بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
العالم الذي يخاف من حريتنا
  22/03/2012


المؤثرات التوحيدية للثورة
العالم الذي يخاف من حريتنا
الفضل شلق

{ بعد الثورة، صرنا مجتمعا مفتوحاً وأصبحنا خطراً في هذا العالم. { قبل الثورة، كنا مجتمعا مغلقا بقوة الاستبداد وقوة الاستعمار { في المجتمع المغلق تتحكم القبائل والاتنيات والطوائف { الاستبداد يغرّب الإنسان في بلاده، فيلجأ إلى إقامة علاقات حماية بالعشيرة والعائلة والقبيلة { تزدهر القبلية في نظام الاستبداد الشمولي، فالقبلية وليدة تحالف الاستبداد والامبريالية { لم يرحل الاستعمار بعد الاستقلال، بل بقي من خلال الاستبداد ومن خلال تحالف سلطة الجيوش وسلطة المال { عشنا قبل الثورة في ظل توتاليتاريات تتحكم بنا، وليس القمع وحده ما يجعل السلطة توتاليتارية. السلطة التوتاليتارية تخرق مسام المجتمع والدماغ { النفط لا يلزمه مجتمع، هو ينتج وعياً ضد المجتمع { بإعلان المجتمع المفتوح بعد الثورة تعاد للمجتمع سويته، ويسمح للفرد بأن يسترد ذاته { لم يعد الاستبداد قادراً على رشوة مقتطعة من نفط منهوب او مال مسلوب { لهذا، صار العالم يخاف من حريتنا.
أغلق الوعي العربي منذ الهجمة النابليونية، يوم تحقق النصر العسكري على المنطقة العربية، ومنذ الثورة الصناعية، يوم تحقق لدى مجتمع المنطقة ان الغرب أصبح أكثر تقدما وقوة، وان الغرب لا بد ان يسعى لاحتلال المنطقة، وان مسألة ابتلاع الامبراطورية وتقسيمها، هي مسألة وقت، وان سلسلة الاصلاحات التي أجريت، منذ القضاء على الانكشارية في بداية القرن التاسع، والاصلاحات القانونية («المجلة» وغيرها)، وتبني تقنيات اوروبية في الطباعة لن تكون كافية، وان الاجتياح الاقتصادي سيكون قاعدة لهيمنة سياسية. تحقق ذلك بفضل المعاهدة الجمركية العام 1839، ثم تراكم الدين العام وتشكيل لجان الدين مما كان إعلانا صريحا لفقدان الامبراطورية العثمانية والبلدان الواقعة تحت سيطرتها، قبضتها السيادية ووقوعها فعليا تحت السيطرة الغربية، مع تقسيم المنطقة الى مناطق نفوذ ستصير قبل الحرب العالمية وبعدها مناطق احتلال وانتداب (ومؤدى التعبيرين واحد).
أدت كل تلك التطورات الى إغلاق الوعي على مقولة أساسية مؤداها ان المجتمع العربي كغيره من المجتمعات غير العربية المغلوبة، هو خاضع لأنه متخلف، وان تخلفه نابع من تأخره، وان تأخره سمة من سماته، وانه محكوم بالتخلف ما لم يتطور حسب نموذج أوروبي (غربي) وانه سيبقى متخلفا ما زال متمسكا بموروثه الثقافي، وانه اذا تمسك بموروثه الثقافي سيبقى متخلفا وسيبقى محكوما عليه بالتأخر وما ينتج من ذلك من ضعف وضرورات الخضوع لحريات السادة الغربيين، سادة منطقتنا الفاقدة الحريات، والتي لن تحصل على الحريات دون حداثة تصل بها الى التخلي عن هويتها، عما هي، عما هو موروث، في سبيل ان يعاد تكوينها حسب نماذج غربية استهلاكية تستحق ان يقال لها غربية، وسيان حينذاك ان تتحرر من السيطرة أو تبقى خاضعة لها، فبمقدار ما هي تتشبه بالغرب ستبقى تابعة للغرب وتدور في فلكه سياسياً.
ما أغلق الوعي العربي (ما قطع الطريق على كيف نعقل وماذا نعقل ولماذا نعقل) هو الاستعمار ثم الاستبداد. الاستعمار والاستبداد حليفان. وجد كل منهما على حدة او متحالفين منذ فجر التاريخ لكنهما تحالفا في بلادنا وفي غيرها. وكان تحالفهما وثيقا، بحيث لم يتخل واحدهما عن الآخر حتى بعد الاستقلال. لم يرحل الاستعمار بعد الاستقلال، بل بقي من خلال الاستبداد. وبقي التحالف قائما من خلال القواعد العسكرية، والصلات الدبلوماسية والتدريبية، والعلاقات الخاصة بين جيش الدولة (الدول) الامبراطورية وجيوش بلادنا. تحب جيوش العالم ان تتعاون حين لا تقع الحرب بينها. كما الرأسمال، كذلك المال والجيش. وللمال سلطة وللجيش سلطة. وما يسمى العولمة يعمل من خلال هاتين السلطتين. تقول الرأسمالية ان العولمة مؤسسة على التبادل، والتبادل يعني ما مبادلة ما يباع بما يشترى، قيمة متساوية بقيمة متساوية اخرى. لكن اللاتساوي هو في العلاقات بين البلدان. لذلك يحصل التبادل اللامتساوي على اساس لا متساو.
المجتمع المغلق تتحكم به القبائل واحكامها، الاثنيات واحكامها، القوميات وأحكامها، الطوائف واحكامها، الخ... لكل من هذه مقولات، المقولات فوق الإنسان، ويعيش الفرد من اجلها، يتخلى الإنسان عن ذاته في سبيل تحقيق مصالحها، ينسلخ الإنسان عن ذاته كي يلبي مطالب المقولة الطائفية او الاثنية او القومية، الخ... ولا يبقى مسيطرا سوى على جزء بسيط من ذاته، يكون هذا الجزء البسيط مجالا لحريته، لارادته، لوعيه. يصادر الاستبداد هذه الاثنيات. يجعلها تعمل لمصلحته، يحول كلاً منها الى آخر، بالاحرى يحمل منطق كل منها الى نهاياته فيتحول كل منها الى آخر مغاير للجماعة التي يشكل جزءاً منها. يصير الدين طائفية، والمذهب اثنية، والقومية اثنية، والاثنية انفصالا. تصير الأمة قومية والقومية اثنية وطائفية، ويصير كل منهما انفصالا بعد ان كان يعني التوحد، وحدة المجتمع، في السياسة وفي كل شيء آخر. حقيقة الأمر ان في المجتمع المفتوح سياسة، السياسة تدير المجتمع، السياسة فن او علم الاحتمالات، الاحتمالات ارجحيات تحفز حركة العقل، هي محرك العقل، يصير العقل وعيا، لا يصير العقل عقلا إلا بأن يتحول الى وعي، به ندرك الاشياء وترتيباتها، به ندرك المصلحة وأولوياتها. ليست المصلحة شأنا موضوعيا، لا تستقل عن ذهننا. المصلحة حكم ذاتي. باسم المصلحة الموضوعية يحكم الاستبداد، باسم المصلحة ينغلق العقل، باسم المصلحة تتحكم الامبريالية، باسم المصلحة نستعبد أنفسنا. أقول نستعبد أنفسنا، لان المرحلة الجديدة من الامبريالية تقتضي ان نستقبل الامبريالية بترحاب. تنقلب حركة التحرر الوطني الى عكسها. حلّت العولمة مكان الامبريالية، مسميان لشيء واحد، وحل الترحاب بالامبريالية لدى النخب مكان رفضها. ومن المشكوك فيه اننا نستطيع رفض الامبريالية دون رفض الرأسمالية.
المجتمع المغلق تتحكم بوعيه المقولات التي تقلب كل علاقة اجتماعية على رأسها. أليس هذا ما تفعله الرأسمالية؟ تجعل المال فوق القيمة، بالمال تنقلب القيمة (كمية العمل) الى ما لا قيمة له. تصاب بالقلق اذ تعمل طوال حياتك بأجر محدود، وتدخر لآخرتك، وتظن ان ما ادخرته قيمة، فتجد (والأزمة، أزمة الانهيار المالي ما زالت ماثلة أمامنا) ان ما ادخرته لا قيمة له، صادره منك الرأسمال بكل الوسائل الشرعية (الشرعية ولدت لكي يصير النهب مشروعا، ولكي تصير السلطة مقبولة، تقدم السلطة على حكم القانون، ما أتى حاكم عسكري والا رفع شعار حكم القانون، الشرعية تضع حداً للعشوائية، كي تضمن الاساس القانوني لسلطة الرأسمال: سلطة الرأسمال هي ما يسمى حقوق الملكية).
في المجتمع المغلق تعلو المقولات، تتسامى، على المجتمع. حتى مقولات الشعب والأمة والقومية والديموقراطية وحقوق الإنسان (ناهيك بمقولات السوق والقطاع الخاص، الخ...)، تعلو على المجتمع. ليس المجتمع هو ما يخلق هذه القيم ـ المقولات، بل هناك من يخترعها ويحددها وينطق بها نيابة عن المجتمع. ومن يحددها نيابة عن المجتمع يحكم المجتمع باسمها. يتسلط على المجتمع، يقمعه، ويميل لأن يصير نظاماً توتاليتاريا. يصير نظاماً توتاليتاريا كل سلطة تقرر أفكار المجتمع ومشاعره، وتتحكم بها. ليس القمع وحده هو ما يجعل السلطة توتاليتارية. السلطة التوتاليتارية تخرق كل مسام المجتمع والدماغ. وتتحكم بهما. لا تصير شمولية بدون ذلك. تشمل كل شيء في الوجود البشري. وما يبقى لكل فرد من شخصيته خارج السيطرة التوتاليتارية يحتفظ به لنفسه في سره، ويصاب صاحبه بانفصام. فهناك جزء معلن لارضاء السلطة، وهنا ضمير مستتر لارضاء صاحب الضمير، ومن يُصب بالفصام يغترب عن نفسه، وتصير الغربة هي ما يتحكم بالسلوك الإنساني. يصير الإنسان غريبا في بلاده وعلى أرضه وعن الافراد الآخرين فيضطر الى علاقات العائلة والعشيرة والقبيلة والعائلة الموسعة كملجأ له. تنشأ القبيلة لا كاستمرار لنظام قديم، بل تزدهر في نظام الاستبداد الشمولي. تكون جديد يستخدم تعابير قديمة. القبيلة وليدة الاستبداد، وليدة تحالف الاستبداد والامبريالية، هي نظام الحداثة في ظل الامبريالية، حيث يذوب الفرد في نظام اجتماعي، اقل من الدولة ليحمي نفسه من السلطة. هناك سبب أساسي لانغلاق المجتمع، وهو العلاقة الثابتة بين باطن الأرض وأعالي السماء. النفط في باطن الأرض والمقولات الثابتة الهابطة علينا من السماء، السماء مجال للقيم وللسيطرة الذهنية والفكرية.
معظم بلدان الأرض التي أنعم عليها بالنفط من باطن الأرض غمرها عنف الحرب الأهلية على سطح الارض، أو هبطت على المجتمع بضع أفكار من أعالي السماء، كي يكتفي بها، وكي يضمر وعيه. النفط لا يلزمه مجتمع، ولا ناس يعجون ويموجون بالأفكار، هو ضد الغليان الاجتماعي والاضطراب الفكري، هو ينتج وعيا ضد المجتمع. إلغاء وعي المجتمع لنفسه هو بمثابة إلغاء المجتمع. إغلاق عقل المجتمع هو بمثابة إلغاء وعيه. يلغى المجتمع اذا ضمر عقله، يضمر العقل عندما يقتصر على بضع افكار قليلة. في هذه الحال، الافضل ان تكون مباركة سماوياً، او يشرف عليها من ينوب عن السماء. يلغى المجتمع، او تخترع دول دون مجتمع، أو تدمر المجتمعات والدول في حال وجودها. المهم ليس وجود المجتمع، بل وجود سلطات ترعى تدفق النفط للسوق العالمية، سلطات تبقي مجتمعاتها جامدة مغلقة متبلدة، القمع والاستهلاك وسيلتان لذلك. السوق العالمية اهم من وجود المجتمع المحلي، أهم من المصالح المحلية، قضايا الشعوب، خاصة العرب منهم، أمور ثانوية. تزول القضايا، او هكذا يتوهمون. بإعلان المجتمع، المجتمع المفتوح يعاد طرح كل القضايا، تتجاوز المحرمات، تحطم المقدسات، تعاد للمجتمع سويته، يسمح للفرد بأن يسترد ذاته. المجتمع المفتوح هو مجتمع الشغل والعمل والإنتاج، كثرة الأفكار وكثرة السلع، المجتمع المفتوح هو مجتمع اللانهايات. المجتمع المغلق تقرر النهايات فيه سلفا. في المجتمع المفتوح لا يستطاع توقع المستقبل، في مجتمع الاستبداد المغلق كل شيء مقرر سلفا. المجتمع المغلق لا يشكل خطرا على أحد، ولا يهدد سلطة. صرنا مجتمعا مفتوحا بالثورة، صرنا خطرا في هذا العالم، عدنا جزءاً من العالم.
المجتمع المفتوح تعددي، متعدد الاحتمالات، المجتمع المغلق، مجتمع الاستبداد محدود الاحتمالات، محدود المطالب. تلغى المطالب في المجتمع المغلق. يلغى الحوار، يلغى الإنسان صاحب الحوار.
ما من سلطة في الأرض إلا وتحتاج الى ناس كي تحكمهم وتستفيد مما ينتجونه ومما تقتطعه من الإنتاج، فائض الإنتاج الذي ينتجه الناس وتصادره السلطة والطبقات العليا. في مملكة أو جمهورية النفط لا يحتاج الحاكم الى الناس، الى المجتمع بهذه الطريقة، بل يحتاج إليهم من أجل ان يسكتوا عما يستخرج من باطن الأرض، كي تستأثر بالبعض القليل منه العائلة الحاكمة، وتقدم معظمه للقوى العالمية وشركائها من أجل الحماية. هي سلطات محلية عقدت معاهدة مع السلطات الدولية لحمايتها محليا، السلطة المحلية تنال فتات المائدة وتنفقه إنفاقاً استهلاكيا بذيئا، بينما السلطات العالمية تأخذ مجمل النفط لتحريك عجلة النظام العالمي.
يحصل ذلك بتواطؤ تاريخي بين الامبريالية والعائلة الحاكمة التي تلعب دور الاستبداد المحلي بواسطة المذهب الذي يقتل كل إمكانية فكر حر، والشعب الذي لا لزوم له إلا لنيل الرشوة كي يسكت ويستكين، وأنظمة الاستبداد العربية الاخرى، كي تسكت هي أيضاً لقاء ما تتلقاه حتى ولو كانت ثورية الادعاء يسارية الميول.
الشعب الذي لا تحتاجه السلطة هو عبء يمكن إسكاته بالرشوة المقتطعة من النفط، المنّة التي أنعم الله بها في باطن الأرض. لكنها منّة تقع في يد الدول الامبراطورية، تأخذه وتكرره وتستخدمه. ولا تترك من قيمته الا القليل للدولة الاستبدادية. الدولة الاستبدادية، دولة العائلة التي تجيد استخدام المذهب من أجل إسكات الشعب الذي صار عبئا على الدولة لا مصدر العمل والسلطة. وإذا احتج الشعب يمكن تغييره، وهذا ما يفسر ظاهرة وجود عدد كبير من العاملين الآسيويين من غير العرب بكثرة في شبه جزيرة العرب، حتى تكاد الجزيرة تصبح غير عربية ديموغرافياً.
المذهب لا مشكلة لنا معه كمذهب، هناك كثير من المذاهب الإسلامية العربية الأكثر او الأقل تشدداً، الامبريالية يمكن التغلب عليها في حرب تحرر وطنية، الاستبداد يمكن إسقاطه كما برهنت الثورة العربية. لكن التقاء كل هذه العوامل في لحظة تاريخية جعل ممكنا الجمع بين السماء والأرض، في علاقة متينة شديدة التماسك، ما أدى إلى إغلاق العقل العربي. هذا الاغلاق للوعي العربي هو ما تواجهه الثورة العربية، وهو ما يفترض القضاء عليه لإنتاج مجتمع مفتوح يكون العقل فيه حراً، حراً في النقد والاقتباس وانتاج أفكار جديدة (جديدة في مجتمعنا، وليس بالضرورة جديدة في العالم)، خلق مجتمع مفتوح هو ما تفعله الثورة العربية، وهذا ما يخيف قوى الاستبداد العربية، بجميع أشكاله، وهذا ما يخيف الامبراطورية فتحاول الالتفاف عليه. وهذا ما يشكل نقطة القوة عند المجتمع العربي الثائر.
 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات