بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من تجارب الشعوب >>
فتاة كفرسوسة التي أبكاها الرئيس عادت إلى عائلتها متخلية عن حجابها
  02/09/2012

فتاة كفرسوسة التي أبكاها الرئيس عادت إلى عائلتها متخلية عن حجابها

حازم الأمين



ليس أهل سمر ولا أشقاؤها من دفعها الى ارتداء الحجاب، فهي اختارت ذلك خلافاً لشقيقتيها اللتين لم تتحجبا. كان ذلك قبل نحو أحد عشر عاماً. لكن أشقاء سمر احتجوا عندما قررت الشابة قبل نحو شهر التخلي عن الحجاب، ذاك ان الخطوة مثلت لهم تراجعاً، ففي الشام يمكن كثيرات من بنات الطبقات المتوسطة ألا يتحجبن، لكن التخلي عن الحجاب فيه افصاح عن ضيق به لا تتسع له عائلات كثيرة.

قبل نحو ثلاثة أسابيع قررت سمر ان تتخلى عن حجابها. بدا الأمر غريباً ومستهجناً من عائلتها الدمشقية المقيمة في منطقة كفرسوسة. فترك الحجاب كان جزءاً من تغير بطيء وغير صاخب كان بدأ يصيب الشابة الثلاثينية منذ بدء «الأحداث» في سورية، لكن الخطوة الأخيرة جاءت غير منسجمة مع ما تتوقعه العائلة من ابنتها، لا سيما ان سمر، ما ان خلعت الحجاب، حتى أتبعت خطوتها بقرار قص شعرها قصيراً على نحو ما يقصه الشبان، مع الإبقاء على خصلة طويلة تقول انها كافية للقول انها بنت وليست صبياً. وسمر شابة ممن أعجبن بشخصية الرئيس السوري بشار الأسد عند تسلمه السلطة في سورية عام 2000. أُعجبت بفكرة ان رئيسها شاب وخاطب فيها وفي كثيرات من رفيقاتها شبابهن، وهي بقيت على اعجابها بالرئيس وصولاً الى «اليوم المشؤوم» كما تسميه سمر. انه يوم «خطاب الجامعة»، الذي تقول انه سخر فيه من الدماء المهدورة في درعا. وما ان سمعت سمر ما قاله الرئيس حتى دخلت الى غرفتها وبدأت تبكي. اتصلت بعمّها المغترب والذي يحب الرئيس أيضاً وأبلغته انها من هذه اللحظة ستكف عن حب الرئيس. أما عمّها الذي تقول انه بمثابة والدها فقد حاول تهدئتها عبر شرحه ظروف الخطاب، وان الأسد ليس المسؤول عما جرى في درعا.

في ذلك الوقت، أي قبل نحو سنة، تقول سمر انها لم تكن تعرف من السياسة إلا اعجابها بالرئيس وبزوجته، على رغم انها درست العلوم الاجتماعية وعملت فور تخرجها في احدى منظمات الإغاثة الدولية. ففي سورية لا مساحة لاختبار المعارف في العلوم الإنسانية سوى بعض المنظمات الدولية، أما حياتها الاجتماعية فلم تكن لتتيح للشابة غير صلات ببيئات مشابهة لبيئتها العائلية، وهو ما لا يمكن ان يُنوّع خياراتها.

لم يكن خلع الحجاب الخطوة التي أعقبت قرارها الكف عن «حب الرئيـس»، فـقد سبق ذلـك خـطوات بـطيئـة وغير جـريـئة امـتدت لنـحـو عام. الخطوة الأولى كانت خلعها صورة أمين عام «حزب الله» الـسـيد حسن نصرالله عن الثلاجة (البراد) المركونة في مطبخ منزلها (منزل ذويها). فهي كانت ألصقت الصورة في العام 2006، أي في أعقاب حرب تموز (يوليو). في ذلك الوقت أقدمت غالبية من السوريين على ذلك في منازلها. أُعجبوا بنصرالله، لا سيما من بينهم أولـئك الذين لم تربطهم بحزب البعث مودة وقناعة، وتحديداً الشباب منهم. فنصرالله بالنسبة الى هؤلاء ابن نظامهم الذي «ينتصر» لا الذي يُهزم. وهذه الشرائح العمرية لم تكن بينها وبين النظام خصومة مباشرة، لكن النظام لم يكن ليليق بأعمارهم وأوهامهم. نصرالله كان تعويـضاً، مثـلما كان بـشار الأسـد أيضاً فـي سـنوات حكمه الأولى.

تقول سمر انها توجهت الى المطبخ وشرعت بحف الصورة التي كانت أحكمت إلصاقها على البراد. وأول ما انتبهت اليه هو ان صدأ كان بدأ يظهر على حدودها، ذاك انها ألصقتها قبل نحو خمس سنوات. حاولت والدتها إقناعها بعدم نزعها، لأن ذلك قد يكشف الصدأ الذي تحتها مما سيضطرهم الى دَهن البراد من جديد، لكنها أصرت.

يبدو ان كثيراً من السوريين، من أبناء الطبقات المتوسطة، ألصقوا صور حسن نصرالله على البرادات في مطابخهم. في سراقب شاهدت ثلاثة برادات حُفت عنها صورة نصرالله، والغريب ان ثلاثتها كان باشر صدأ بالزحف الى أطرافها. ويقول أحمد انه اختار البراد للصق صورة نصرالله عليه لأن والده كان يضع في الصالون صورتي حافظ الأسد وبشار الأسد، وبينما فعل الوالد ذلك لشعوره بأن هذه الصور جزء من ديكور اجتماعي وأمني لا يمت الى قناعة الوالد بشيء، اختار هو المطبخ لأن نصرالله كان خياراً حقيقياً لا مباهاة اجتماعية فيه، مثلما هو المطبخ تماماً. انه اللحظة التي لا نكذب فيها على أنفسنا. وبينما كان تحـطيم صـور الرئيـس ووالـده سـهلاً، ذاك انها مـؤطـرة في كـادرات مسـتقلة، كان انـتزاع صور نصرالله عن البرادات صعباً ومكلفاً احتاج المقدمون عليه من السوريين ان يعاودوا طلاء براداتهم.

بعد «خطاب الجامعة» وما أعقبه من بكاء ثم خلعٍ لصورة نصرالله، قررت سمر ان لا بأس بمشاركتها ببعض الاحتجاجات في دمشق، تلك التي لم ترق الى مستوى التظاهر، انما ما كان يُطلق عليه الدمشقيون في أشهر الثورة الأولى «الوقفات التضامنية مع ضحايا الحراك». لكن كيف لها ان تفعل ذلك؟ فهي شابة منقطعة الصلة بالناشطين المدنيين وبالمثقفين الذين كانوا يُنظمون سراً هذه الأنشطة. انها ابنة عائلة لا علاقة لها بالسياسة على الإطلاق. وحده عمّها المغترب من كان يُحدثها بالسياسة، وهو كان يُحب الرئيس وما زال مقتنعاً بأن ما تشهده سورية مؤامرة وليس ثورة.

تمكنت سمر عبر صفحات «فايسبوك» من معرفة موعد لوقفة احتجاجية سينظمها ناشطون في مقابل قصر العدل في دمشق، سيحملون خلالها شموعاً تضامناً مع مدينة حمص. توجهت الى هناك وحدها، والتقى أمام قصر العدل عشرات من الناشطين لا تعرف أحداً منهم. وقفت معهم وحملت شمعة وقررت البقاء على رغم ان القوى الأمنية باشرت بالاقتراب من التجمع. وبعد وقت قصير انقض رجال الأمن على المتظاهرين واعتقلوا عدداً منهم كانت سمر من بينهم.

بقيت الشابة الدمشقية في الاعتقال 24 ساعة، لم يُحقق معها، فيما كانت عائلتها خارج السجن في حال من الذهول، فالعائلة لم يسبق ان تعرضت لاختبار من هذا النوع. جميع أفرادها من غير الناشطين في السياسة. تولى العم المقيم في الخارج الاتصال بأصدقاء له كي يُخرج ابنة شقيقه التي يفضلها على غيرها من أشقائها من السجن. وما إن خرجت حتى كان في انتظارها على الهاتف. قال لها انه على رغم عدم اتفاقه معها في موقفها المستجد من الرئيس ومن النظام، إلا انه يحترم خيارها «السلمي» في المشاركة في الوقفة الاحتجاجية.

في السجن، وقبله في أثناء الوقفة الاحتجاجية تمكنت سمر من لقاء ناشطات وناشطين، عادت واتصلت بهم بعد خروجها من السجن. وهنا بدأت رحلة خلع الحجاب. لم يكن ذلك قراراً قاطعاً ناجماً عن قناعة مستجدة. فـ «الوقفات الاحتجاجية» اللاحقة راحت تضع سمر في احتكاك مع شبان وشابات بقيت علاقتها بهم قائمة على النشاط المدني والإغاثي، لكنها راحت تراقب حياتهم، وشعرت انهم يشبهونها لكن الشابات غير محجبات. سألت نفسها: لماذا قررت ارتداء الحجاب؟ تقول ان 11 سنة من الحجاب أنستها السبب الفعلي وراء ارتدائه. لم تخلعه لأنها لم تجد جواباً، وأيضاً لأنها سألت نفسها سؤالاً ثانياً هو: لماذا أخلع الحجاب؟ ولم تجد جواباً على ذلك.

تنقلت سمر في أثناء نشاطها المدني في أكثر من منطقة في سورية. في مناطق من دمشق وريفها، ثم انتقلت الى درعا. وفي هذا الوقت شعرت ان حياتها أوسع مما كانت عليه عندما كانت منتظمة في حياة العائلة والعمل. تقول ان عائلتها لم تقف يوماً في وجه رغبتها في توسيع معارفها، لكن حياتها لم تطرح عليها هذا التحدي قبل الثورة.

القرار بالتخلي عن الحجاب لم يكن قاطعاً. كان طبيعياً وبارداً على ما تقول. كما ان اعتراض أهلها، وأشقائها تحديداً، لم يكن عنيفاً. فقط شعروا ببعض الخجل من حقيقة تخلي أختهم عن حجابها. شقيقها الكبير قال لها: «لقد شعرت بالخجل نفسه عندما قررتِ ارتداء الحجاب. أتمنى ان يكون قرارك نهائياً، وألا تُحرجيني مجدداً».
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات