بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
الى الأسير الفلسطيني وليد دقة
  16/05/2012

الى الأسير الفلسطيني وليد دقة

نبيه عواضة


اسكب القليل من الملح في كوب الماء، خضّه جيدا قبل أن ترفعه للمستوى الذي تستطيع فيه يداك رفعه كي يصبح عاليا، شامخا وشاهقا. ارفعه احتفاء بما أنجزتموه.
وليد...
بأية ضحكة لاقيت الأسرى لتعلن لهم نجاح التفاوض ونجاح الإضراب، وأنت قد اعتدت ذلك على مدار سنوات، فكنت بارعا في قيادة المهمة الأصعب في السجون: التفاوض على مطالب أهم خطوة أقدم عليها الأسرى، وهي الإضراب المفتوح عن الطعام، أو ما نسميه «حرب الأمعاء الخاوية».
أنت خارج قضبان غرفتك الآن تجوب بين الزنازين لتبشّر الأسرى بما تحقق: إنهاء العزل الانفرادي، إنهاء الاعتقال الإداري، تحسين الظروف اليومية للأسر، مدة الخروج إلى باحة السجن، التفتيش العاري للأهل، واستعادة بعض الإنجازات التي تحققت في إضرابات سابقة، كمشاهدة التلفاز واستكمال الدراسة في الجامعات.
وليد، يا ابن باقة الغربية، هل توقفت عن إشعال السيجارة الواحدة تلو الأخرى؟ بعد الانتهاء من الإضراب أصعب من الإضراب نفسه، فلا تعرض حياتك الواقعة في الخطر إلى خطر إضافي، فالأسرى ينهالون عليك بالأسئلة وهم جياع. هم جياع لا للطعام كما خيل لهم طوال فترة الإضراب، لدرجة صاروا يحلمون فيها باحتساء الشوربا (الزوربيحة حسبما يسميها الأسرى، والتي عادة يمتنعون عن تناولها نظرا لثقلها على المعدة)، بل هم في هذه اللحظة أشبه بالأطفال الذين ينتظرون هدية العيد بعد طول انتظار.. انتظار محفوف بالموت والمرض، وقد دب فيهم النشاط فقفزوا من أسرّتهم الحديدية إلى باب الزنزانة وشباكها الوحيد ليسمعوا منك ما تحقق... حيوية عادة ما تخبو في اليوم الخامس عشر للإضراب، فما بالك باليوم الخامس والعشرين...
وأنت الذي أمضيت حتى الآن ربع قرن وبضع سنوات في المعتقل، كيف قويت على عراك التفاوض المرهق في ظل إضراب يفتت خلايا الجسد ويضعه على سكة الهلاك؟ كيف تكون ذاهبا للموت ولا ترى أمامك إلا الحياة؟ حياة انتزاع العيش بكرامة داخل الأسوار لا الحياة خارجها بحرية لا تخلو من الذل الذي يطال كل شيء، نغدو بها مقيدين بسلاسل تحاصر أحلامنا حتى!
كم أنت جميل حيث أنت يا وليد. كم بشعة حريتنا وأنتم ما زلتم هناك. كم هو رائع ما فعلتموه وسط الفوضى والانقسام والاقتتال والتعصّب. إنها معركتكم الأولى، وكل ما كان في السابق كأنه لم يكن أمام حجم التحدي... عرب منقسمون لا يجيدون إلا لغة قتل بعضهم البعض وهم جبناء أمام العدو... أبناء قضية نسوا قضيتهم ونسوا أسماء أجدادهم ومدنهم القديمة، فلا ضرر إن قلنا إنهم نسوكم أيضا...
أحصينا لكم عدد المتظاهرين في شوارع اسبانيا.. أحصينا أيضا نساءكم وأطفالكم وإخوانكم ورفاق دربكم من الأسرى المحررين... لكن اعذرونا لأننا لم نتمكن من إحصاء شارع عربي واحد يتحرك ويهتف لكم.
كم جميل حيث أنت يا وليد وكم قبيحة حريتنا دونكم يا رفيقي.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات