بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
سياسات لضبط السلاح!
  01/04/2012


سياسات لضبط السلاح!

ميشيل كيلو

مع استمرار وتصاعد الحلول الأمنية التي يعتمدها النظام لقهر شعب سوريا المظلوم، الذي يطالب بحريته وحقوقه، ومع بروز دور الجيش السوري الحر كطرف رئيسي في المعارضة المسلحة، واتساع معارك جيش النظام الرسمي ضده، ومعاركه هو ضد هذا الجيش، ومع انتشار السلاح وما يؤدي إليه من عسكرة حراك شعبي بدأ واستمر مدنيا وسلميا لفترة طويلة، وبعد ظهور عناصر مسلحة غامضة الهوية والدور يظن أنها متطرفة وأصولية ولا يعرف أحد لمن تعمل أو من تخدم، وبعد التداخل بين هذه الأطراف وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج غير محسوبة أو مسيطر عليها، صار من الضروري أن ترسم حاضنة سياسية للعمل المسلح، كي لا ينفلت من أي ضوابط، ويخرج عن الأهداف والقيم الحاكمة للحراك الشعبي والمجتمعي، التي يؤدي تجاهلها إلى إلحاق ضرر بالشعب وقضيته يفوق كل ما يمكن أن يسديه السلاح له من خدمات.
لم يكن السلاح رهان الانتفاضة الشعبية السورية عند انطلاقتها، بل كانت السلمية هي رهانها، وقد صدحت بالكلمات والشعارات السلمية حناجر عشرات ملايين السوريين طيلة معظم أشهر الانتفاضة الأولى، رغم ما واجه المتظاهرين من إطلاق نار مستمر وأعمى، وما نجم عن العنف الرسمي من قتلى وجرحى ومقعدين تزايدت أعدادهم بلا انقطاع، بينما تعرض الأحياء من المواطنين لعمليات تنكيل لا حدود لفظاعتها، وخضعت ممتلكاتهم لعمليات تدمير منهجي استهدف القضاء على موارد عيشهم ومصادر رزقهم. كانت السلمية صنو الحرية وقرينها، وكان السلاح منبوذا ومستبعدا من الفعل النضالي الشعبي الواسع والمتشعب، بينما كان ضغط النظام على المتظاهرين يرمي إلى تحقيق الهدفين الرئيسين التاليين:
- فك تحالف المجتمع الأهلي مع المجتمع المدني، على أمل أن يفضي ذلك إلى جنوح الأخير، الذي هو حامل الحراك والتمرد الشعبي الحقيقي، نحو التطرف المذهبي والصراع الطائفي.
- دفع المجتمع الأهلي إلى التسلح وممارسة عنف مضاد لعنف السلطة، تهميشا لدور كتل المواطنين الرئيسية، وخاصة منها أولئك الذين ينتمون إلى المجتمع المدني وقيمه.
وقد صمد أبناء الشعب طيلة أشهر الانتفاضة الستة الأولى لضغوط العنف الرسمي، وامتنعوا عن الانسياق وراء هاتين النزعتين القاتلتين. لكن استمرار وتصعيد الأعمال الأمنية وما رافقها من فظاعات تقشعر لهولها الأبدان، ألجآ أعدادا متزايدة من هؤلاء إلى التسلح دفاعا عن أنفسهم وممتلكاتهم. ومن الثابت أن أول ظهور للسلاح في حمص كان في الشهر الرابع من التظاهر، وأنه عبر عن نفسه من خلال مسدسين رفعهما متظاهران وسط حشد هائل ضم مئات آلاف المواطنين.
غير أن السلطة كانت تزيد في هذه الأثناء عملياتها المسلحة وتحولها من حل أمني إلى حل عسكري إلى حل منفلت من أي عقال، نشر أمنها وجيشها وفرق الموت غير الرسمية في كل مكان، كانت نتيجته طلبا متزايدا على السلاح، الفردي غالبا، المخصص للدفاع عن النفس والأهل، وبما لا يتضمن عمليات تتجاوز النطاق الشخصي والمحلي الخاص. حين بدأت عمليات الانشقاق عن الجيش وتصاعدت، وأعلن عن تشكيل «الجيش السوري الحر»، ألزم هذا نفسه بأمرين:
- عدم القيام بعمليات تتخطى الدفاع عن المواطنين وحمايتهم.
- عدم مهاجمة الجيش الرسمي، لخطورة ذلك على السلم الأهلي وتجنب الوقوع في فخ النظام، الذي خطط لاقتتال أهلي وعسكري يحرف الانتفاضة عن أهدافها ويقلص قاعدتها الشعبية ويثير السوريين بعضهم ضد بعضهم الآخر.
واليوم، وقد صار هذا كله وراءنا، بعد أن قوض العنف الرسمي الكثير من طابع الحراك السلمي، وأعادت السلطة احتلال مدن وقرى سوريا كي تمنع الشعب من التظاهر، تمس الحاجة إلى أسس يعتمدها حملة السلاح من أبناء الشعب، أهمها:
- خضوع العمل المسلح للعمل السياسي وليس العكس، وخضوع المعارضة المسلحة للمعارضة السياسية ولخطها العام، وعدم الانجرار إلى العسكرة، التي تعني رؤية الانتفاضة الشعبية من خلال فوهة البندقية وإخضاعها لها ووضع كل الجهود في خدمتها. لتوفر هذا الشرط الرئيسي لوحدة الكفاح الشعبي السلمي والمسلح، الجماهيري العام والعسكري التخصصي، لا بد من بلورة رؤية سياسية واضحة يتوفر لها إجماع وطني لا شك فيه ولا خلاف عليه، من واجب المعارضة إنجازها إن كانت تريد حقا قيادة معركة متشعبة معقدة تجمع الحراك السلمي الشعبي إلى المقاومة المسلحة المنظمة.
- امتناع السلاح القطعي عن خوض أي معارك طائفية، وعن الانخراط في أي عمليات صغيرة أو كبيرة تقوم على أو تؤدي إلى التمييز بين المواطنين، وامتناعه عن تقليد النظام، سواء من حيث طلب العنف لذاته، أو لترويع المواطنين ودفعهم إلى مغادرة بيوتهم أو أماكن عيشهم، أو انتزاع ممتلكاتهم، أو الاعتداء عليهم بسبب انتماءاتهم ومعتقداتهم، والالتزام المطلق بسلوك لا محيد عنه يرتكز على احترام حياتهم، واعتبارهم أصحاب حقوق مقدسة لا يجوز انتهاكها، أهمها قاطبة حقهم في الحياة والأمن والكرامة والحرية والاختلاف.
- صيانة وحدة الدولة والمجتمع والامتناع عن أي فعل يناهضها أو يمس بها تحت أي ظرف ولأي سبب. هنا، لا بد من التمييز بين مؤسسات تابعة للدولة لا يجوز أن تمس، ومؤسسات تابعة للسلطة، وخاصة تلك القمعية منها، ولا بد من رفض التفريق أو التمييز بين بنات وأبناء المجتمع في كل ما يتعلق بحرياتهم وعقائدهم وانتماءاتهم وحقوقهم، بمن في ذلك العاملون منهم في النظام، الذين يجب احترام حياتهم وكرامتهم الإنسانية وحقوقهم، إن هم وقعوا في الأسر أو بعد سقوط النظام. لن تنتصر انتفاضة الشعب إن وقع تمييز طائفي أو إثني بين المواطنين، أو تم النظر إلى من ليس من الثوار باعتباره عدوا يجب القضاء عليه أو إخراجه من المعركة، أو رأى حملة السلاح في أملاك الشعب رزقا مباحا لهم، أو اعتبروا القمع والعنف سبيلهم إلى كسب القبول والولاء.
- الحرص على اتباع مدونة أخلاقية رفيعة القيم نزيهة الممارسات، فلا اختطاف ولا اغتصاب ولا قتل عشوائي ولا اعتداء على كرامات وممتلكات الناس، ولا عداوة مسبقة أو بالجملة لأي جهة، ولا احتماء بالعزل، ولا معارك لا تنضوي في سياق سياسي وطني، ولا تسيب بل انضباط صارم يقوم على إطاعة الأعلى رتبة وتنفيذ أوامره، واحترام كرامة وحياة الأدنى رتبة، والتفاني والشجاعة والزهد، والإيمان بأن المقاتل مواطن يلبس بزة عسكرية وليس كائنا أسمى أو مختلفا عن غيره، وأن وضعه وقتي وعابر، وأن المواطنة نفسها تلزمه باحترام معايير السلوك العسكري، التي لا بد من أن تكون وطنية وإنسانية في كل ما يتعلق بتطبيقها ومقاصدها.
- الإيمان بأن الحرية أقوى سلاح يمتلكه الإنسان في قتاله ضد الطغيان والاستبداد، وأنها أمضى ما لدى المحروم والمظلوم في مواجهة الفاجر والظالم، لأنها قيمة عليا جامعة يجب أن يلتف أبناء الشعب جميعهم حولها، وعلى رأسهم المقاتلون منهم، كي لا يخونوا أمانة النضال ويمتنعوا عن التخلي عن سلاحهم بعد نهاية المعركة وسقوط النظام.
ليس السلاح بغية الشعب أو مطلبه. إنه من الخيارات التي أجبره النظام على اللجوء إليها دفاعا عن نفسه، فلا يجوز أن يستعمل لغير الدفاع والردع، ويستخدم حيث توجد وسائل وأدوات أخرى تؤدي وظائفه. ومن غير الجائز أن يستهدف إلغاء النزعة السلمية لدى المتظاهرين أو أن يحل محلها، أو أن يخرج عن إطار الحرية: الهدف المجتمعي والوطني الجامع.
بالتزام هذه الأسس وما يشابهها، لن يوقع السلاح أي قدر من الضرر بالحراك، وسيكون بردا وسلاما على المواطنين، الذين يكويهم ويشويهم بسلاح اشتراه الشعب ليحميه، لكن النظام سخره لنشر الموت والرعب في كل مكان من أرض وطنه.
الشرق الاوسط

                   طباعة المقال                   
التعقيبات