بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
عن ابراهيم الراعي ورفاقه.. أو كيف يتم تجاوز القدرة الإنسـانية؟
  10/05/2012

عن ابراهيم الراعي ورفاقه.. أو كيف يتم تجاوز القدرة الإنسـانية؟

 سيف دعنا*عــ48ــر

إلى عبد الهادي الخواجة الذي كسر حدود حاجز الممكن إنسانيًّا

إذا كان قارئ هذه السطور من الذين ولدوا في، أو بعد، آذار 1986، فإنّ عمره سيكون أقل، ربما بسنوات، من سنوات الأسر التي قضاها حتى الآن رشدي حمدان محمد أبو مخ (50 عاماً)، إبراهيم نايف حمدان أبو مخ (52 عاماً)، وليد نمر أسعد دقة (52 عاماً)، وإبراهيم عبد الرازق أحمد بيادسة (51 عاماً)، لكنّه سيكون في هذه اللحظة أكبر عمراً منهم، ربما بسنوات أيضاً، وقت اعتقالهم في عملية بطولية، لا يزال وسيبقى نموذجها يؤرق الكيان الصهيوني.
اللافت في قصة هؤلاء الأبطال أنّهم جميعاً من باقة الغربية من فلسطين المحتلة 1948، وبالتالي هم دليل حي، باللحم والدم والسنين والأعصاب والأهل، على أنّ قضية فلسطين هي قضية واحدة، وأنّ كل من يَفْصِل بين الشعب الواحد أو يُقَسِّم الأرض، إما واهم، وإما فعلاً لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، من هم الأسرى الفلسطينيون. اللافت أيضًا، أنّ هؤلاء الأبطال، الذين دخلوا، قبل شهر تقريبًا، عامهم السابع والعشرين في الأسر، يقضون جميعًا حكمًا بالمؤبد/ مدى الحياة لإقدامهم، كما تم اتهامهم، على اختطاف الجندي الصهيوني (موشي تمام) في 1985 في محاولة لتحرير الأسرى، ثم قتله لاحقًا.
والاحتلال الصهيوني كان يربط بين هؤلاء الأبطال وبين الشهيد إبراهيم الراعي، أبو المنتصر كما يسميه رفاقه. والراعي هو أكثر من أسير وأكثر من شهيد. هو واحد من أولئك الأبطال القليلين في تاريخ الشعوب المضطهدة الذين كسروا الحاجز الذي كان الناس يعتقدون قبلاً أنّه يشكل حدودًا نهائية للقدرة البشرية، يعجز الإنسان عن تجاوزه، فصنع نموذجًا أسطوريًّا أقلق الكيان الصهيوني الذي قرر اغتياله في الأسر في 11 نيسان 1988.
فبعد أكثر من أحد عشر شهرًا في زنازين التحقيق والتعذيب المتواصل (التحقيق وليس الاعتقال)، وهو رقم قياسي غير مسبوق للتحقيق المتواصل، لم يعجز فقط محققو الكيان الصهيوني عن انتزاع كلمة واحدة من الراعي، بل فوجئوا بأنّه بَدَلَ أن ينكسر حين تتم مواجهته بمن اعترف عليه تحت التعذيب، قرر من اعترف سابقًاً سحب اعترافه والتراجع عنه. بعدها، أصبح الراعي ملهمًا لجيل كامل من المناضلين الفلسطينيين الذين تبنوا شعار "الاعتراف خيانة"، وأصبح الصمود هو الظاهرة والاعتراف هو الاستثناء، وأصبحت الأغنية المفضلة في أقسام الأشبال، جيل الثوار الجديد، حينها: "اصمد، اصمد يا رفيق، مثل الراعي في التحقيق."
لذلك، فحين تكتب الأجيال العربية القادمة تاريخ المواجهة مع الكيان الصهيوني ستفاجأ بأنّ الأجيال التي سبقتها، وإن كانت على حق في طباعة وقراءة يوليوس فوتشيك "تحت أعواد المشنقة"، مذكرات تشي غيفارا وكراسات الحرب الشعبية، وفي غنائها لجياب وهوشي منه، وقراءتها وإعجابها ببطولة بوبي ساندز ورفاقه، فإنّها ظلمت بطلاً عربيًّا مثل إبراهيم الراعي، كَسَرَ ما كنا نظن أنّه حدود القدرة الإنسانية المنيع الذي لا يمكن تجاوزه أبدًا، ومقاومًا عربيًّا عبقريًّا فذًّا مثل عماد مغنية، اخترع فكرة الحرب الهجينة التي كسرت "أقوى جيش في المنطقة"، وأبطال أسرى دخل إضرابهم عن الطعام شهره الثالث.. وحين تكتب الأجيال القادمة عن تجربة الأسر وتسرد تفاصيل بطولات الأسرى في سجون الصهيونية، لن تستطيع تفسير إعلان القيادة الفلسطينية للهزيمة في اتفاقية أوسلو. ربما لم يعرفوا شيئًا عن هذا العالم، فهم لم يكونوا هناك، وأبناؤهم لم يكونوا هناك، وأقرباؤهم لم يكونوا هناك. وربما لو امتحنّا بعضهم، فلن يستطيعوا حتى ذكر أسماء ثلاثة أسرى، كما قال الأسير وليد دقة.
أقصر من ذاكرة السمك، أطول من ذاكرة الفيل
"سيظل الانسان أسيرًا في غرفة مغلقة يُفْتَحُ فيها الباب سحبًا إلى الداخل، طالما لا يخطر له أن يسحب الباب بدلاً من دفعه"، يقول الفيلسوف النمسوي لودفيغ فيتغنشتاين. ورغم رمزية المعنى الذي ابتغاه فيلسوف المنطق وصاحب "أطروحة منطقية ـــ فلسفية"، من هذه العبارة قد يبدو للوهلة الأولى أنّه ينطبق تمامًا وحرفيًّا على تعامل القيادات (بالألف والتاء) الفلسطينية مع قضية الأسرى الفلسطينيين والعرب، وعلى مدى تجاهلها لدروس عمليات تحريرهم السابقة، القريبة والبعيدة. وقد يبدو، للوهلة الأولى أيضًا، أنّ العبارة تنطبق كثيرًا كذلك على كل سلوك ومنطق القيادات الفلسطينية، لأنّها لا تزال تصر على منطق "دفع الباب" وترفض حتى التفكير بمجرد سحبه في كل شيء، وليس في موضوع الأسرى فقط.
لكن تحرير الأسرى، وبعكس فتح باب فيتغنشتاين، وبسبب التجربة الطويلة والدروس المتراكمة منذ أكثر من أربعة وستين عامًا، وأكثر من ثلاثين عملية تحرير للأسرى، كانت أولها في 1948، لا يحتاج حقًّا إلى الكثير من الخيال والإبداع، ولا يحتاج حتى إلى الذاكرة الطويلة. يحتاج فقط إلى غير منطق القيادات الفلسطينية في معالجتها لكل الأمور، والذي هو أقرب حقاً إلى المثل الشعبي "عنزة ولو طارت"، منه إلى وهم دفع الباب. فقبل أقل من ستة أشهر فقط، تم تحرير أكثر من ألف أسير فلسطيني بمنطق "التوقف عن دفع الباب وتجربة سحبه"، ووجد البعض الوقت ليهاجم ما حصل، مدّعيًا الحرص على إطلاق عدد أكبر لأنّ تجربتهم في المفاوضات كشفت لنا عن عبقرية لم نكن نعرف عنها مسبقًا.
وفي الأمس القريب أيضًا، في تموز 2008، حرر حزب الله في "عملية الرضوان"، ما تبقى من الأسرى اللبنانيين ومئات من جثث الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب بعد تحرير القسم الأكبر منهم في 2004.
لكن، إذا كان البعض لا يزال بحاجة إلى دليل مبسط، على شاكلة "كيف تحرر الأسرى للأغبياء": ثلاثون عملية تحرير أسرى منذ 1948،وآخرها قبل أقل من ستة أشهر، كانت ممكنة الحدوث فقط لأنّه كان بحوزة العرب أسرى صهاينة. تحتاج الفصائل الفلسطينية كلّها إلى مسؤولين بذاكرة أقصر من ذاكرة السمك لتنسى ذلك. دمهم وعمرهم في رقابكم، فذاكرة شعبنا أطول من ذاكرة الفيل.
جلجلة أيوب الفلسطينية
في مقدمة ترجمته لمجموعة محمود درويش "حالة حصار" للغة الانكليزية، يذكر منير العكش أنّ الجلجلة الأولى في التاريخ حدثت في فلسطين.. فالفولكلور الشعبي الفلسطيني يذكر أنّ امتحان النبي أيوب، رمز الصبر الهائل ودلالة المعاناة الطويلة، حدث في قرية الجورة الفلسطينية (حوالي عشرين كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة).
دلالات القصة وعلاقتها بتاريخ وواقع الفلسطيني عميقة إلى درجة أنّها ألهمت مجموعة "حالة حصار"، فقارؤها يمكنه في كل سطر "سماع الألم"، أن يعقد قلوب الفلسطينيين ببعضها، كما يقول العكش، فهنا: "بعد أَشعار أَيّوب لم ننتظر أَحدا."
هكذا فقط يمكن فهم تجربة الأسْر الفلسطينية في ما سماه الأسرى الفلسطينيون "الأكياس الحجرية"، أكياس حجرية، لمن لا يعرفها، تنخر رطوبتها العظم واللحم لتبقى معك التجربة إلى الأبد وكأنّها وشم على العظم. وهكذا فقط يمكن فهم تجربة أكثر من مئتي شهيد فلسطيني سقطوا في الأسر منذ 1967 (وهذا الرقم المخيف لا يشمل الكثير من الذين أعدموا بدم بارد في أعقاب اعتقالهم، أو الأسرى الذين استشهدوا بعد تحررهم بقليل، إما بفعل تأثيرات السجون الصهيونية أو بالاغتيال أو أثناء المقاومة، أو المئات من الشهداء الذين لا تزال أجسادهم معتقلة في مقابر الأرقام وثلاجات الموتى). وهكذا يمكن أيضاً فهم الإصرار البطولي للذين استشهدوا في معارك الأمعاء الخاوية السابقة، للاستمرار حتى النهاية مثل عبد القادر أبو الفحم، راسم حلاوة، علي الجعفري، أنيس دولة، إسحق مراغة، وحسين عبيدات. وهكذا فقط يمكن فهم صمود خضر عدنان، هناء الشلبي، بلال دياب، وثائر حلاحلة، حسن الصفدي، عمر أبو شلال، محمد التاج، ومحمود سرسق ودخول إضراب بعضهم عن الطعام شهره الثالث. هكذا فقط يمكن فهم كيف يكسر الأسرى الفلسطينيون حدود حاجز الممكن بشريًّا.
ربما لا يعرف كل الأسرى تلك الرواية الفولكلورية الفلسطينية عن النبي أيوب، لكن كلهم اعتقدوا، منذ ولادتهم، بحكمة فلسطينية وعربية قديمة رددها محمود درويش في "حالة حصار" :
"أَن تُقَاوِم يعني: التأكُّدَ من صحّة القلب والخصْيَتَيْن، ومن دائكَ المتأصِّلِ:
داءِ الأمل"
ضد العسكر وضد الدولة

لا يعرف الكثير من إخواننا العرب قصة "غبيشي وحسنة" الفولكلورية التي يتغنى بها الفلسطينيون والأردنيون في أعراسهم ومناسباتهم وحروبهم، ويختلفون عليها أيضاً، وكل منهم ينسبها إلى بلده ـــ وكأنّ غبيشي وحسنة أصلاً عرفا هذه الحدود أو اعترفا بها، أو كأنّ قصص الحب عند العرب ما بعد سايكس ـــ بيكو غير ما قبله. لم يعتقد غبيشي العربي اللقاحي المتمرد على كل بُنى السلطة بضرورة اختراع تاريخ جديد ومنفصل للأردن أو فلسطين أو أي وطن عربي يُعاد فيه تركيب التاريخ لتبرير حاضر التقسيم الذي صنعه الاستعمار. ولم يعتقد غبيشي بشخصية قطرية يتم اختراعها لتبرير العنصرية ضد الفلسطيني من أصحاب شعار "القطر أولاً". لم يقلقه وطن بديل لأنّ الأوطان لا يمكن أن تستبدل (حتى بالجنة)، بل أقلقه وطن مسروق ومنهوب وشعب مظلوم ومقهور.
وأُغنية المطاردين المفضلة "حَيِّد عن الجيشي يا غبيشي" تروي حكاية غبيشي وحسنة، وهي، ربما، من أروع القصص العربية المماثلة، فهي حقيقية وحديثة العهد، وهي أيضًا أكثر من مجرد قصة حب جميلة، وأكثر من قصة تمرد وثورة على التقاليد والقبيلة والسلطة والدولة والاستعمار.
هي قصة تعكس جانبًا مهمًّا من السيكولوجية ـــ الاجتماعية العربية المتمردة التي نشاهد بعض تجلياتها اليوم في السجون الصهيونية. ولقد آمن غبيشي، كما يبدو من إصراره على مواجهة الجيش والدولة وحيدًا، أنّه لو كان الإقدام على المواجهة والقتال محكومًا ومشروطًا بالتكافؤ في القوة والتساوي في القدرة على ممارسة العنف، لكانت الإنسانية كلّها لا تزال تقبع حتى اليوم في عبودية القوي والمتغطرس. لكن جرأة القلة المتمردة دومًا على المواجهة اللا متكافئة هي التي تصنع التاريخ، وهي التي تكسر وهم قوة الطغيان وتفضح للآخرين بشاعة الاستسلام والخضوع. ففي هذا النوع من المعارك يَنْتَصِرُ الطرف المُجَرّدُ من كل سلاح، ويُهْزمُ فيها الطرف المُسلح حتى الأسنان بمجرد ولمجرد وقوعها.
يرفض غبيشي المطارد من قبيلة حسنة القوية ومن الجيش (بقيادة "غلوب باشا" الذي يتهكم عليه غبيشي "بأبو حنيك" لرصاصة أصابته في حنكه) والدولة، أن يهرب، "يحيد" عن طريق الجيش الذي يتعقبه ويصر على المواجهة:
"ما حيد عن الجيشي لويشي
واللي يعادي غبيشي يا ذله"
قصة غبيشي هي قصة فولكلورية أخرى تكشف تلك الطبيعة العربية المتمردة والرائعة التي نحتاج إليها ونحتاج إلى تفجرها اليوم لتحرير الأسرى، وتكشف مدى احترام الناس والتاريخ لهذه النماذج حين أصبحت فولكلورا يتغنى بها أهلنا في أعراسهم وحروبهم. هي قصة كل أسير فلسطيني وكلّ مقاوم وكل ثائر عربي.. هي قصة كلّ من يرفض الذل ويدفعه إحساسه العالي بالكرامة الإنسانية إلى المواجهة غير المتكافئة، وامتحان حدود حاجز الممكن إنسانيا، رغم الموت المحقق الذي يمكن أن ينتظره:
"ونعيش طريدة ولا مذلة
ولا نقول له سيدي ولا نخضع له
ما يهمني العسكر ولا الدولة
وبيدي إم كركارة وإلها صوله"
كيف تتخلص من الوحل بخطوة واحدة
كان الشهيد غسان كنفاني، كما جاء على لسان أم سعد وابنها، يؤمن بأنّ الحل لا يكمن في أن يكتفي الفلسطيني بجرف الوحل في المخيم بعد المطر، بل عليه أن يسد مزراب السماء.. جاء في رواية "أم سعد" (الآثار الكاملة، المجلد الأول، ص: 271 - 272) الحوار الآتي:
"أنتِ تشعرين بالتعاسة لأنّك تعرفين بأنّ المطر سيستمر طوال النهار، وستعملين في جرف الوحل طوال الليل. تعالي اجلسي. لا تسمحي لكل ذلك أن يهدمك". جَلَسَتْ وَتَنَفَّسَتْ الصعداء مثلما يفعل الإنسان حين يريد أن يهيل على الغيوم السوداء في صدره هواء نقياً:
"لا، يا ابن عمي. أتعرف ماذا كان يفعل سعد حين يطوف المخيم؟
كان يقف ويتفرج على الرجال وهم يجرفون الوحل، ثم يقول لهم: ذات ليلة سيدفنكم هذا الوحل."
ومرة قال له أبوه: "لماذا تقول ذلك؟ ماذا تريدنا أن نفعل؟ هل تعتقد أنّه يوجد مزراب في السماء وأن علينا أن نسده؟ وضحكنا كلنا، لكنني حين نظرت إليه رأيت في وجهه شيئاً أرعبني، كان منصرفًا إلى التفكير وكأن الفكرة راقته، كأنه سيذهب في اليوم التالي ليسدّ ذلك المزراب. ثم ذهب؟ ثم ذهب."
* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ــ بارك سايد.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات