بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
عن حلب وأخواتها والـدهشـة
  01/08/2012



عن حلب وأخواتها والـدهشـة

فواز طرابلسي

أخطر ما نجح الإعلام المتعولم في إنجازه، بالتعاون مع الفهلوة المحلية، هو حرماننا ملكة الدهشة.
كل شيء معلوم وكل شيء مفهوم. خاصة عندما يكون في الأمر مؤامرة والمؤامرة دائماً «واضحة». واضحة إلى درجة أنها لا تحتاج إلى دهشة أو برهان أو وضوح.
ولكل حدث سبب. هكذا ببساطة، بمثل بساطة أن يكون لكل حادث حديث.
ولكل سؤال جواب. وتوجد أحياناً أجوبة لا أسئلة لها. وهنا تتجلى عبقرية المعلقين والمحللين والخبراء والسياسيين والأكاديميين والجيو ـ استراتيجيين.
فمثلاً، نحن محرومون من الدهشة إزاء الثورات العربية. فما الحاجة إلى الدهشة إزاء نزول عشرات الملايين من العرب إلى الشوارع في نصف دزينة من البلدان العربية بالتتابع، ملايين ترفع شعاراً يعلن إرادة مشتركة في إسقاط الحكام والأنظمة ويكرر مطالب متشابهة عن العمل والحرية والخبز والكرامة. الأمر عادي. وواضح الوضوح.
يحل الربيع العربي محل الدهشة العربية. والربيع لا يحتاج إلى شرح، ولا سببية له لأنه... طبيعي، أي لأنه فصل متكرر يعود كل عام في مواقيت معروفة، طبعاً حسب موقع البلد من خطوط العرض والطول. ثم أن الربيع يسمح بكل الألاعيب البلاغية الممكنة فيحل بعده خريف الخيبة، مثلاً، أو يطبق عليه الشتاء المظلم أو يعقبه صيف يريده الرئيس عمر البشير ملتهباً ليحرق ثوار السودان الشباب بلهيبه.
ولا بد من الاستطراد هنا والقول إن حرماننا ملكة الدهشة يترافق على نحو رائع مع نقيضه: إقناعنا بأن التحليل العميق يكون في البحث عن النوايا، وهي دائماً «مبيّتة». والبحث في النوايا هو الابن الشرعي للتربية الاستبدادية الأمنية حيث لا أهمية للقول أو التصريح أو الفعل، الأهمية هي لما وراءها من نوايا. والنوايا دائماً «وراء» وليست أمام لسبب ما. ومن حيث النوايا، فالكل مشبوه والكل متهم إلى أن تثبت... التهمة.
أقف أمام مشاهد الجثث والدمار والعويل والخراب في حلب وأدهش.
أدهش لكي لا ينعدم فيّ الإحساس الإنساني الأولي. وأدهش لكي أقول للتلفزيون: لن تستطيع أنت وأربابك أن تجعلني أعتاد على القتل والعذاب والظلم والكبت والقمع والاستغلال. مقاومتي أن أدهش وسوف أظل أدهش.
ولست أدهش لحلب وحدها. أدهش لحلب وأخواتها ـ درعا والرقة ودير الزور واللاذقية وحمص وحماه ودمشق وغيرها. أدهش كيف أمكن لنظام حاكم وقد تقلّص إلى حدود قبضة، حديدية ولا شك، أن يظل يمني النفس بأنه قادر على إحراز النصر في حرب يدكّ فيها مدن البلد الرئيسية واحدة تلو الأخرى، ويقتل الألوف، ويعتقل عشرات الألوف، ويهجّر مئات الألوف، وذلك بعد أن كرر عملته في معظم الأرياف والضواحي لسنة ونصف وأزود. من دون طائل، أو بطائل أفدح ما يكون من الأرواح والممتلكات والتفكيك في نسيج سوريا الإنساني والمجتمعي.
وأدهش أكثر فأكثر، كيف يمكن لرجال ونساء هذه القبضة من البشر المتبقية، أن تتصور أنها سوف تستطيع بعد هذا كله أن تعيش مع شعب عملت فيه كل تلك العمائل.
وتسوقني الدهشة ذاتها للتساؤل أي نظام هو هذا الذي درّب ويدرّب عناصره، من سياسيين وحزبيين ورجال أعمال وموظفين وأمنيين وعسكر، على تراتبيات في العلاقات في ما بينهم، وتراتبيات في العلاقات بينهم وبين شعبهم، تمر عبر نداء الرئيس لمرؤوسه بـ«ولاه» و«يا حمار». بل ازدادت دهشتي عندما شاهدت منذ أيام على الـ«يوتيوب» مشهداً لتحقيق في أحد معتقلات «الجيش السوري الحر» مع «شبّيح» يتعاطى معه الضابط «الحر» بالنداء ذاته والمسبّة ذاتها!
والدهشة هنا ألم.
ويتضاعف الألم مع المزيد من الدهشة. تعرف حروب القبائل والشعوب، قديمها والحديث والمعاصر، «الأشهر الحرم» يعلن خلالها المتقاتلون عن هدنات ينصرف خلالها كل طرف لشؤونه التي تتراوح بين الاعتناء بجرحاه وممارسة نشاطاته الاقتصادية والحياتية والتموّن للجولات المقبلة بالغذاء والسلاح والذخيرة، أكانت هذه الأخيرة
السيوف المهندة أم السهام المسمومة أم قذائف الـ«أر. بي. جي». وعلى حد علمي فإن شهر رمضان ينتمي إلى «الأشهر الحرم». والدهشة أنه لم يخطر لهذا الطرف أو ذلك في سوريا أن يقترح هدنة خلال هذا الشهر المبارك أو حتى أن يعلنها من طرف واحد على سبيل التكتيك والإحراج. جاء الإعلان عن «الشهر الحرام» موعداً لـ«النصر». أي لمزيد من الدمار والدماء. فعجبي. ثم عجبي. ودهشتي.
ولن تقف دهشتي عند هذا الحد.
فبعد أن عشتُ حربين أهليتين في لبنان، وعاينت عن قرب ثالثة مصغرة في جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، وتابعت حرباً رابعة عن بُعد في الجزائر، وقرأت ما تيسّر عن الحروب الأهلية الإسبانية والإيرلندية والراوندية، ودرّست مادة الحروب الأهلية عموماً، والحروب الأهلية اللبنانية خصوصاً، لخمس عشرة سنة ونيّف، لا أزال أقف مدهوشاً، بل مشدوهاً، أمام لغز قايين وهابيل. وهو «أبو الدهشات» وأمها، بسؤاله القاهر: لماذا يقتل الأخ أخاه؟ ولا عزاء لي أني لست الوحيد المتورّط في حالة التساؤل والدهشة هذه. فالكتب السماوية كلها، وقبلها ملحمة جلجامش الوثنية، تعود بالاجتماع البشري إلى تلك الجريمة التي تحب الأنثروبولوجيا أن تسميها «الجريمة التأسيسية»، وهي الجريمة التي يقال إنها وقعت في سهل البقاع، بين لبنان وسوريا المعاصرتين. ولا تزال هذه الزبور القديمة تحار جواباً: لماذا الفلاح قتل أخاه الراعي؟
عودة إلى عالمنا المعاصر.
بالأمس، أدلى السيد ليون بانيتا، المدير السابق لـ«السي. أي. إي» ووزير الدفاع الأميركي الحالي، بتصريح قال فيه إنه يجب أن يبقى الجيش السوري «متماسكاً» عندما يرحل الرئيس الأسد.
فلعل أحداً، ممن قرأوا أو لم يقرأوا عمودي يوم الأربعاء الماضي، يفسّر لي هذا التصريح ويحرّرني من عذابات هذه... الدهشة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات