ارتضوا أن يبايعوه.

سر القضية في نقصان البرواز يا سادة، أنّ الصورة الأصغر (تلك التي من دون برواز) تحاكي الصورة الأكبر، توشوش للواقفين سر السلطان، جدلية الرمز والانسان، فصاحب الصورتين قائدٌ مغوار وأبٌ حنون معطاء، يبتسم لرعيته الماثلة أمامه بهيبة الدولة ومحبة الأب للبنين!

“عاشت سوريا أو عاش بشار الأسد”؛

أنشد الأزلام لحن المروءة والوفاء.

“عاشت سوريا أو عاش بشار الأسد”؛

ردد سوياً الحضور وحاملو اللواء، وزادهم الجمهور على الانشاد بالتصفيق!

“عاشت سوريا أو عاش بشار الأسد، نفدي بلدنا بالوليد او بالولد”

نعم يا سادة يا كرام! حضورنا مستعدٌ أن يفدي القائد “بالوليد وبالولد” ولو أنه لم يحدّد بولد من فيهم هو مستعدٌ أن يفدي قائدنا حفظه الرب والمولى وماركس ورعاه قالتها من علياء المسرح كل الديانات السماوية وأطلت علينا آلهتها من أضواء سقف قاعة المسرح الدرامية.

“عاشت سوريا أو عاش بشار الأسد، نفدي بلدنا بالوليد أو بالولد”.

واستمرّ الحضور بالتصفيق على الايقاع أمام الصورة التي تمركزت الآن على منتصف المنصة، هو عرس الوفاء “والسحج” والسحج هو صدى “الردح” وجوابه والصدى شديدُ الدويّ حين تكون العقول فارغة سوى من السّحج والرّدح، وكلاهما عنوان الممانعة، وقلت العقل والدين والحياء. سيظهر أبطالنا باسم فلسطين المحتلة والجولان المحتل على قناة “الدنيا” وسيرانا القائد والشبيحة وسائر الممانعين! أبشر يا نظام البعث النصر قادم من حيفا!

“أو من حيفا التحية للقيادة السورية”؛

“أو فلسطين عربية والجولان سورية”؛

أعلنها أحد الرديحة. الممانعة، أهي من باب تأليب المتآمرين؟ أم من باب تذكير القيادة بأنّ دباباته ليست على حدود الجولان المحتل؟ لا أظنها من باب التذكير فلا تذكير لمن لن تنفعه الذكرى! إنما هي من باب التجيير وسرقة القضايا الشريفة، فلا فلسطين عربية ولا الجولان سورية من دون وجود حكم الأسد الأبدي لسوريا.

“أو من حيفا التحية للقيادة السورية”؛

ردّدها جمهورنا الممانع وسحج، ما أجملنا ونحن نسحج سحجة قطيعٍ واحد ويعلو صوتنا في الثغاء من حيفا!

“فلسطين عربية والجولان سورية”؛

أعادها لنا الجمهور أمام وميض الكاميرات المهنية التي حضرت خصيصاً لتوثيق هذا الحدث التاريخي، فنحن لسنا كالمتآمرين نصور بكاميرات المحمول المرتعشة صور الأشلاء والدمار الهيلودية القطرية. لا! تصويرنا “بروفيشيونال”! يليق بجمال مقدمات “الدنيا” وبجماليات مقالات الانشاء التي يرددونها، تلك المقالات الدرامية التي تخلط ما بين الشعر والتحريض على القتل والتحليل الاستراتيجي في أسباب المؤامرة “الكونية” وتصدّي القائد صاحب الصورة لها. صورنا ستلتقط بعناء وستبث على قناة “الدنيا”، وتلك ستسوقها على أنها دعمٌ للفلسطينيين وأهل الجولان المحتل ولزعيمها الأكبر “فالجولان سورية وفلسطين عربية”.

سيكونون فرحين أهل تلّ الزعتر لدعمنا نظامًا استباح دمنا وحرماتنا حين كان حليفاً لليمين اللبناني والولايات المتحدة وإسرائيل (لكنني كأغلبيتكم لا أفهم كما يفهم مفكرونا بألعاب السياسة وتوصيفات الخيانة وتصنيفات الامبريالية وما هو ريال بوليتيك وما هي الثوابت، الصورة دائمٍاً غير واضحة عندي وعند أمثالي على عكس النخبة التي فهمت الملعوب وقرأت الصورة بوضوح). كم سيفرح أيضاً لاجئو القنيطرة المهجرون منذ عقود والذين يذبحون الآن باسم الممانعة من جديد! كم سيفرح أهل حمص وحماة وهم ينتظرون لفتة تعاطفٍ تعينهم على الصمود وتذكرهم بأنهم بشر لهم حق في الحياة!

واستمر الردح واستمر عرس الدم هذا أو قلة الدم هذه في حيفا:

“الله محيي الجيش، الله محيي الجيش”؛

سحج الجمهور، صور طاقم التصوير، ابتسمت الصورة للحضور، ابتسم الحضور لمؤخرات الوجهاء المنتصبة بشموخٍ في الصف الأول، ردّت بدورها مؤخرات الوجهاء الابتسامة للحضور. وابتسمت آلهتنا الممانعة من سقف المسرح.

“الله محيي الجيش، الله محيي الجيش”؛

واستمرّ السّحج واستمرّ الوقوف، ما أجمل الوقوف على دم الأبرياء، ما أهون الردح والسحج في وجه موتٍ ليس موتك واحتقار أشلاء ليست أشلاء ذويك! هذه الفقرة المليئة بالفرح والتي حتماً ستبث في قناة “الدنيا” بين فقرة إخبارية تعلن عن مقتل “الارهابيين” وأخرى تعلن عن نتائج الاستفتاء والفوز المعلن سلفاً والمبين! ستكون بمثابة عرسين وحرب، أو حربٌ بين عرسين! عرسٌ ديمقراطيٌ وعرسٌ حيفاوي ومقتل مسحوقين بين بين. كم نحن انسانيين!

لكن وعلى رغم إعجابي بقدرة هذا الجمهور على المغالاة في الشكر والامتنان، لي مأخذٌ صغير على تحيتهم للجيش! كان عليهم أن يحيوا وحدات الجيش بشكل فردي، اعترافاً بتضحياتهم الكبرى في صدّ العدوان ودكّ العمران! فقد كان على الحضور أن يحيوا وحدة المخابرات الجوية والأمن السياسي، والشبيحة والمدفعية التي تدكّ أحياء باب عمرو ودير الزور وحماة. ما أجمل أن تقصف الأحياء السكنية بمدفعية ثقيلة وصواريخ أرض أرض تطلق بأسلوب (سيري يا مباركي) لا يهم أين تقع وعلى رأس من. لقد تعلمنا هذا من اسرائيل. كان عليهم أن يشكروهم بشكل فردي وأن يخصوا بالشكر القناصة الذين يعملون ليلَ نهارَ بقنص من يجلب الماء والخبز وينقل الجرحى من المواطنين. كان عليهم أن يشكروا كتيبة المدرعات المتقدمة الى الوراء في عمق اراضي الوطن. كان عليهم يجب أن يحيوا آلاف القتلى وعشرات آلاف المساجين الذين يعذبون ويقهرون وتنتهك أعراضهم ويقتلون في السجون والمستشفيات والمعسكرات المتنقلة والثكنات! لكنّ كل هذا غير مهم؛ أعتقد أن الأيام قادمة وسيتسنى لحضورنا الكريم شكر القائد مرة أخرى. فالإصلاح جارٍ على قدمٍ وساق. وقتل الكادحين والمسحوقين والبسطاء شيء سهل على الاطلاق! يسيرٌ هو على أجهزة القاتل وعلى أزلامه من القتلة والرديحة والمتفرجين، هكذا يكون الحال عندما لا تكون الضحية “سكسيت” بما فيه الكفاية؛ إسألوا أهل غزة ومخيمات اللاجئين! هم ليسوا جذابين بما فيه الكفاية فهم أيضاً لا يجلسوا في المقاهي ويتناقشون في الامبريالية وكتاب ماركس وهيغيل، بل يتعبدون لربهم بإيمان الفقراء والمساكين، وبعضهم لهجته السورية فلاحة وبدوية بعض الشيء، وحين يرون الموت يصرخون يا الله! والله أكبر! ويا عرب ويا مسلمين! هم ليسوا (بوليتيكلي كوريكت) في نداءاتهم هذه وفي كرههم للذين يقاتلونهم، من سمح للضحية بأن تحقد على المجرم وتطلب الثأر، ما عادوا يريدون سماع شعارات الاصلاح والعيش المشترك تحت الحذاء وتحت “اللاطائفية” العنصرية من نظامٍ طائفيٍ يذبحهم بالسكين!

لكنني أظنّ أن كل هذه التفاصيل لن تدخل في مونتاج “الدنيا” التي تكاد تنهار من كثرت المونتاجات واغتصاب الواقع لتلائم قصة المؤامرة الكونية! فأن تتعهد بكشف مؤامرة كونية ليس بالشيء الهين خصوصاً أن أحداً في التاريخ لم يسمع من قبل بمؤامرة كونية؛ لقد سمعنا بحروب عالمية وإقليمية، وبمؤامرة دولية او داخلية، لكن هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها أن الكون يتآمر على نظام البعث السوري وعلى سحّيجة عرس العهد والوفاء في حيفا!

كنت قد تعبت من مشاهدة الردح والرداحين على الفيديو، وقد تعبت السحيجة ونفدت الشعارات وطلب الوجهاء والصورتين بالجلوس، إلا أن رحمة ربك لم تنزل بعد على العباد وصاح صوت امرأة ممانعة من وراء الكواليس الخلفية شعار الممانعة المبين:

“الله، سوريا، بشار أو بس”!

وما كان على الرديحة إلا الترديد والسّحج مع الجمهور هاتفين بالثلاثي المقدس الذي لا وجود لجزء منه دون الآخر، أو قل لا وجود للشطرين الأوليْن من دون “بشار أو بس”. وانتهى عرس الدم بمصافحة الوجهاء.

لم أكن يوماً خجلاً بانتمائي كمثل يومي هذا! حين اكتشفت أنّ من قضى كل حياته ضحية يمكن ان يكون بهذه السرعة مجرماً فاشياً، ولا أفهم لماذا نجلس نحن الأغلبية في بيوتنا نرى الموت والقتل والتدمير لمن يشبهوننا وهم منا ونحن منهم، ونطأطئ الرأس حزناً، بينما ينتصب العهر رافعاً رأسه في حيفا، لنوصم كلنا بأننا رداحون؟ هم لا يتكلمون باسمنا ولا يعبرون عن أخلاقنا وضمائرنا، التي لا تصفق فرحاً لمشهد الذبح والدّم وباصات الجنود الخضراء التي تشبه باصات حرس الحدود حين يتمركز هؤلاء لقتلنا من حين إلى حين!

فلماذا منا هذا السكوت المعيب؟

.

 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات