بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
خولة دنيا: لعبت المعارضة التقليدية دورا سيئاً كذلك من خلال تجاهل دور ا
  29/05/2012

خولة دنيا:عن المرأة السورية في الثورة وما بعدها

عمر الأسعد | موقع منظمة سوريات من أجل التنمية الإنسانية


الكاتبة والناشطة السياسية خولة دنيا: لعبت المعارضة التقليدية دورا سيئاً كذلك من خلال تجاهل دور المرأة

تؤكد أن الثورة “مؤنثة”، وإذا كانت الثورة مؤنثة فهي تجزم أن “الثورة السورية أنثى”، الكاتبة والناشطة السياسية السورية خولة دنيا، واحدة من الأسماء النسائية التي عرفتها الثورة السورية منذ يومها الأول، كما يعرفها تاريخ العمل المعارض أيضاً وهي المعتقلة السابقة والكاتبة الناشطة المعروفة بمقالاتها الناقدة للأوضاع السياسية والاجتماعية في سوريا، وإذ تنوه إلى أن العنف والعمل المسلح أبعد المرأة قليلاً عن ساحة الفعل في هذه الثورة، إلا أنها تستدرك لتذكّر بأدوار أخرى شهدت نشاطاً نسائياً ملحوظاً وتذكر بعدد الضحايا من النساء سواء كن شهيدات أو معتقلات.

كما تؤكد على أن العمل والنضال السلمي هو الذي يعطي المشاركة النسائية أبعادها الحقيقية.
عام مضى عرف فيه السوريون كثيراً من القتل والدم والموت، دعيني أعود معك بالذاكرة إلى قصة عشتها أو شاهدتها خلال نشاطك في الثورة، وتركت أثراً لديك حتى الآن كما لو أنها تحصل أمامك؟
كثيرة هي الصور التي تعود الذاكرة إليها، ولكن بالتأكيد الأكثر أثراً هو ما حصل في الأشهر الأولى عندما سافرت باتجاه الساحل.
كان ببالي استكشاف ما يقال عن العصابات المسلحة، وكانت بانياس مشتعلة حينها وكذلك اللاذقية، يومها ركبت برفقة أحد الأصدقاء باصاً متوجهاً إلى اللاذقية توقفنا قبل بانياس بقليل بسبب إغلاق الطريق من قبل الأهالي احتجاجاً على اعتقال أبناءهم… كانت النساء والأولاد قد رموا بالحجارة على الطريق الدولي مانعين مرور الباصات وبقوا على هذه الحالة أكثر من 24 ساعة متواصلة…
وقتها كان أمامنا أحد خيارين: إما العودة باتجاه دمشق أو طرطوس أو المغامرة بركوب تكسي عبر الجبال ملتفين حول بانياس… واخترنا الخيار الثاني… مررنا بكثير من الحواجز بما فيها ما سمي حينها باللجان الشعبية قبل وبعد كل قرية، كان القرويون مسلحين بسلاح بسيط: بواريد صيد، عصي… الخ. ولكن كان التوتر يملأ المكان، مضافاً إليه التعليقات والخوف وما أشيع عن العصابات المسلحة. استغرق الطريق أكثر من ساعتين لمسافة لا تستهلك أكثر من 10 دقائق. بعد أن تجاوزناها باتجاه اللاذقية انتبهت لكل ما قيل ومالم يقال… عن ضرورة إلغاء بانياس من الخارطة، وما سببته للبعض من إزعاجات، كما انتبهت لاحقاً إلى خوفٍ خفيٍ على صديقي الصليباوي وهي تهمة لم أنتبه لها إلا بعد حين… وبعد أن تم تداول هوياتنا لأكثر من 14 مرة خلال طريق قصير.
يشاهد العالم العائلات السورية وهي تنزح وتهرب من الموت أو وهي تسحب من تحت الأنقاض، هل لك أن تقدمي فكرة عن الوضع الإنساني والإغاثي في سوريا اليوم؟
خلال الأشهر الأخيرة، وبعد أن قرر النظام التخلص من عاصمة الثورة (كما أصبح يطلق على حمص)، استخدم سياسة التخويف والقتل والقصف العشوائي، أقرب تشبيه له هو (المدن المحروقة) حيث يتم القصف لأيام طويلة، بعدها الاقتحام من قبل الشبيحة ليترك هذا الاقتحام حالة صدمة لدى السكان، فهم يستخدمون أبشع الطرق والوسائل من اغتصاب وذبح وترويع وقتل)، تأتي بعدها مرحلة دخول الجيش حيث يتم امتصاص حالة النقمة لتقع على رؤوس أفراد الجيش، وبعدها يتم إدخال رجال الأجهزة الأمنية، لينتهوا بالاعتقالات ونهب البيوت وتدمير ما تبقى من الممتلكات.
هذه السياسة أدت إلى حالة نزوح هائلة تجاوزت مئات الآلاف من حمص وحماه وإدلب، قوامها النساء والأطفال أساساً بسبب خوف الرجال من الاعتقال والقتل…
لقد تم استيعاب النازحين بشكل رائع في المدن والأرياف الأخرى، حيث استطاع الأهالي الاعتماد على إمكانياتهم الذاتية في إيواء العائلات وتقديم ما يمكن تأمينه من احتياجات. غير أن استمرار الوضع وازدياد أعداد النازحين خلق مشكلة لا يمكن حلها بالعمل الأهلي لوحده، وذلك في ظل غياب الدولة عن القيام بأي جهد يمكن أن يخفف عن الأهالي، وحتى في ظل غياب المنظمات التابعة لجهات دولية (مثل الهلال الأحمر)، ومنع المؤسسات والمنظمات الدولية من الدخول لتأمين وتمويل احتياجات السكان.
كثيرة هي العائلات التي قدمت لا تملك سوى ما ترتديه من ملابس، حيث تم تأمين منازل مجانية لهم، وتأمين الملابس وحليب الأطفال والاحتياجات الخاصة بشكل لم نصدق حدوثه في سوريا، وهي البلد الذي يفتقد للمجتمع المدني ومنظماته الفاعلة، فكأنه ولد من جديد وتأسس وأخذ دوره.
علماً أن العمل الإغاثي والإنساني لم يتم تحييده من الملاحقة الأمنية، حيث دفع الناشطون أثماناً لقيامهم بدورهم الإغاثي هذا، من مثل الاعتقال، والقتل، ومصادرة المستودعات … الخ.
كذلك العائلات النازحة كانت مليئة بالخوف والرعب من احتمالات الاعتقال والترحيل من جديد.
عرفت الثورة السورية أسماء نساء وسيدات كثيرات، كيف تنظرين إلى مشاركة المرأة في هذه الثورة؟ وكيف تقييمين هذا الدور؟
إن كانت الثورة مؤنثة فالثورة السورية أنثى… بدا هذا واضحاً ومتجلياً منذ اليوم الأول للثورة من خلال مشاركة النساء بكل الأشكال وبكل أطيافهن ومن كل فئات المجتمع.
وإن كان دخول السلاح في الفترة الأخيرة، أبعد النساء قليلاً عن الساحة غير أن هذا لم يعني تحييدهن. حيث لعبت النساء كل الأدوار الممكنة: التظاهر – الاعتقال – الاستشهاد – العمل الاغاثي – الفكري – …. الخ.
المرأة ضامن للثورة في استمرارها بالسلمية كل هذا الوقت، كما أن المرأة دفعت ضريبة كبيرة لمشاركتها ووقوفها لجانب الثورة، حيث لوحظ العدد الكبير للشهيدات.
كما تم استغلالهن جنسياً من خلال الاغتصاب، كي يؤثروا من خلال هذا الأمر على مسار الثورة ولتحييد النساء منها لما لهذا الأمر من حساسية خاصة.
غير أن هذا لم يوقف النساء عن المشاركة والاستمرار في المشاركة، ولقد لعبن دوراً مهماً في العمل الإغاثي والتواصل مع عائلات النازحين، وتأمين احتياجاتهن، كما لعبن دوراً في المظاهرات والاعتصامات السلمية.
وظهرت الكثير من الأسماء الفاعلة في الثورة، وخلقن تشكيلات خاصة لدعم الثورة… كما برزن في العمل السياسي والتشكيلات السياسية التي ولدت خلال الثورة، وإن كانت هذه التشكيلات ذكورية في معظمها إلا أنها لم تستطع تجاهل مشاركة النساء الهامة في الثورة، ولا الدور الذي لعبته النساء فيها.
لدينا ناشطات سياسيات ومثقفات منخرطات في الثورة، ومن جهة أخرى تشارك المرأة على المستوى الشعبي أقصد سيدات بسيطات وربما غير متعلمات أيضاً يقمن بأدوار هامة في هذه الثورة، أيهن أكثر أثراً وأهمية برأيك؟
لا يمكن تجاهل الأدوار كافة لمشاركة النساء في الثورة: إن على المستوى الشعبي أو النخبوي.. فلكل دور مهم تقوم به، وإن كان العمل النخبوي يستمد مادته من العمل الشعبي والمشاركة الشعبية.
لذلك رأينا نوعاً مكن الاندماج والتأثير المتبادل بين العملين، ففي الوقت الذي استمرت المشاركة الشعبية بعفويتها، كان للنخبة دوراً في تحميل الشعبي لقيم ومفاهيم الثورة التي كانت بعيدة عنه.
فكان هناك دور في الرقي بشعارات الثورة، ونشر مفاهيم الدولة المدنية، والدولة التي يسعى الجميع لبنائها من خلال الثورة.
وبذلك تحولت الثورة من حالة رفض وغضب، إلى ثورة حقيقة، لها أهدافها وغاياتها وطموحها الواجب التحقيق.
هل لديك مآخذ على تعاطي المرأة مع الثورة، أو بالعكس أقصد تعاطي الثورة والثوار مع المرأة ومشاركتها في هذه الثورة؟
في حالة العمل السلمي والنضال السلمي، تأخذ مشاركة المرأة أبعادها ويلاحظ هذا من خلال حركة النساء على الأرض ومشاركتهن الفاعلة بكل الأشكال، ولكن يبدو أن الخيار العسكري والتسلح ليس من مصلحة المرأة لأنه يعني انكفاءها إلى الأدوار التقليدية كمساعدة للرجل وليس مشاركة في صنع الحدث.
لذلك لاحظنا مع انتشار فكر التسلح، تراجع للدور الرائع الذي لعبته النساء خلال الأشهر الطويلة للنضال السلمي.
ومع ملاحظة ما أنجزته النساء خلال الثورة وخاصة في أكثر البيئات محافظة، ندرك حجم ما تم تحقيقه، ونطمح للمزيد، ولكن هذا المزيد يحتاج لبيئة اكثر أمناً وسلامة لتكريسه، والعمل على تطويره.
من هنا نرى أن الثوار لم يكونوا لوحدهم وراء النكوص الحاصل في دور المرأة خلال الفترة الأخيرة، فمن جهة لعب النظام الدور الأسوأ على هذا الصعيد من خلال تكريس العنف والسلاح.
كما لعبت المعارضة التقليدية دورا سيئاً كذلك من خلال تجاهل دور المرأة ومحاولة كبحه والحد مما حققته.. فرأينا أن إقرارهم بالدور الرائع الذي لعبته المرأة السورية الثائرة، جاء وكأنه يتم سحبه سحباً من بين أيدي الرجال.
يظهر بعض المثقفين والنشطاء تخوفاً على مستقبل حقوق المرأة في سوريا خاصة إذا تقدمت التيارات الإسلامية والدينية في الساحة السياسية، كيف تنظرين إلى هذا الموضوع؟
حتى الآن لا تخوفات لدي، وإن كنا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل.
لا خوف لأن المعركة مازالت مستمرة، ويبدو طويلة الأمد، كما أن التحالفات التي تم تشكيلها للثورة، تضم قطاعات واسعة من المعارضة، الدينية منها والعلمانية. ولابد من الإقرار بأي نتائج تأتي فيما يلي من أيام، خاصة أن معركة بناء الدولة طويلة وتنمية المجتمع وبالتالي وضع المرأة في إطار القانون، يحتاج لصراع طويل قد يمتد لسنوات.
إنجازنا الحالي سيكون بإسقاط النظام، أما ما سيلي ذلك من تطورات فهي تحتاج لسنوات طويلة بين تيارات كما بين المرأة وحقوقها والقانون والمجتمع.
اليوم كيف تنظرين إلى مستقبل الثورة السورية ومستقبل سوريا معها في ظل غياب أي تصورات معقولة في الأفق؟
معركتنا طويلة… ليست لإسقاط النظام فحسب بل كذلك معركة بناء الدولة، والتنمية، وتجاوز كل ما خلفه الصراع من أحقاد وطائفية ظاهرة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وإن كان السوريون الثائرون نجحوا لليوم في استيعاب ألاعيب النظام ومحاولاته المستمرة لخلق الحرب الأهلية، إلا أن هذا لا يمكن ضمان عدم حصوله، وخاصة مع الموقف الدولي البارد تجاه القضية السورية، وعدم وجود ما يمكن الاستناد له في مواقف الدول الفاعلة والمؤثرة.
ولكن ما يعول عليه حقيقة، هو تأقلم السوريين مع انعدام الدعم، وبالتالي العودة الواضحة لطريق السلمية، بعد المرور بكل الفظائع السابقة، وكذلك روح الاستمرار ورفض العودة إلى الوراء مهما كان الثمن.
قد يكون مشوارنا طويل، والثمن الواجب دفعه كبير جداً، ولا أفق واضح للحل لحد الآن.


ولكن الأمل مازال موجوداً، والاصرار على إسقاط النظام والرغبة اللامتناهية في الانتقال لدولة من نوع مختلف حرمنا منها لعقود طويلة .ويبدو أننا لسنا على استعداد للتخلي عن الحلم مهما كان.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات